بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

صحيفة إسرائيلية: حين يواجه “حزب الله” أصعب معضلة في تاريخه

صحيفة إسرائيلية: حين يواجه “حزب الله” أصعب معضلة في تاريخه

في الوقت الذي لا تشاهد فيه إشارات عملية في قطاع غزة حتى الآن على نزع سلاح حماس، وهذه القضية تتطور من موضوع عسكري خالص إلى موضوع سياسي وسياساتي، يتطور في لبنان نموذج المراحل الذي كما يبدو سيوافق ترامب على تطبيقه في غزة أيضاً. في آب الماضي، قدم الجيش اللبناني خطة تحتوي على خمس مراحل لنزع سلاح حزب الله: المرحلة الأولى، نزع سلاح حزب الله في جنوب الليطاني، التي كان من شأنها أن تنتهي في نهاية كانون الأول. هذا الشهر صرح الرئيس اللبناني جوزيف عون بأن المرحلة الأولى انتهت (“الجيش طهر جنوب لبنان من سلاح حزب الله”)، وأنه يتوقع بداية الشهر القادم بدء المرحلة الثانية التي فيها تطهير السلاح في المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني ونهر الأولي. وافق نتنياهو، بضغط من الولايات المتحدة، حتى على الاعتراف بأن “جهود حكومة لبنان والجيش اللبناني بداية مشجعة، لكنها غير كافية”.

ما زالت المسافة كبيرة. معظم سلاح “حزب الله” الثقيل موجود في شمال الليطاني، في البقاع وفي منطقة بيروت، ويتمسك حزب الله برفضه إلقاء سلاحه بذريعة أنه -حسب الاتفاق- ملزم بنزع سلاحه في جنوب لبنان فقط. في هذا الأسبوع، أضاف زعيمه الشيخ نعيم قاسم ذريعة أخرى للرفض عندما قال: “لن نبقى محايدين أمام هجوم على إيران. نرى في التهديد بتصفية “المرشد الأعلى” علي خامنئي وكأنه موجه إلينا أيضاً، ونملك كل الصلاحية للعمل كما نراه مناسبا”.

لكن قاسم وحزب الله يعملون في بيئة عمل سياسية جديدة فيها إجماع لبناني، سواء كان سياسياً أم جماهيرياً، يؤيد نزع سلاح حزب الله ويرى في هذا التنظيم عاملاً يهدد بجر لبنان إلى حرب جديدة. في تشرين الثاني الماضي، في مقابلة مع موقع “أساس” اللبناني، أشار الرئيس عون إلى هذا التغيير وقال إن “حزب الله من المنظور العسكري انتهى، ليس أمامنا أي خيار سوى التفاوض (حول نزع سلاحه)”.

بعد ذلك، عاد رئيس الحكومة نواف سلام وكرر هذا الموقف. وفي رد على اتهام قاسم بأن خطة نزع السلاح مؤامرة طبختها الولايات المتحدة وإسرائيل، قال سلام: “دعونا من إسرائيل. نحن نتمسك بوحدة السلاح (نقل السلاح إلى السيطرة الكاملة للحكومة) في إطار تطبيق اتفاق الطائف الذي لم يطبق منذ عشرات السنين، وكل القرارات التي اتخذت في أعقابه… ليس هناك فرق بين المنطقة الواقعة في جنوب الليطاني وشماله، بين المنطقة جنوبي نهر الأولي وشماله، وبين جنوب نهر إبراهيم وشماله. نحن نتحدث عن حصر حمل السلاح بأيدي الدولة فقط”. اتفاق الطائف الذي وقع في 1989، أنهى الحرب الأهلية في لبنان التي استمرت حوالي 15 سنة. من بين الأمور التي نصت عليه هو أن الدولة هي التي ستسيطر على كل السلاح.

مع ذلك، رغم أن الرئيس ورئيس الوزراء يتحدثان عن سياسة وضعاها بأنفسهما، تشير إلى أن لبنان ليس بحاجة إلى ضغوط خارجية لإقناعه بنزع سلاح حزب الله، فقد ظهر في هذا الأسبوع في شبكة “اكس” مؤشر دل على تراجع مكانة حزب الله السياسية. فقد كتب جبران باسيل، زعيم التيار الوطني الحر، الشريك المسيحي الوحيد لحزب الله، بأن اتفاق التفاهم الذي وقعه التيار مع الحزب في 2006 يعتبر ملغى وباطلاً. وبحسب هذا الاتفاق الذي هز لبنان في حينه، فقد تقرر أن سلاح حزب الله جزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطنية. وخلال العشرين سنة الأخيرة، شكل هذا الاتفاق الأساس لحيازة حزب الله للسلاح بشكل قانوني.

على هذا الاتفاق وقع ميشيل عون الذي كان زعيم الحركة وأصبح بعد ذلك رئيس الدولة، وحسن نصر الله. أما باسيل، صهر ميشيل عون، فواصل هذا الخط وطور تحالفاً بينه وبين حزب الله، الذي بدوره دعمه في منافسته الفاشلة على رئاسة الدولة. في 2020 عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على باسيل رسمياً بسبب التورط في عمليات فساد وفعلياً بسبب دعم حزب الله، قال باسيل إنه بالنسبة له “حزب الله هو حزب لبنان وليس تنظيماً إرهابياً، ممثلوه ينتخبهم الشعب اللبناني… ومسار التنظيم الإرهابي رسمته دولة هي نفسها تمارس الإرهاب”.

