نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” افتتاحية قالت فيها إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعمل على تقويض جهاز الأمن القومي للولايات المتحدة، ذلك أن الحرب على إيران لم تحظ باختبارات الضغط المعتادة.
وأضافت أن ترامب شن حربا على إيران دون هدف أو خطة واضحة، فسهولة قراره ومضيّه بالأمر، تثير الشكوك حول ما إذا كانت الرئاسة الأمريكية تخضع لأي رقابة دستورية، إن لا زالت قائمة، على صلاحية شن الحروب.
وقالت إن الحرب يجب أن تكون الخيار الوحيد بعد استنفاد جميع البدائل. وفي هذه الحالة، لم تستنفد البدائل فحسب، بل إن الإدارة حرمت نفسها من الوسائل اللازمة لفهمها أو تحقيقها.
وترى الصحيفة أن الحرب تركت الجهاز الأمني الأمريكي ضعيفا، وأثّر على قدرة قدرة الولايات المتحدة على خوضها.
والسبب كما ترى هو أن إدارة ترامب الثانية سعت إلى استئصال المعارضة داخل مؤسسات الأمن القومي، مفضلة الولاء الأيديولوجي على الخبرة.
وقد تم فصل أو استبدال آلاف الدبلوماسيين والموظفين المدنيين. ومعهم، ضاعت الكثير من المعرفة والذاكرة المؤسسية اللازمة لتجنب القرارات الخاطئة.
ولا شيء يعبر عن هذا التصرف أكثر من الدبلوماسية، فقد أوكل الرئيس المفاوضات الحساسة بشأن اتفاق نووي جديد مع إيران لمبعوثه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر. ورغم أن أيا منهما لا يمتلك خبرة نووية، فقد اختارا التفاوض دون خبراء نوويين فدراليين أمريكيين.
وأقال وكيل زارة الخارجية الأمريكية، في ظل إدارة ماركو روبيو، أكثر من 1,300 موظف في تموز/يوليو الماضي، في عملية تسريح واسعة النطاق للخبراء، لا سيما في شؤون الشرق الأوسط.
وفي كانون الأول/ ديسمبر، استدعى الرئيس الأمريكي نحو 30 سفيرا، ما ترك الولايات المتحدة مع حوالي 80 منصبا دبلوماسيا شاغرا. وشملت هذه المناصب سفراء ودبلوماسيين في دول خليجية حليفة كالمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، التي حث قادتها الولايات المتحدة على ضبط النفس تجاه طهران، وأصبحوا هدفا للرد الإيراني. أما السفير الأمريكي الرئيسي في المنطقة، مايك هاكابي، فهو من أشد المدافعين عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ومنذ أيار/ مايو، يشغل روبيو منصب مستشار الأمن القومي إلى جانب منصبه كوزير للخارجية. ولعل دمج مهام تنفيذ الدبلوماسية مع تنسيق المعلومات الاستخباراتية والخيارات وفحصها، بالإضافة إلى تقليص عدد موظفي مجلس الأمن القومي، يفسر سبب عدم خضوع قرار الحرب لاختبارات الضغط المعتادة. صحيح أن الضربات العسكرية الأمريكية كانت قوية، إلا أنه لم يكن هناك تخطيط واضح لاحتمالية، على سبيل المثال، إغلاق إيران مضيق هرمز، شريان النفط الحيوي. مع أن الإدارة الأمريكية تقول إن تخطيطها كان شاملا وأنها توقعت رد إيران بإغلاق المضيق.
وفي البنتاغون، أشرف بيت هيغسيث على تخفيضات كبيرة في القوى العاملة. ومن بين أهم هذه التغييرات، قام وزير الدفاع بفصل قضاة القضاء العسكري، الذين يقدمون المشورة بشأن قانونية أوامر القتال. وفي إطار سعيه لضمان “الفتك غير المبرر” للقوة العسكرية الأمريكية، قام بتقليص مركز التميز لحماية المدنيين، وهو مكتب أنشئ بتفويض من الكونغرس لمساعدة المخططين العسكريين على تجنب الخسائر في صفوف المدنيين.
ومن غير الواضح ما إذا كان ذلك قد لعب دورا في الضربة الصاروخية الأمريكية التي يرجح أنها استهدفت مدرسة للبنات في إيران، وأسفرت عن مقتل عشرات الأطفال، أو ما إذا كان ذلك ناتجا عن معلومات استخباراتية قديمة. لكن النقاد، بمن فيهم ديمقراطيون بارزون، أشاروا إلى تركيز البنتاغون على “روح المحارب” كعامل في ارتفاع عدد الضحايا المدنيين في إيران.
وترى الصحيفة أن تراجع أولوية ضمانات حماية المدنيين يعكس إصرارا واسعا بين كبار المسؤولين الأمريكيين، بدءا من الرئيس، على أن ضرورة التحرك العاجل الذي يتجاوز أي تساؤلات حول شرعية الضربات. ويقولون إن قوى أخرى، بما فيها إيران، لن تشعر بالتقييد بمثل هذه المفاهيم.
ولطالما تعرضت الولايات المتحدة لاتهامات بأنها تقوم بتطبيق القانون الدولي بشكل انتقائي، وفي صراعات سابقة، مثل غزو العراق عام 2003، بذل البيت الأبيض جهودا حثيثة لمحاولة الحصول على تفويض من الأمم المتحدة وموافقة الكونغرس. أما الإدارة الحالية فلم تبذل أي جهد مماثل.
وبات الرئيس ترامب يتبنى وبطريقة أكثر وضوحا، عالما يقوم على مبدأ أن “القوة هي الحق”، مع أن سعيه للحصول على الحرية العسكرية قد أضعف قدرته على استخدام القوة الأمريكية بحكمة وفعالية.

