13-07-2026
خمس سنوات عجاف أمضاها سلامة رشايدة (أبو عيد) مع عائلته متنقلا من جنوب الضفة الغربية إلى شمالها، بعد أن تعرض للتهجير القسري مرات عدة، من شرق بيت لحم، حيث كان يقيم أبا عن جد، إلى الأغوار الشمالية، ثم إلى أطراف مدينة طوباس، في رحلة فرضها عليه تصاعد الاستعمار الرعوي خلال السنوات الأخيرة، وما رافقه من استهداف متزايد للتجمعات البدوية والرعوية خاصة في الأغوار والسفوح الشرقية للضفة الغربية.
ولم يمض سوى عام على استقرار رشايدة في منطقة "عينون" على أطراف مدينة طوباس حتى بدأت الحكاية تتكرر من جديد، حيث بدأ المستعمرون خلال الأشهر الأربعة الأخيرة بتنفيذ اعتداءات واستفزازات يومية في محيط مسكنه.
كما هو حاله كل يوم، خرج رشايدة صباحا لقضاء حاجات عائلته وتأمين الأعلاف والمياه لمواشيه، في رحلة شاقة ازدادت صعوبة بعد أن فقد القدرة على الوصول إلى المراعي ومصادر المياه إثر تهجيره المتكرر.
ولدى عودته، استقبله أطفاله الثمانية، أكبرهم ريف (10 أعوام) وأصغرهم نجوى (عام واحد)، غير أن ملامح الخوف التي ارتسمت على وجه نجله رحيِّل ذي العامين لفتت انتباهه ودفعته لسؤاله عن أسباب خوفه، ليجيبه بكلمات متقطعة بأن المستعمرين مروا مجددا قرب خيامهم.
يقول رشايدة وقد بدت على وجهه ملامح التعب والإرهاق: "الكابوس ذاته بدأ يتكرر من جديد، فالمستعمرون لا يبرحون المنطقة، وينفذون جولات واقتحامات يومية بمركباتهم ودراجاتهم".
وما يزيد من مخاوف الأب أن هذه الاقتحامات لا تقتصر على ساعات النهار، بل تمتد إلى أوقات متأخرة من الليل، حتى وصل الأمر بالمستعمرين إلى دخول الخيام عدة مرات أثناء نوم أفراد العائلة، ما يضاعف قلقه على أطفاله.
ويضيف في حديثه لـ"وفا": "حرمونا من أراضينا ومراعينا ومياهنا، والآن حرمونا من الأمان والنوم. أقضي الليل كله ساهرا على حراسة عائلتي، ولا أنام سوى ساعتين نهارا".
وبينما كان يتفقد مواشيه في الحظيرة البسيطة التي أقامها لها، روى حكاية تهجير عائلته المتكرر من جنوب الضفة الغربية إلى شمالها، قائلا إن عائلتهم تقيم منذ والده وجده على أطراف بلدة تقوع شرق بيت لحم، حيث يعتمدون في رزقهم على تربية المواشي في المنطقة التي عُرفت بمراعيها الواسعة.
ويشير إلى أن معاناة أهالي تلك المنطقة بدأت مطلع ثمانينيات القرن الماضي مع إقامة مستعمرة "معاليه عاموس"، ثم تفاقمت أواخر التسعينيات بعد إنشاء مستعمرة "إيبي هناحال"، لتصبح العائلات البدوية في المنطقةً محاصرة بين المستعمرتين.
لكن التحول الأخطر كان في عام 2021، وفقا لرشايدة، مع تصاعد ظاهرة الاستعمار الرعوي، وإقامة بؤرة رعوية على مقربة من مساكنهم، مؤكدا أن المستعمرين شرعوا بالاستيلاء على المراعي، قبل أن تتصاعد اعتداءاتهم تدريجيا، وصولا إلى تهجير العديد من العائلات قسرا.
بعد ذلك، انتقل رشايدة إلى الأغوار الشمالية، باعتبارها بيئة مناسبة لتربية المواشي لما تتمتع به من مراعي ومصادر مياه، إلا أن المأساة ذاتها تكررت، مع الانتشار المتسارع للبؤر الاستعمارية الرعوية في معظم مناطق الأغوار، وما رافقها من اعتداءات وعمليات تهجير طالت معظم التجمعات الرعوية في المنطقة.
وتشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى وجود 370 بؤرة استعمارية منتشرة في الضفة الغربية لأغراض متعددة، بينها 270 بؤرة رعوية.
