لم تعد أزمة مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة محصورة في الجامعات أو ساحات الاحتجاج، إذ بدأت موجة العداء لها تتغلغل تدريجيًا داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وصولًا إلى مجلسَي الكونغرس والكنائس الإنجيلية التي شكّلت تاريخيًا إحدى أكبر قواعد الدعم لإسرائيل.
وبحسب مقال تحليلي للبروفيسور يوسي شاين، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية وعضو الهيئة الأكاديمية في جامعتي تل أبيب وجورجتاون في واشنطن، نشرته القناة الإسرائيلية "N12"، باتت إسرائيل عبئًا سياسيًا داخل الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة، في ظل تحولات عميقة تصيب قواعدهما التنظيمية والفكرية.
وأشار شاين إلى أنه دُعي، بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، إلى منزل المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل في منطقة نورماندي الفرنسية، وهو صاحب كتاب «الديمقراطية في أميركا» الذي ألّفه في ثلاثينيات القرن الـ19، ولا يزال يُعد من أبرز المؤلفات عن الديمقراطية الحديثة.
ونظم أحفاد عائلة توكفيل، بالتعاون مع صحيفة "لو فيغارو"، مؤتمرًا عن إرثه بالتزامن مع الاحتفالات الأميركية بالاستقلال، حضره نحو 100 مدعو من أوروبا والولايات المتحدة، بينهم رؤساء دول سابقون، ومسؤولون حكوميون كبار، ومفكرون وأكاديميون بارزون، وصحافيون وفنانون وشخصيات من مجالات الإبداع والتكنولوجيا.
وتناول المؤتمر أيضًا تأثيرات الذكاء الاصطناعي في مستقبل المواطن داخل الأنظمة الديمقراطية، إلا أن اسم إسرائيل لم يُطرح تقريبًا، باستثناء مداخلة لرئيس الوزراء الفرنسي السابق مانويل فالس، الذي حذّر من تصاعد معاداة السامية.
وكان فالس قد توجّه عام 2015 إلى يهود فرنسا، في أعقاب هجوم شهدته البلاد ودعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إليهم لمغادرة فرنسا والهجرة إلى إسرائيل، طالبًا منهم البقاء.
وقال فالس حينها: «أظهر لنا التاريخ أن تصاعد معاداة السامية هو عارض لأزمة في الديمقراطية وأزمة في الجمهورية... ومن دون يهود فرنسا لن تعود فرنسا هي فرنسا».
ولفت شاين إلى أن فالس بقي صديقًا، إلا أن اللقاء أثار لديه أفكارًا قاتمة بشأن وضع إسرائيل واليهود.
وأوضح أن أحد أبرز اللقاءات التي عقدها كان مع دونا برازيلي، المعلقة والاستراتيجية السياسية المعروفة في الحزب الديمقراطي، والرئيسة السابقة للجنة الوطنية الديمقراطية «DNC».
وتحدثت برازيلي عن التحولات داخل الديمقراطيين، وصعود التقدميين و«الديمقراطيين الاشتراكيين»، وابتعاد الحزب عن إسرائيل.
وبحسب المقال، يعيش الحزب الديمقراطي حالة اضطراب، فيما أصبح عدد كبير من ناخبيه وممثليه أكثر تطرفًا وعداءً لإسرائيل، وسط غياب أي جهة قادرة على وقف «السم» الموجه إليها، وتحول الانتقادات لما يُسمى «قوى الظلام» التابعة لـ«اللوبي اليهودي» إلى معاداة صريحة للسامية.
كما تحولت معارضة الحرب في غزة والصهيونية نفسها إلى معيار أساسي في خطاب الانتخابات التمهيدية المقررة قبل تشرين الثاني 2026.
وفي نيويورك، على سبيل المثال، وفي المنافسة بين المرشحين اليهوديين لاندِر وعضو الكونغرس غولدمان، فاز لاندِر بسبب خطابه الهجومي ضد ما وصفه بـ«الإبادة الجماعية» الفلسطينية، ورفضه تلقي دعم من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «إيباك».
