يواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ضغوطا من النواب بعد اعترافه أنه كان يعرف بعلاقة بيتر ماندلسون مع المتحرش بالقاصرات والمدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين، ومع ذلك قرر المضي وترشيحه كسفير بريطانيا في واشنطن.
وقد استقال ماندلسون العام الماضي بعد الكشف عن مدى العلاقة مع إبستين، ثم عاد واستقال من حزب العمال، بعد إفراج وزارة العدل الأمريكية عن ملايين الملفات المتعلقة بفضائح وعلاقات إبستين النافذة مع النخب الحاكمة في الغرب. وتواصل تداعيات قضية إبستين في هز المؤسسة البريطانية بعد نشر صور فاضحة لأمير سابق ومراسلات لزوجة الأمير السابقة التي طلبت من إبستين الزواج منها ومساعدتها ماليا. لكن الناشطين يطالبون بالكشف عن علاقات ماندلسون بشركة تكنولوجيا أمريكية تصدر السلاح إلى إسرائيل.
ونشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده روبرت بوث ودان صباغ، قالا فيه إن الناشطين دعوا للشفافية وكشف كامل عن علاقة ماندلسون بشركة التكنولوجيا الأمريكية “بالانتير”، وسط مخاوف من تسريبه معلومات حساسة أكثر مما ورد في رسائله الإلكترونية إلى إبستين.
وبالانتير، هي شركة ناشئة تبلغ قيمتها 300 مليار دولار، تزود الجيش الإسرائيلي بتكنولوجيا عسكرية، وتقدم أنظمة لاستهداف المهاجرين وترحيلهم مدعومة بالذكاء الاصطناعي لوحدات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية التابعة لدونالد ترامب، ولديها عقود مع الحكومة البريطانية بقيمة تزيد عن 500 مليون جنيه إسترليني. كما تعمل شركة “غلوبال كاونسل”، وهي شركة ضغط شارك ماندلسون في تأسيسها، ويملك جزءا منها، لصالح بالانتير.
ويطالب سكرتير مجلس الوزراء، السير كريس وورمالد، بالكشف عن معلومات حول دور ماندلسون عندما رتبت السفارة البريطانية زيارة كير ستارمر لمعرض بالانتير في واشنطن العاصمة في شباط/ فبراير 2025، بعد فترة وجيزة من تولي ماندلسون منصب سفير بريطانيا لدى الولايات المتحدة.
وقد التقى ماندلسون وستارمر بالرئيس التنفيذي للشركة، أليكس كارب، واطّلعا على التكنولوجيا العسكرية التي تنتجها الشركة. ووقّع كارب شراكة استراتيجية مع وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، بعد سبعة أشهر. وفي كانون الثاني/ يناير، وقّعت وزارة الدفاع عقدا لمدة ثلاث سنوات بقيمة 241 مليون جنيه إسترليني مع شركة بالانتير “لتعزيز الذكاء الاصطناعي العسكري والابتكار”.
وتقود منظمة “فوكسغلوف”، وهي منظمة تعنى بقضايا التكنولوجيا العادلة، الدعوات لمكتب مجلس الوزراء للكشف عن أي معلومات تتعلق بأي تورط لماندلسون في مفاوضات عقود شركة بالانتير. كما حث أليكس بورغارت، النائب المحافظ ووزير المالية في حكومة الظل لدوقية لانكستر، وورمالد على مراجعة أحدث عقد لشركة بالانتير مع وزارة الدفاع “في ضوء الادعاءات التي بدأت تتكشف حول سلوك ماندلسون”. وأوضح بورغارت أن اجتماع ستارمر مع بالانتير لم يدرج في سجل زيارات رئيس الوزراء، ولم يذكر إلا في إحاطات لاحقة.
وأضاف أن عقد بالانتير مع وزارة الدفاع “منح مباشرة”، دون منافسة، حيث طلب من أمين مجلس الوزراء التحقق من “عدم وجود عقود أخرى مماثلة، أو اجتماعات أخرى غير معلنة”.
