بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

من الحسم إلى الأبارتهايد: كيف ترى إسرائيل الفلسطيني

من الحسم إلى الأبارتهايد: كيف ترى إسرائيل الفلسطيني



يناير 28, 2026

من الحسم إلى الأبارتهايد: كيف ترى إسرائيل الفلسطيني


بقلم: مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

29/1/2026

———————————————


في قراءة الخارطة السياسية في إسرائيل، لا يبدو الخلاف بين مكوناتها اختلافا في الرؤية تجاه الفلسطينيين، بقدر ما هو تباين في الأدوات والأساليب. فمن اليمين المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو، إلى التيار الذي يمثله نفتالي بينيت، زعيم حزب «بينيت 2026»، تتقاطع السياسات الإسرائيلية عند هدف واحد: إدارة الوجود الفلسطيني في كل أماكن تواجده، لا الاعتراف بحقوقه. وفي هذا السياق، تلعب وحدة الفلسطينيين في الداخل دورا كابحا قد يحد، إلى حد كبير، من فرص عودة نتنياهو واليمين الأكثر تطرفا إلى الحكم في انتخابات تشرين الأول 2026، ما يفتح الطريق أمام صعود نفتالي بينيت، بوصفه يمينيا متعصبا أقل فجاجة في الخطاب، دون أن يخرج عن الجوهر الاستعماري ذاته. وتستند هذه السياسات إلى رؤية حاكمة في إسرائيل تقوم على صناعة «العدو» وتضخيمه، بوصفه أداة لإعادة إنتاج الخوف داخل المجتمع الإسرائيلي، وتسويق سياسات عدوانية متواصلة، يكون الفلسطيني في قلبها هدفا لعملية شيطنة منظمة.


ليس أمام فلسطينيي 1948 خيار لمواجهة التحديات التي تعصف بأمنهم وثباتهم على الأرض سوى وحدتهم، وهو ما يجب أن تسهل له كل السبل، وتوفر له الإمكانيات، للحفاظ على الوجود الفلسطيني في مواجهة مشاريع التصفية التي تُحاك في أروقة السياسة الإسرائيلية المتطرفة، وهو أمر مدرك ومتفق عليه بين التيارات الفلسطينية في الداخل.

وتشهد المناطق العربية عنفا واسعا وغير مسيطر عليه، يجري التعامل معه بسياسات إهمال منهجي تثير شكوكا جدية حول توظيفه سياسيا، إذ إن أي عنف يقع في مناطق تواجد اليهود يُعالج أمنيا على الفور ودون تردد، بينما يأخذ العنف في المناطق العربية منحى مختلفا، في ظل غياب الجدية في المعالجة أو إخماد هذه الظاهرة.


السياسة الإسرائيلية، بمختلف تياراتها، من أقصى اليمين إلى ما يسمى باليسار الغائب عن الساحة السياسية، متفقة بخصوص الدولة الفلسطينية على أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية. ولهذا السبب، فإن نتنياهو، على مدار سنوات وجوده في الحكم، لم يعمل فقط على منع إقامة الدولة الفلسطينية، بل عمل أيضا على تفتيت الشعب الفلسطيني وإرادته، إذ أدار الانقسام منذ عام 2007 وحتى تشرين الأول 2023، بما يعرقل تحقيق الحلم الفلسطيني ويصادر حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

ومن أجل إعدام مسار إقامة الدولة الفلسطينية، شن سياسات عدوانية متواصلة في الضفة الغربية، في إطار عملية ممنهجة لضمها إلى إسرائيل، مع تبادل الأدوار مع المستوطنين في رفع وتيرة العنف. كما عمل على خنق الفلسطينيين عبر دفعهم للعيش في كنتونات متقطعة وغير متواصلة، محاصرة بالمستوطنات، والشوارع الالتفافية، على أقل من 20٪ من مساحة الضفة الغربية.


أما في غزة، فقد وجد نتنياهو، بعد السابع من تشرين الأول 2023، الذريعة لتنفيذ سياسات معدة مسبقا تتعلق بالبعد الديموغرافي. وقد عمل على مسارين متوازيين:

الأول عسكري، تمثل في القتل والإعاقة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين، حيث قضى على حوالي %10 من سكان غزة، عدى عن الاعاقات والجرحى، وتدمير السكن والبنية التحتية والخدمات، بما يؤدي إلى إعدام مقومات الحياة.

والثاني، هو خلق بيئة طاردة للحياة، والسعي لإيجاد ظروف وأماكن تستوعب برامج تهجير الفلسطينيين بأعداد كبيرة، وإن بقيت حتى الآن في إطار موجات فردية ومحدودة نحو جنوب إفريقيا وماليزيا وإندونيسيا وأماكن أخرى.

ولا يزال نتنياهو وحكومته يعرقلان الدخول في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، رغم الضغوط الأمريكية، في سياق يرتبط باعتبارات تتصل بفرض وقائع ديموغرافية جديدة على الأرض.


الخطة الإسرائيلية المتداولة في أوساط اليمين الحاكم للتعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية، والمعروفة بـ«خطة الحسم»، تقوم على فرض سيطرة إسرائيلية كاملة على الضفة الغربية ضمن صيغة حكم ذاتي محدود، تحتفظ فيه إسرائيل بالسيطرة الأمنية الشاملة، بما يحول هذا الحكم الذاتي إلى إطار إداري منزوع السيادة.


في المحصلة، لا تعكس التحولات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي اختلافا جوهريا في الرؤية تجاه الفلسطينيين، بقدر ما تعكس تباينا في الأدوات والآليات. فبين نتنياهو، الذي يذهب إلى أقصى السياسات العنيفة والمباشرة في الحسم والتهجير وفرض الوقائع بالقوة، وبين نفتالي بينيت، الذي يتبنى خطابا أقل فجاجة دون أن يخرج عن الجوهر الاستعماري، يبقى الفلسطيني محاصرا بين خيارين أحلاهما مر: القبول بالتطهير العرقي بصوره المختلفة، أو الخضوع لنظام فصل عنصري مؤسسي طويل الأمد.


وإزاء هذا الواقع، تبرز وحدة الفلسطينيين، ولا سيما فلسطينيي الداخل، كعامل كابح لمشاريع الإقصاء والتصفية، وإن لم تكن وحدها كافية لإحداث تحول جذري في بنية النظام السياسي الإسرائيلي، الذي ما زال متوافقا، من أقصى اليمين إلى ما يسمى باليسار، على رفض أي حل يقوم على الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.


أما في الضفة الغربية وغزة، فإن السياسات الإسرائيلية الجارية، سواء عبر ترسيخ منطق الحسم والضم الزاحف، أو من خلال توظيف الحرب لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا، تؤكد أن الصراع لم يعد يدور حول تسوية سياسية، بل حول إدارة الوجود الفلسطيني ذاته، في معركة مفتوحة عنوانها الثبات والصمود، في مواجهة مشروع لا يمتلك تصورا حقيقيا للسلام، بقدر ما يمتلك أدوات دائمة لإدامة الصراع، عبر توظيف شيطنة الفلسطيني، وتهمة العداء للسامية، وانتشار خطاب الكراهية والعنصرية، وغيرها من المسميات التي يجري استثمارها لاستقطاب الرأي العام العالمي دعما للسياسات الإسرائيلية.