ظهر باسيل هذا الأسبوع كشخص انضم إلى التحالف ضد إيران. وحول وحدة الساحات – حلقة النار الإيرانية حول إسرائيل، التي كان حزب الله محوراً مركزياً فيها – وحرب الدعم لغزة، كتب باسيل: “هذه الأحداث دمرت التنظيم ولبنان، وقوضت مهمة ردع سلاح التنظيم. من المحزن أن نشاهد الآن تكرار جريمة تعقد الوضع في لبنان بمزيد من الدمار بدلاً من إبعاده عنها وحمايته”.

الدفاع عن لبنان وعن القيم الوطنية ليس هدف باسيل، الذي يعرف بالفساد. ولكن لكونه سياسياً يراقب تقلبات الأوضاع كل يوم، قد تكون تغريدته دليلاً أمثل على التحول الجذري الذي طرأ على مكانة حزب الله في لبنان. يضاف إلى ذلك التقارير والاستطلاعات التي تظهر التآكل المستمر للأقلية الشيعية في الدولة، وهو التآكل الذي ينبع أيضاً من عجز حزب الله عن مساعدة السكان والقرى الشيعية التي تم تدميرها في الجنوب. في المقابل، تتعاظم مكانة رئيس مجلس النواب نبيه بري، زعيم حركة أمل الشيعية. وقد أصبح بري (88 سنة) شخصية بارزة، وهو يتفاوض مع الولايات المتحدة نيابة عن حزب الله ويظهر دعمه للرئيس عون في كل مناسبة.

حزب الله يواجه أصعب معضلة في تاريخه بسبب نتائج الحرب المدمرة وقتل معظم قادته، وعلى رأسهم حسن نصر الله، وفقدان الحليف اللوجستي الأهم بشار الأسد، وتراجع مصادر تمويله من تجارة المخدرات وعدم اليقين حول حجم الدعم الذي سيستمر في الحصول عليه من إيران. إن التخلي عن سلاحه واتخاذ قرار استراتيجي، والتحول إلى حزب سياسي، والتخلي عن جناحه العسكري، قد يكون بمثابة حكم بالإعدام على التنظيم، حيث ستتلاشى ميزته السياسية في ظل غياب أداة التهديد العسكرية. من جهة أخرى، لم يعد بإمكانه التأكد من أن إيران لن تتراجع أمام التهديد بالحرب، وربما حتى “التضحية” بالحزب مقابل إزالة التهديد العسكري ورفع العقوبات عنها من خلال اتفاق مع الولايات المتحدة.

لكن ضعف حزب الله سياسياً وتأييداً شعبياً لخطوة الحكومة لنزع سلاحه، ما زالت تشكل خطر اندلاع صراع عنيف عند بدء المرحلة الثانية في خطة نزع السلاح. وربما يقوم قائد الجيش اللبناني اللواء رودولف هيكل بزيارة واشنطن لثلاثة أيام في الأسبوع القادم، سيقدم فيها لمستضيفيه ملخص المرحلة الأولى والمطالبة بتنفيذ المرحلة الثانية والمراحل التالية. وسيطلب معدات عسكرية متطورة وسلاحاً وسيارات مدرعة وتقنية متقدمة ووسائل أخرى لرفع كفاءة الجيش، ولا سيما التمويل.

في تشرين الأول الماضي، وافقت الولايات المتحدة على تخصيص مبلغ 230 مليون دولار للجيش والشرطة في لبنان، لكن قبل ستة أشهر قدر الرئيس عون احتياجات الجيش بحوالي مليار دولار كل سنة لمدة عشر سنوات. وليس واضحاً بعد كيف سيتمكن لبنان من جمع هذا المبلغ. ورغم أنه يتوقع عقد مؤتمر لدعم الجيش اللبناني في باريس في آذار القادم، فغير معروفة الدول التي ستشارك في هذا الحدث أو حجم الأموال التي سيتم جمعها، خاصة أن الدول المانحة، لا سيما دول الخليج، مطلوب منها أيضاً المساعدة في إعادة الإعمار في قطاع غزة وسوريا.

في هذه الأثناء، قدمت قطر مساعدات للحكومة في لبنان، ليس للمرة الأولى. ففي هذا الأسبوع، زار وزير خارجية قطر محمد الخليفي بيروت وهو يحمل معه “حقيبة مليئة بالأموال”، أو على الأقل تعهد باستثمار 440 مليون دولار في مشاريع اقتصادية تشمل إعادة إعمار ثلاث قرى في جنوب لبنان، ناهيك عن دعم الجيش. ولكن المساعدات التي قدمتها قطر للبنان في السنوات الثلاث الأخيرة بمبلغ 300 مليون دولار، لا تذكر مقارنة بالخسارة الفادحة التي تكبدها لبنان والتي تقدر بأكثر من 15 مليار دولار. هذه الأموال الطائلة تنتظر إصلاحات اقتصادية عميقة يجب على لبنان إجراؤها، ونزع سلاح حزب الله، وترتيبات أمنية مع إسرائيل تضمن تحول وقف إطلاق النار إلى سلام دائم، وربما ستساهم أيضاً في تحقيق تقدم في الترتيبات السياسية.

تسفي برئيل

هآرتس 29/1/2026