وجاءت الدعوات للشفافية بعد أن تبين، على ما يبدو، أن ماندلسون قد أحال إلى إبستين معلومات حساسة جدا كان قد تلقاها بصفته وزيرا للأعمال في عهد غوردون براون عام 2009، بما في ذلك ردود الحكومة على الأزمة المالية العالمية.
وقد حكم على إبستين بالسجن بتهمة الاعتداء الجنسي على الأطفال عام 2008، لكنه تمكن من مواصلة عمله، وظل ماندلسون على اتصال به.
وقد أثارت عقود بالانتير مع الحكومة البريطانية جدلا واسعا، وقالت الجمعية الطبية البريطانية الأسبوع الماضي بأنه يحق للأطباء رفض استخدام منصة بيانات بالانتير الموحدة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية “أن أتش أس”، والتي تبلغ قيمتها 340 مليون جنيه إسترليني، في بعض الحالات، احتجاجًا على دور الشركة التقني في تسهيل أنشطة إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية. وقد شارك في تأسيس شركة بالانتير الملياردير بيتر ثيل، المستثمر في مجال التكنولوجيا، والذي كان من مؤيدي ترامب. وتشير رسائل بريد إلكتروني نشرتها وزارة العدل إلى أن إبستين كان على علاقة بثيل أيضاً.
وفي رسالة من زاك بولانسكي، زعيم حزب الخضر، إلى وزير الصحة، ويس ستريتينغ، قال فيها: “هناك تساؤلات مقلقة تستدعي الإجابة حول دوره في صفقة الحكومة مع شركة بالانتير، وهي شركة تكنولوجيا تجسس، شارك في تأسيسها رجل يعتقد أن نظام الرعاية الصحية الوطني يجب تفكيكه”.
وتساءل بولانسكي قائلا: “هل استند قرار الحكومة بمنح هذه الشركة المثيرة للجدل بيانات الصحة الشخصية الأكثر حساسية للشعب البريطاني إلى ما هو الأفضل لبلادنا، أم أنه مجرد صفقة مشبوهة أخرى رتبها ماندلسون لصالح أصدقائه الأثرياء؟”.
وقالت تشي أونورا، رئيسة لجنة العلوم والتكنولوجيا في مجلس العموم: “لقد أثرنا تساؤلات حول عقود شركة بالانتير مع القطاع العام وكيف ولماذا تم إبرامها، وما إذا كان ينبغي لبريطانيا الاعتماد على مزودي خدمات كبار مقرهم الولايات المتحدة. سننشر نتائجنا قريبا، ولكن من الواضح أن على الحكومة إعطاء الأولوية لتعزيز قدراتها السيادية في التقنيات الناشئة ومراجعة اعتمادها على هذه الشركات”.
وبينما استقال ماندلسون من منصبه كمدير لشركة غلوبال كاونسل في مايو 2024، إلا أنه لا يزال يحتفظ بأسهم في الشركة الاستشارية، وفقا لسجلات سجل الشركات.
وعلقت “الغارديان” في افتتاحيتها حول نفوذ إبستين والمساءلة وضرورة الشفافية حماية للناجيات من انتهاكاته. وقالت فيها إن مسار العدالة الذي بدأ للتحقيق مع المتورطين بجرائم المتحرش سيئ السمعة، فهناك حاجة لتسليط الضوء على داعمي الممول الأثرياء في الولايات المتحدة.
وأشارت الصحيفة لما قالته المحامية الأمريكية ليزا بلوم في مقابلة مع صحيفة “الغارديان” هذا الأسبوع: “كلما نشرت المزيد من وثائق إبستين، كلما اتضح لنا كيف كان لديه العديد من الأصدقاء النافذين، وهذا ما ساعده في نهاية المطاف”. وكما أشارت بلوم، التي تمثل 11 من ضحايا إبستين بأسلوب ساخر: “ليست هذه هي الطريقة التي يفرض أن يعمل بها نظام العدالة”.
وتعلق الصحيفة أن قضية إبستين، كانت منذ البداية مثالا صارخا على قدرة أصحاب النفوذ والعلاقات الواسعة على التهرب من التدقيق وترهيب يريدون ترهيبه. ومن هنا، ترى الصحيفة أن السعي الحثيث نحو الشفافية، على المستويين المؤسسي والشخصي، هو السبيل الوحيد لمكافحة هذه الأساليب ومحاسبة أصحاب السلطة.
