كشف علماء عن خطة مثيرة للجدل لإطلاق 50 ألف مرآة إلى الفضاء لتوفير «ضوء الشمس عند الطلب»، لكن المشككين يحذرون من أنها تشكل «مخاطر جسيمة» على الحياة البرية والبشر.
وتستعد شركة «ريفليكت أوربيتال» الأمريكية الناشئة، ومقرها كاليفورنيا، للحصول على ترخيص لإطلاق نموذج أولي لمرآة يبلغ قطرها 18.3 متر إلى المدار لعكس ضوء الشمس إلى سطح الأرض.
وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، إن هذه المرآة الضخمة بمجرد وصولها إلى ارتفاع 640 كيلومتراً، ستُفتح وتُضيء رقعة من الأرض يبلغ عرضها حوالي 4.8 كيلومترات.
وسيرى أي شخص ينظر إلى الأعلى من الأرض نقطة ضوء صغيرة تُضاهي سطوع القمر.
وتقول شركة «ريفليكت أوربيتال» إن مراياها الفضائية قد تُمكّن محطات الطاقة الشمسية من العمل على مدار الساعة، وتوفير الإضاءة للمناطق المنكوبة بالكوارث، وحتى استبدال مصابيح الشوارع.
وقدّمت الشركة بالفعل طلباً إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية، وهي الجهة المسؤولة عن إصدار تراخيص الأقمار الاصطناعية، ومن المتوقع إطلاق المرآة العملاقة في أقرب وقت هذا الصيف.
ومع ذلك، لا يحظى هذا المشروع بتأييد الجميع، حيث حذّرت مارثا هوتز فيتاتيرنا، عالمة الأحياء العصبية في جامعة نورث وسترن والمديرة المشاركة لمركز النوم وعلم الأحياء الإيقاعي، قائلةً: «إنّ تداعيات هذا المشروع على الحياة البرية، بل على جميع أشكال الحياة، هائلة».
وشركة «ريفليكت أوربيتال»، التي جمعت بالفعل أكثر من 28 مليون دولار من المستثمرين، ليست أول من يحلم بتسخير طاقة الشمس باستخدام المرايا، ففي عام 1993، نشر قمر اصطناعي روسي يُدعى «زناميا» (أو الراية) مرآةً طولها 65 قدماً، وعكس شعاعاً ضوئياً بقوة ضوء قمرين أو ثلاثة أقمار مكتملة.
وكانت الفكرة هي اختبار إمكانية استخدام أسطول صغير من الأقمار الاصطناعية لإطالة ساعات النهار في منطقة سيبيريا القطبية النائية.
ومع ذلك، فإن خطة شركة «ريفليكت أوربيتال» أكثر طموحاً من تلك التجارب المبكرة.
وتقول الشركة إنها تخطط لاستغلال الكميات الهائلة من ضوء الشمس التي تمر عادةً من دون أن تصل إلى الأرض، وبيعها عند الطلب للأفراد والشركات والحكومات.
وستكون الفائدة الأكبر لقطاع الطاقة الشمسية المتنامي، الذي يواجه حاليًا مشكلة حتمية تتمثل في عدم قدرة الألواح الشمسية على توليد الكهرباء ليلاً.
وصرح بن نواك، الرئيس التنفيذي لشركة ريفليكت أوربيتال، لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية: «نسعى لبناء نظام قادر على استبدال الوقود الأحفوري وتوفير الطاقة اللازمة لكل شيء».
وتخطط ريفليكت أوربيتال لإطلاق نموذجين أوليين إضافيين من المرايا بحلول نهاية عام 2027، على أمل إطلاق 1000 قمر اصطناعي أكبر حجماً بحلول نهاية العام التالي.
ووفقاً للخطة الحالية للشركة، سيرتفع هذا العدد إلى 5000 قمر اصطناعي بحلول عام 2030، ليصل إلى كوكبة كاملة تضم 50000 مرآة مدارية بحلول عام 2035.
