بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

“عبد الله عزام” في غزة.. هكذا أضاعت إسرائيل الاتجاه لاهثة خلف شعاراتها الجوفاء

“عبد الله عزام” في غزة.. هكذا أضاعت إسرائيل الاتجاه لاهثة خلف شعاراتها الجوفاء

انشغال إسرائيل المهووس والدقيق في التشابه بين رمز النسر الذي تتخذه لجنة التكنوقراط التي يفترض أن تدير القطاع وذاك الذي للسلطة الفلسطينية، وفي خطوات دراماتيكية أخرى يجري العمل عليها عملياً، يشكل مقدمة لضياع الاتجاه الإسرائيلي في سياق غزة. فضلاً عن الصراع الدون-كيشوتي لمنع مشاركة السلطة في غزة – في الوقت الذي أقيمت فيه لجنة ارتباط بينها وبين لجنة تكنوقراط أول أمس، بترحيب من مجلس السلام – تبرز فجوة مضاعفة تتسع بانتظام: بين الأهداف التي قررتها إسرائيل في القطاع والواقع على الأرض، وكذا بين نهج نتنياهو تجاه غزة ونهج باقي العالم، بما فيه ترامب.


انعقاد مجلس السلام الأسبوع الماضي يرسم الاتجاه والمعاضل والمشاكل التي ستنشأ: يتسارع البحث بشأن القوة متعددة الجنسيات – وإن كان من غير المعقول نزع سلاح حماس؛ وتجند أموال لإعمار القطاع – حتى بدون أن يتحقق تجريد القطاع، وفي هذا الإطار تعود قطر إلى مقدمة الساحة، رغم روح إسرائيل التي تتطلع لرؤية دول عربية أخرى وعلى رأسها السعودية (لكن بالتوازي، تعارض شرطها الأساسي في المضي بالمفاوضات في الموضوع الفلسطيني)؛ وحكومة التكنوقراط ستصل إلى غزة، لكن يبدو أنها ستكون مجرد طلاء تجميلي، من خلفه ستحاول حماس أن تكون وفقاً لنموذج حزب الله.

حيال السعي الدولي لنظام جديد في غزة، حتى لو كان بعيداً عن الكمال، تقترح إسرائيل حلاً واحداً فقط: العودة إلى الحرب والتي تترافق غير مرة وإعلانات عن احتلال القطاع وبقاء طويل فيه

حيال السعي الدولي لنظام جديد في غزة، حتى لو كان بعيداً عن الكمال، تقترح إسرائيل حلاً واحداً فقط: العودة إلى الحرب والتي تترافق غير مرة وإعلانات عن احتلال القطاع وبقاء طويل فيه، وثمة في إسرائيل حتى من يعدون بإعادة توطين المنطقة باليهود وإفراغها من الغزيين. مثلما هو على مدى كل الحرب، الآن أيضاً لا بحث متعمقاً في إسرائيل يتناول مسألة اليوم التالي. وكالمعتاد، الخيالات والشعارات تحل محل السياسة الواعية: تتواصل تنمية ميليشيات وعشائر مشكوك فيها بدعوى أنها بديل لحماس؛ وتطرح الشعارات بشأن نزع التطرف “مثلما في ألمانيا واليابان بعد 1945″، وذلك رغم أن حماس صاحبة السيادة في القطاع، وتسيطر على جهاز التعليم وتصمم وعي الفلسطينيين، فيما تبني تركيا في الخلفية مساجد جديدة في غزة، أحدها باسم عبد الله عزام، الأب الروحاني لابن لادن والشخصية القدوة في نظر حماس. هذا ليس تعبيراً عن الترويج للاعتدال والتسامح.


بين هذا وذاك، تتمترس إسرائيل في الخط الأصفر الذي يقسم القطاع، والذي يعرفه الكثيرون كالحدود الجديدة. يدور الحديث عن نوع من تطبيق مفهوم أمني جديد، وبموجبه يتطلب حضوراً في عمق أراضي العدو، ومن هناك الدفاع عن حدود إسرائيل. ظاهراً، هذا ادعاء منطقي، لكن مفهوم أمن جديد يتطلب عملية عميقة، وهذا غير قابل لتقوده قيادة خلقت مفاهيم مغلوطة ومسؤولة عن الإخفاقات. فضلاً عن ذلك، فإن المفهوم إياه يقوم على افتراض بعدم ممارسة ضغوط خارجية على إسرائيل، وأنه سيسمح لها بالعودة إلى قتال قوي في مستقبل. عملياً، يواصل ترامب إشعال ضوء أحمر لإسرائيل وربما يطلب قريباً تعميق الانسحاب.


