قال جيل باريس، كاتب الرأي في صحيفة “لوموند” إن متابعة دونالد ترامب لا تساعد بالضرورة على الفهم. فالملف الإيراني يقدم مثالًا واضحًا على ذلك. ففي 13 يناير/كانون الثاني، بينما كان النظام الإيراني يقمع غضب شعبه بالدم، أعلن الرئيس الأمريكي دعمه للانتفاضة، واعدًا بمساعدة لن تصل أبدًا.
وبعد ثلاثة أيام، شكر النظام نفسه لأنه -بحسب قوله- تراجع عن تنفيذ مئات الإعدامات، رغم تراكم الشهادات عن قمع وحشي. ثم أكد ترامب في 27 يناير/كانون الثاني أن “أسطولًا رائعًا يبحر بشكل مذهل نحو إيران”، مهددًا بضربات أمريكية. لكنه دعا النظام في الرسالة نفسها إلى “التفاوض على اتفاق عادل ومنصف”.
لم يعد الحديث عن الإيرانيين أنفسهم، بل عن البرنامج النووي الذي كان ساكن البيت الأبيض قد أكد سابقًا أنه “دُمّر بالكامل وبشكل تام” بفعل القنابل الأمريكية بعد “حرب الأيام الاثني عشر” التي شنتها إسرائيل في يونيو/حزيران الماضي. حملة قصف أمريكية جديدة ستكون دليلًا على عكس ذلك، مع خطر دفع نظام مأزوم أصلًا إلى الهروب إلى الأمام خارج حدوده.
هذه التصريحات المرتبكة تجسد لعنة متكررة، فالولايات المتحدة الأمريكية تعد دائمًا بالخروج من مستنقعات الشرق الأوسط، لكنها تواصل الغرق فيها حتى منتصف ساقيها، بحسب ما يقول الكاتب
فاستراتيجية الأمن القومي التي نشرتها الإدارة الأمريكية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، كانت قد أعلنت طي صفحة الانخراط الأمريكي في المنطقة. وجاء فيها: “ لقد انتهى -ولحسن الحظ- الزمن الذي كان فيه الشرق الأوسط يهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية، سواء في التخطيط طويل المدى أو التنفيذ اليومي، ليس لأن المنطقة لم تعد مهمة، بل لأنها لم تعد مصدرًا دائمًا للإزعاج والكوارث الوشيكة كما كانت في السابق. بل أصبحت مكانًا للشراكة والصداقة والاستثمار، وهي نزعة ينبغي الترحيب بها وتشجيعها”.
واعتبر الكاتب أن روح التسامح تدفعنا إلى إعفاء كاتب هذا المقطع من تهمة السذاجة، إذ ليس الأول من نوعه. فمستشار الأمن القومي للرئيس الديمقراطي جو بايدن، جيك سوليفان، قال قبل أيام قليلة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023: “منطقة الشرق الأوسط اليوم أكثر هدوءًا مما كانت عليه منذ عقدين”.
في يناير/ كانون الثاني عام 2014، عندما سُئل الرئيس الديمقراطي باراك أوباما عن قدرة تنظيم “الدولة” -الذي كان آنذاك في بداياته- على أن يحل محل القاعدة في العراق، والتي كان يعتبرها “مُحطمة”، قال: “إذا ارتدى فريق ناشئين قمصان فريق ليكرز، فهذا لا يجعلهم كوبي براينت”. وبعد خمسة أشهر، سقطت الموصل.
الرغبة في الانسحاب العسكري من الشرق الأوسط هي أيضًا هدف الاستراتيجية الدفاعية الوطنية التي نشرها البنتاغون في24 يناير/كانون الثاني. وترى الوثيقة أن الأمر ممكن لأن “شركاء الولايات المتحدة” في المنطقة “أصبحوا أكثر استعدادًا وقدرة على الدفاع عن أنفسهم ضد إيران ووكلائها”. لكن الوقائع تقول العكس، يوضّح جيل باريس.
بعد عام واحد في البيت الأبيض، أمر دونالد ترامب بضربات صاروخية وضربات بالطائرات المسيّرة أكثر مما فعل سلفه جو بايدن طوال ولايته، وفقًا لبيانات منظمة رصد النزاعات المسلحة. والغالبية الساحقة من هذه الضربات استهدفت دول الشرق الأدنى والأوسط: العراق، سوريا، اليمن وإيران.
وبالنسبة لهذين البلدين الأخيرين، فيتعلق الأمر بحملات قصف واسعة النطاق. وبالتالي فإن إرسال “الأسطول الرائع” ذي القوة النارية الهائلة يمثل شكلًا من أشكال الاستمرارية.
وإذا كان هناك درس من سابقة فنزويلا، فهو أن نشر مثل هذه القوة الجوية والبحرية يشكل بحد ذاته إغراءً باستخدامها، كما يذكر الدبلوماسي ميشال دوكلو في مذكرة نشرها معهد مونتين.
مع ذلك، فإن الوضع لا يمكن مقارنته بفنزويلا، حيث إن الولايات المتحدة تمتلك في المنطقة قواعد عسكرية تمثل أهدافًا محتملة للصواريخ الإيرانية. وأي تصعيد قد يمتد إلى حلفاء واشنطن، ويؤثر على أسعار النفط، حتى وإن كانت منخفضة حاليًا.
كما أن تصريحات الرئيس الأمريكي تزيد أيضًا من الغموض بشأن هدف أي تدخل عسكري، يقول الكاتب متسائلاً: هل هو تغيير النظام وهو أمر يُعتبر مرغوبًا بوضوح، بالقوة؟ أم استراتيجية إنهاك لتقليص قدراته على الإضرار؟ أم استعراض قوة لإعادة فتح المفاوضات من موقع أقوى؟ لا شيء واضح.
والفرق الآخر مع فنزويلا، التي استطاع البيت الأبيض تحويلها إلى قضية داخلية عبر ربطها بآفة تهريب المخدرات في الولايات المتحدة، يتمثل في الرفض الذي تثيره أي مغامرة أمريكية في الشرق الأوسط داخل قاعدة “ماغا” (Make America Great Again).
والانتقادات التي تعرض لها ترامب خلال “حرب الأيام الاثني عشر” أثبتت أن هذه القاعدة لا ترى أن مصالح الولايات المتحدة كانت على المحك، بل تعتقد أن واشنطن كانت تقاتل من أجل الآخرين ولصالحهم فقط. ومن غير المرجح أن تكون قد غيّرت رأيها، وفق جيل باريس.
مع ذلك، يبقى دعم هذه القاعدة أساسيًا لسكان البيت الأبيض. فقد خسر دونالد ترامب بالفعل جزءًا من التحالف الذي أعاده إلى السلطة، بسبب إدارة متقلبة وعدوانية لشؤون الدولة الفدرالية.
وفي حال تورط طويل في الشرق الأوسط، فإن فتور تعبئة هذه القاعدة سيكون ضمانة لهزيمة في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، ولعامين من أفول سياسي حتى مغادرته المكتب البيضاوي.