ويقول نواك إن الشركة ستتقاضى حوالي 5000 دولار مقابل ساعة من ضوء الشمس من مرآة واحدة، في حال توقيع العميل عقداً سنوياً لمدة 1000 ساعة على الأقل.
كما أشار إلى إمكانية توفير محطات الطاقة الشمسية للإضاءة من خلال الاتفاق على تقاسم عائدات الطاقة المولدة باستخدام ضوء ريفليكت أوربيتال.
ورغم أن ذلك قد يُعدّ مكسباً للطاقة المتجددة، فقد أبدى العلماء مخاوف جدية بشأن سلامة الخطة وفعاليتها.
ويحذر النقاد من أن المرايا قد تشتت انتباه الطيارين، وتتداخل مع عمل المراصد الأرضية، وتُخلّ بدورة النوم الطبيعية للحيوانات والبشر.
وتتأثر الإيقاعات اليومية، وهي الدورات البيولوجية الطبيعية التي تُساعد الكائنات الحية على معرفة وقت النوم، بشكل كبير بوجود ضوء الشمس أو غيابه.
وإذا ما اضطربت هذه الإيقاعات، فقد تتكاثر الحيوانات في أوقات غير مناسبة عندما يندر الغذاء، وقد تستيقظ الحيوانات والحشرات التي تدخل في سبات شتوي في منتصف الشتاء، وقد تزهر النباتات في غياب الملقحات.
كما قد يُربك الضوء الإضافي الطيور المهاجرة، فيدفعها إلى الطيران في البرد القارس ظنًا منها أن الصيف قد اقترب.
وقد يُشكل ذلك مشكلة أيضًا للبشر في المناطق المتأثرة، حيث يُؤدي الضوء الإضافي في المساء إلى اضطراب دورة نومنا الطبيعية.
وتقول منظمة «دارك سكاي» إن هذه الأنشطة «تُشكل مخاطر جسيمة على البيئة الليلية». وتضيف: «سيؤدي هذا النوع من الإضاءة إلى ظهور مصدر جديد تمامًا للضوء الاصطناعي ليلًا، ما سيترتب عليه عواقب وخيمة، بما في ذلك الإضرار بالحياة البرية والنظم البيئية التي تعتمد على دورات الضوء والظلام الطبيعية، فضلًا عن مخاوف جدية تتعلق بالسلامة العامة».
لكن لجنة الاتصالات الفيدرالية لا تأخذ أياً من هذه العوامل في الحسبان عند النظر في طلب شركة ريفليكت أوربيتال، حيث تنص السياسة الرسمية للجنة على أن أي شيء يحدث في الفضاء، بحكم تعريفه، ليس على الأرض، وبالتالي لا يخضع للمراجعة البيئية.
وإلى جانب الآثار البيئية، يشعر العلماء بقلق بالغ من أن تُعرّض شركة ريفليكت أوربيتال علم الفلك للخطر.
وقد حذر علماء الفلك لسنوات من أن الضوء المنعكس من آلاف الأقمار الاصطناعية في المدار يجعل من الصعب على التلسكوبات رصد الفضاء.
وبينما تسعى شركة سبيس إكس طواعيةً إلى جعل أقمارها الاصطناعية أقل سطوعًا، تحاول شركة ريفليكت أوربيتال جعل مركبتها الفضائية ساطعة قدر الإمكان.
وقال البروفيسور غاسبار باكوس، عالم الفلك بجامعة برينستون: «سيُحدث هذا المشروع اضطرابًا كبيرًا في علم الفلك الأرضي».
وتزعـــم الشــركة أن شـــعاع الضوء سيقتصر على منطقة محدودة، متجنبًا بذلك المراصد الأرضية الأكثر حساسية.
لكن البروفيسور باكوس يُشير إلى أن الضوء سيتشتت حتماً عبر الغلاف الجوي على السحب وجزيئات الهواء، مما يُضيف تلوثاً ضوئياً للسماء.
ويقول البروفيسور باكوس إنه يجب منع شركة ريفليكت أوربيتال منعًا باتًا من وضع مرايا في المدار، مضيفًا: «هذا يُلحق الضرر ببيئتنا بطرق عديدة».