إن البقاء على الخط الأصفر بلا استراتيجية مرتبة، بما في ذلك صياغة أهداف وجداول زمنية، يولد ظواهر سلبية تنشأ عن تواجد ثابت وطويل في أرض العدو: إعادة الاشتباكات؛ خروقات قيمية خطيرة، مثل التهريبات التي يشتبه فيها بتسلئيل زينيه وغيره؛ وكذا مغامرات منفلتة مثل تسلل المدنيين إلى القطاع لإقامة مستوطنات (كما يجري أيضاً في سوريا ولبنان)، مثلما في الحادثة المأساوية التي سقط فيها جندي الجيش الإسرائيلي غور كهاتي، تعكس صداماً حاداً بين أماني اعتقادية واحتياجات عملياتية وربما تنتهي بكوارث جسيمة تحدث شرخاً داخلياً قاسياً. والد الجندي الإسرائيلي عوفري يافيه، الذي قتل الأسبوع الماضي بالخطأ على أيدي قواتنا في القطاع، جسد المعضلة المتشكلة بقدر كبير، حين أثار تساؤلاً حاداً عن غاية البقاء في غزة منذ انتهاء القتال في المنطقة. إن العناد المتمثل بعدم تطوير استراتيجية مرتبة والتحقيق في جذور إخفاق 7 أكتوبر يعكس عدم قدرة مزمنة على الاعتراف بالإخفاقات وعرض حقيقة معقدة للجمهور. وبدلاً من هذا، جهد لإخفاء أو طمس الفجوات، بل وعرضها كإنجازات. مقررو السياسة ربما يسرون الحقيقة، لكنهم لا ينقلوها إلى الجمهور. مثلاً، إن إنهاء الحرب فرض على إسرائيل بخلاف إرادة الحكومة؛ إن سلسلة المشاريع العابثة التي جرى العمل عليها في غزة انهارت (وعلى رأسها صندوق غزة الإنساني) وأنه لا جدوى من خيالات ترحيل الغزيين إلى مكان بديل؛ وإنه رغم إرادة إسرائيل فقد بقي لتركيا وقطر دور مركزي في تصميم غزة؛ وأنه بسبب العناد النابع من اعتبارات حزبية، يتقلص نفوذ إسرائيل في القطاع في ظل تدويل زاحف.


ربما ستضطر إسرائيل قريباً لقبول المزيد من الإملاءات من ترامب، مثلما كان مع إنهاء الحرب (مرتين)، والانتقال إلى المرحلة الثانية. وستتضمن هذه مطالبات بتسريع إعمار القطاع، واستقبال قوة متعددة الجنسيات وحكومة تكنوقراط (كل هذا قد يقيد حرية عمل إسرائيل في القطاع)، وربما تبني صيغة “مركبة” لنزع سلاح حماس الثقيل فقط إلى جانب تعميق الانسحاب الإقليمي.


بدلاً من العناد والشعارات، المطلوب هو التركيز على ثلاثة أهداف حيوية: حفظ حرية العمل مثلما في لبنان؛ والتحكم بمحور فيلادلفيا ويشترط ألا يكون تحكماً فلسطينياً؛ وفيتو على وصول قوات معادية إلى القطاع. لا بديل أفضل، وإسرائيل مطالبة باختيار أهون الشرين، الذي هو على ما يبدو حكومة التكنوقراط. ينبغي أن نرى في ذلك حلاً مؤقتاً إلى أن تتبلور في إسرائيل استراتيجية لمعالجة جذرية لحماس، فيما تجري هذه المرة بالمبادرة وتحظى بالشرعية من الداخل والخارج، لا توجد في هذه اللحظة.

يديعوت أحرونوت 22/2/2026