وفي الأيام الاستثنائية التي أعقبت الكشف عن المزيد من ملفات إبستين الأسبوع الماضي، بدأت عجلة العدالة في بريطانيا، وإن متأخرة، بالدوران على هذا الأساس. وأدت الادعاءات بأن بيتر ماندلسون سرّب رسائل بريد إلكتروني من داونينغ ستريت ومعلومات حساسة تتعلق بالسوق إلى إبستين، المدان بجرائم جنسية، عقب الأزمة المالية، إلى فتح تحقيق جنائي.
وأظهرت أحداث الأربعاء في مجلس العموم أنها أطلقت العنان لفضيحة في وستمنستر تهدد بإغراق رئاسة الوزراء لكير ستارمر. وقد يتوقف مستقبل رئيس الوزراء السياسي على قدرته على إقناع أعضاء البرلمان بأنه يتسم بالشفافية بشأن القرار المصيري بتعيين بيتر ماندلسون سفيرا في واشنطن.
وفي الولايات المتحدة أيضا، قد يكون هناك “محاسبة” طال انتظارها، على حد تعبير ميليندا فرينش غيتس، الزوجة السابقة لبيل غيتس. وقد نفى غيتس بشدة الادعاءات الفاضحة التي وردت عنه في أحدث دفعة من الملفات، واصفا إياها بأنها كاذبة. لكن الأهمية الأوسع لهذا السقوط تمثلت في تأكيد مدى اختيار نخبة ثرية ونافذة، بدافع المصلحة الذاتية، الارتباط بإبستين لفترة طويلة بعد إدانته.
فعلى سبيل المثال، كان الملياردير بيتر ثيل، المستثمر في رأس المال المخاطر، على اتصال بإبستين، وتشير التقارير إلى أن شركة استثمارية شارك في تأسيسها قبلت منه 40 مليون دولار. وزار هوارد لوتنيك، وزير التجارة الأمريكي، جزيرة إبستين الخاصة مع زوجته وأولاده عام 2012.
وفي رسالة بريد إلكتروني ودية عام 2013، كتب ريتشارد برانسون بأسلوب فظ للغاية: “متى ما كنت في المنطقة، يسعدني رؤيتك، بشرط أن تحضر حريمك معك!”. وفي وادي السيليكون، استخدمت أموال هذا الممول في حفلات عشاء فاخرة مع شخصيات بارزة مثل لاري بيج وسيرغي برين.
كما يظهر الفيلسوف اليساري نعوم تشومسكي في رسائل البريد الإلكتروني كمستشار متعاطف، يسدي النصائح لإبستين حول كيفية التعامل مع “الهستيريا” التي أثيرت حول إساءة معاملة النساء ومعاملته “المروعة” في الصحافة. وقد تم التقليل من شأن هذه العلاقات، بل وأعرب عن الأسف علنا، بعد اعتقال إبستين ووفاته في السجن.
لكن الدوائر النخبوية التي منحته حصانة مطلقة في شبكات النفوذ، أكسبته بذلك هالة من الحصانة، حتى في الوقت الذي ناضلت فيه الناجيات لكشف انحرافات إبستين. إنهم مدينون لهؤلاء الضحايا بتقديم محاسبة كاملة عن أفعالهم.
وأعرب بيل وهيلاري كلينتون، اللذان سيدليان بشهادتهما في التحقيق الذي يجريه الكونغرس بشأن إبستين هذا الشهر، عن أملهما في أن يشكل ظهورهما سابقة. أما ضحاياه، الذين يطالبون وزارة العدل بالإفراج الكامل عن الملفات التي خضعت لتنقيح مكثف، فلن يعلقوا آمالا كبيرة على ذلك.
فقد كان لأشخاص ذوي نفوذ هائل مصلحة في طي صفحة فضيحة إبستين. بعد أسبوع بدا وكأنه نقطة تحول محتملة، تقتضي الضرورة الأخلاقية الكشف الكامل، كما تقول الصحيفة.