ويتركز جزء كبير من البؤر الرعوية في مناطق السفوح الشرقية للضفة الغربية والأغوار، وهي المناطق الأكثر استهدافا بعمليات التهجير القسري التي يقودها المستعمرون بحماية قوات الاحتلال، كما يُظهر التتبع الزمني لهذه البؤر تصاعدا ملحوظا في إقامتها خلال العقد الأخير، فيما بلغت ذروة الاستعمار الرعوي خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
ويتحدث رشايدة، الذي يربي اليوم نحو 80 رأسا من الماشية يعتاش منها مع عائلته، بعد أن كان يملك أكثر من 200 رأس قبل تهجيره المتكرر، عن الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يكابدها الرعاة جراء الاستعمار الرعوي، قائلا: "لم يترك المستعمرون وسيلة إلا واستخدموها لتحويل حياة الرعاة إلى جحيم ولدفعهم إلى الرحيل عن أماكن سكنهم".
ومن واقع تجربته، يسرد رشايدة مراحل الاعتداءات التي ينتهجها المستعمرون ضد التجمعات البدوية وصولا إلى تهجيرها قسريا، مؤكدا أن هذه المراحل تكررت معه مرات عدة في أكثر من منطقة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة.
ووفقا لرشايدة، تبدأ هذه المراحل بإقامة المستعمرين بؤرة رعوية على مقربة من التجمع المستهدف، ثم يسيطرون تدريجيا على الأراضي الرعوية المحيطة ويمنعون الرعاة من الوصول إليها، ويلاحقونهم، ويسرقون مواشيهم، كما أنهم يستولون على مصادر المياه ويستهدفون الرعاة خلال محاولتهم الوصول إليها.
ويضيف أن الرعاة، بعد فقدانهم المراعي ومصادر المياه، يجدون أنفسهم عاجزين عن الحفاظ على مصدر رزقهم الوحيد، لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك، إذ تتصاعد الاعتداءات لتصل إلى مهاجمتهم داخل مساكنهم وتنفيذ اقتحامات واعتداءات يومية تهدد حياة عائلاتهم، ما يدفعهم في نهاية المطاف إلى الرحيل قسرا.
اضطر رشايدة إلى مغادرة شرق بيت لحم تحت وطأة هذه الاعتداءات، ثم اضطر إلى الرحيل بالطريقة ذاتها عن الأغوار الشمالية، ليجد نفسه اليوم يواجه الظروف نفسها في منطقة "عينون" على أطراف مدينة طوباس.
ويضيف: "غادرنا من بيت لحم إلى الأغوار، وها نحن نقيم هنا منذ قرابة عام، في منطقة "عينون" على بعد بضعة كيلومترات من خربة يرزا التي تعرضت للتهجير مؤخرا بسبب عنف المستعمرين، ولا نعلم ماذا يخبئ لنا الغد".
ويؤكد أنه منذ تهجير أهالي خربة يرزا، بدأ المستعمرون بملاحقة سكانها في الأماكن الجديدة التي توجهوا إليها على مقربة من خربتهم، بالإضافة إلى ملاحقة الرعاة في المناطق المجاورة، ومنذ ذلك الحين لم يعرف طعم الراحة، وبات النوم بالنسبة إليه أمرا نادرا.
وتعكس المعطيات الحديثة لدى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) قتامة الواقع الذي تشهده الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة في ظل التصاعد الكبير لاعتداءات المستعمرين واستهداف التجمعات البدوية والرعوية، إذ توضح أنه بين كانون الثاني/يناير 2023 ونيسان/أبريل 2026 أُجبر أكثر من 5900 فلسطيني على النزوح بسبب اعتداءات المستعمرين والقيود المفروضة على الوصول، فيما هُجّر 45 تجمعا سكانيا بالكامل و72 تجمعا آخر جزئيا.
كما تشير التطورات المتسارعة على الأرض في محافظة طوباس والأغوار الشمالية إلى أن موجة التهجير القسري لا تبدو في طريقها إلى التوقف، خاصة مع شروع سلطات الاحتلال، منذ مطلع العام الحالي، بتنفيذ مشروع "الخيط القرمزي"، الذي يهدف إلى شق طريق عسكرية وإقامة جدار فاصل بطول 22 كيلو مترا على أراضي محافظة طوباس والأغوار الشمالية، وهو ما ينذر بتنفيذ المزيد من عمليات التهجير القسري وتقطيع أوصال المنطقة.
يقف رشايدة اليوم على باب خيمته، مشيرا بيده إلى الجبل المقابل، قائلا إن جرافات الاحتلال التي بدأت منذ مطلع العام بتجريف آلاف الدونمات في عاطوف وسهل البقيعة لتنفيذ المشروع باتت في طريقها إلى هذا الجبل، تمهيدا لاستكمال عمليات التجريف وصولا إلى خربة يرزا ثم إلى حاجز تياسير العسكري.
( إسراء غوراني)
---------------------

