في خضم الحديث المتصاعد عن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، برز موقف إماراتي واضح يرفض الاكتفاء بوقف إطلاق النار، ويدعو إلى معالجة شاملة للتهديد الإيراني، في رسالة سياسية تعكس تحوّلًا في مقاربة دول الخليج لمسار التسوية.
وبحسب مقال للسفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة في صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن “الأسابيع 4 الأخيرة من الحرب أكدت ما نعرفه منذ نحو 50 عامًا، وهو أن الثورة الإيرانية تشكل تهديدًا للأمن العالمي والاستقرار الاقتصادي”، محذرًا من السماح لإيران “باحتجاز الولايات المتحدة والإمارات والاقتصاد العالمي كرهائن”.
وشدد العتيبة على أن “وقف إطلاق النار وحده لا يكفي”، معتبرًا أن المطلوب “نتيجة حاسمة تعالج كامل نطاق التهديدات الإيرانية”، بما يشمل القدرات النووية، والصواريخ، والطائرات المسيّرة، وشبكات الحلفاء، إضافة إلى تعطيل الممرات البحرية الدولية.
وأشار إلى أن الإمارات تقع على خط المواجهة المباشر، لافتًا إلى أن إيران أطلقت أكثر من 2180 صاروخًا وطائرة مسيّرة باتجاهها، “وهو عدد يفوق ما استهدف أي دولة أخرى”، موضحًا أن أنظمة الدفاع تمكنت من اعتراض أكثر من 95% من هذه الهجمات.
كما لفت إلى أن الهجمات الإيرانية طالت مطارات وموانئ وبنى تحتية للطاقة، إلى جانب تعطيل شحنات الطاقة والإمدادات الصناعية، وتهديد مواقع مدنية وسياحية حول العالم عبر شبكات مرتبطة بطهران.
وفي هذا السياق، أوضح أن الإمارات عملت على تحصين بنيتها التحتية وبناء خط أنابيب نفطي يتجاوز مضيق هرمز، إلا أن “المنطقة تحتاج إلى جهد منسق لإعادة فتح هذا الممر الحيوي وضمان تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية”.
وأكد العتيبة أن بلاده لم تكن تسعى إلى الحرب، مشيرًا إلى أن مسؤولين إماراتيين أجروا قبل اندلاعها جهودًا دبلوماسية مكثفة “من طهران إلى واشنطن”، مع التأكيد أن الأراضي والأجواء الإماراتية لن تُستخدم لأي هجوم على إيران، رغم إدراكهم أنهم سيكونون هدفًا مباشرًا.
وأضاف أن الإمارات تمثل “نموذجًا لا يمكن لإيران تقبّله”، بوصفها “مجتمعًا مسلمًا حديثًا ومتقدمًا ومزدهرًا”، مشيرًا إلى استمرار بلاده في تعزيز اقتصادها عبر استثمارات في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والعلوم الحيوية والسياحة، إلى جانب مشاريع كبرى مثل أكبر مجمع لمراكز البيانات في العالم ومتحف “غوغنهايم” وحديقة “ديزني” في الشرق الأوسط.
كما أكد التزام الإمارات باستثماراتها في الولايات المتحدة، التي تبلغ 1.4 تريليون دولار، معتبرًا أن تعميق العلاقات الاقتصادية يعزز الاستقرار ويبعث برسالة واضحة إلى الجهات التي تسعى لزعزعة المنطقة.
وفي تقييمه للوضع الميداني، أشار إلى أن القدرات النووية الإيرانية “تضررت” وأن حلفاءها “ضعفوا”، لكنه شدد على ضرورة بذل المزيد لإزالة تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة، مؤكدًا استعداد بلاده للمشاركة في مبادرة دولية لإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا.
وختم العتيبة بالتأكيد أن الإمارات تريد إيران “جارًا طبيعيًا”، حتى وإن لم تكن صديقة، لكنها “لا يمكن أن تهاجم جيرانها أو تعرقل الملاحة الدولية أو تصدّر التطرف”، محذرًا من أن تجاهل المشكلة لن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة المقبلة.
في المحصلة، يعكس هذا الموقف الإماراتي تشددًا متصاعدًا في شروط أي تسوية محتملة، حيث لم يعد وقف الحرب كافيًا، بل باتت الأولوية لإعادة رسم قواعد الردع في المنطقة ومنع تكرار التهديد الإيراني مستقبلاً.
