بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

وداعاً لـ”أوسلو” المشوّه: غزة أخرى بصيغة تجارية.. أما الضفة فكونفدرالية مع الأردن

وداعاً لـ”أوسلو” المشوّه: غزة أخرى بصيغة تجارية.. أما الضفة فكونفدرالية مع الأردن

لقد كانت الفرضية الأساس في اتفاقات أوسلو هي إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً في قطاع غزة وفي “يهودا والسامرة”. معسكر السلام في إسرائيل دفع بهذا الاتجاه طوال سنوات انطلاقاً من إيمان بأن إقامة دولة فلسطينية سيجلب حلاً لمشاكل إسرائيل الأمنية على شكل سلام. غير أنه حل كانت تكمن فيه مشكلة إقليمية حادة رفض الكثيرون مواجهتها بصدق: إقامة دولة واحدة في غزة و“يهودا والسامرة” تفترض خلق تواصل إقليمي. كل ممر – فوقي أو تحت أرضي – كان سيقطع إسرائيل ويخلق تهديداً أمنياً. هذا ليس عناداً إسرائيلياً، بل خلل بنيوي في النموذج نفسه.

الانتفاضة الثانية، فك الارتباط عن غزة وسيطرة حماس على القطاع، عززت هذا الفهم. غزة و”يهودا والسامرة” ليستا، ولن تكونا وحدة سياسية واحدة. وإن محاولة توحيدهما في دولة واحدة يخلق مشاكل أكثر مما يخلق حلولاً. على هذه الخلفية بدأ خطاب آخر بالتسلل: ليس دولتين للشعبين، بل ثلاثة كيانات منفصلة – إسرائيل، غزة و”يهودا والسامرة”. على الرغم من ذلك، واصلت الأسرة الدولية وأجزاء من معسكر اليسار في إسرائيل النظر إلى السلطة الفلسطينية في رام الله كعنوان حتى لشؤون غزة. هذه هي قوة رؤية مهيمنة يصعب عليها تعديل نفسها أمام الواقع المتغير.

إن فكرة حصول الفلسطينيين على كيانين سياسيين منفصلين لم تنخرط في الخطاب السياسي في إسرائيل، وبالتأكيد لم يكن شيء يمكن لزعيم في اليمين أن يتنافس به في الانتخابات. لكن نتنياهو وحماس على حد سواء تقاسما توافقاً صامتاً مفاده أن السلطة الفلسطينية لن تعود إلى غزة.

لقد أدت المذبحة التي نفذتها حماس في إسرائيل في 7 أكتوبر ورفض إعادة المخطوفين، إلى دمار غير مسبوق في غزة، لكن نشأت غرة لواقع آخر أيضا: ستبنى غزة من جديد، وستكون لمن يبنيها. ليس ككيان سياسي، بل ككيان اقتصادي – إداري، نموذج يذكر بصفاته أماكن مثل هونغ كونغ. سيقام فيها آلية إدارية تحت مظلة دولية – مشروع أعلى من الإعمار الاقتصادي. هذه ليست عودة إلى أي شيء كان من قبل. فالواقع الجديد يتطلب حلولاً جديدة، وهذه أمور يعرف رجال الأعمال كيف ينتجونها أكثر من السياسيين.

من ناحية إسرائيل، يحل الأمر مشكلة استراتيجية أولى في سموها؛ ففي اللحظة التي تفصل فيها غزة سياسياً عن المعادلة، فمطلب التواصل الإقليمي مع “يهودا والسامرة” يصبح ملغياً. وعندما لا يكون تواصل إقليمي، فلا يكون هناك مشروع دولة فلسطينية بالمعنى الكلاسيكي الذي أصر العالم وأجزاء من اليسار في إسرائيل عليه في ظل تجاهل المخاطر الكامنة فيه.

تبقى إذن “يهودا والسامرة”. السؤال هو إذا كانت السلطة الفلسطينية قادرة على تأدية مهامها كدولة مسؤولة؟ مبادرات دولية من الآونة الأخيرة تشترط هذا لتغيير في جهاز التعليم، في صراع حقيقي ضد الإرهاب، وفي وقف سياسة تحفيز غير مباشر للإرهاب – ليس كتصريح، بل كأخذ مسؤولية سلطوية كاملة. هذا الحل قد يؤدي في نهاية الأمر إلى كونفدرالية للسلطة الفلسطينية والأردن، الدولة التي معظم سكانها فلسطينيون. هذا ارتباط طبيعي أكثر من أي محاولة مصطنعة لتوحيد غزة مع “يهودا والسامرة”.

هذا على ما يبدو هو السبب الذي جعل نتنياهو يرفض الحديث عن “اليوم التالي”: كل الحلول التي اقترحت قامت على أساس النموذج القديم الذي لم ينجح. ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض رئيساً لم يعد يتعلق بالانتخابات، ونتنياهو، هما اليوم يقفان في موقف مميز: في المكان السليم وفي الوقت السليم لمحاولة تصميم واقع إقليمي جديد. ترامب لم “يحل النزاع”، بل ببساطة استبدل النموذج الذي كان غير عملي بنموذج آخر، تجاري. بالضبط مثلما استبدل التويتر بشبكة “Truth Social” ومثلما استبدل الأمم المتحدة بمجلس السلام.

إيلانا سوسان

معاريف 29/1/2026