ويرى جميع المرشحين نتنياهو وشركاءه في الحكومة الإسرائيلية «مجرمين» ومسؤولين عن «حروب غير ضرورية»، فيما يخطط الديمقراطيون لفرض عقوبات، بل وللتهديد باعتقال إيتمار بن غفير أو بتسلئيل سموتريتش.
ويتحدث الديمقراطيون عن «جرائم الحرب» في غزة والضفة الغربية بوصفها قضية مركزية، في وقت يتراجع فيه عدد شخصيات الوسط داخل الحزب.
وحتى شخصيات صهيونية بارزة مثل زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر وحاكم ولاية بنسلفانيا جوش شابيرو باتت في موقع دفاعي.
وأشار المقال إلى أن نتنياهو أصبح مكروهًا داخل الحزب، ولا يُنظر إليه على أنه مجرد عنصر ضار، بل أيضًا باعتباره «خائنًا وناكرًا للجميل»، أدار ظهره للديمقراطيين بعد الدعم السخي الذي قدّمه الرئيسان جو بايدن وباراك أوباما لإسرائيل خلال أصعب مراحلها.
وبحسب برازيلي، يعيش الديمقراطيون اضطرابًا في القضايا الأساسية المتعلقة بموقع الولايات المتحدة في العالم، وهوية الأمة، والاقتصاد، فيما تتحول معاداة السامية إلى مرض خبيث داخل الحزب.
وهاجمت الجناح الاشتراكي الذي سيطر على الحزب بعبارات حادة، قائلة: «هذا جنون كامل».
ورغم أن اليمين الإسرائيلي يتحمل جزءًا من مسؤولية التدهور، فإن برازيلي ترى أن التفسير الأهم يكمن في التغير الذي طرأ على البنية التنظيمية للحزب.
فقد تآكل الهيكل التقليدي للحزب خلال ولاية الرئيس باراك أوباما، الذي بنى قاعدة دعمه إلى حد كبير على جاذبيته الشخصية وشبكات التواصل الاجتماعي، بدلًا من الاعتماد على القاعدة التنظيمية التقليدية التي كانت تحت سيطرة التيار الوسطي.
وكانت هيلاري كلينتون، التي بدأت منافسة لأوباما ثم أصبحت وزيرة للخارجية في إدارته، شخصية مؤسساتية عملت على تعزيز مركز الحزب الديمقراطي، وتمكنت في الانتخابات التمهيدية عام 2016 من هزيمة مرشح اليسار بيرني ساندرز.
وكان هيلاري وبيل كلينتون من مؤيدي إسرائيل من المدرسة القديمة، إلا أن هزيمة هيلاري التاريخية أمام دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة في تشرين الثاني 2016 أدت إلى انهيار شبه كامل للوسط الديمقراطي الذي كانت تمثله، وتحولت البنية المركزية للحزب إلى ظل لما كانت عليه.
ورغم أن جو بايدن أعاد الديمقراطيين إلى الحكم بعد فوزه على ترامب في انتخابات 2020، ووُصف بأنه «آخر رئيس صهيوني»، فإنه لم يتمكن من إعادة بناء البنية الحزبية التقليدية، بسبب جائحة كورونا وتراجع قدراته.
وكان بايدن قد دعم إسرائيل بصورة وُصفت بأنها بطولية بعد هجوم 7 تشرين الأول 2023، إلا أن عددًا كبيرًا من أركان إدارته، بينهم نائبة الرئيس كامالا هاريس، رأوا في الحرب على غزة و«تجويع» الفلسطينيين جرائم حرب.
ووفقًا لبرازيلي، عندما سعى نتنياهو وشركاؤه إلى إرضاء ترامب بعد انتخابه عام 2024، ومنحوا دعمًا كاملًا لعدائه تجاه بايدن، فإنهم «أهانوا مساهمة الديمقراطيين في إنقاذ إسرائيل».
وفي هذا الفراغ، دخل بقوة السيناتور اليهودي الاشتراكي بيرني ساندرز، الذي يقود منذ سنوات حملة إدانة إسرائيل.
وأصبح ساندرز المرشد الفكري لرئيس بلدية نيويورك مامداني، وعمل مع سياسيين آخرين في اليسار الديمقراطي الاشتراكي على تعزيز الكراهية لنتنياهو وإسرائيل.
وانفجرت هذه الموجة بعد 7 تشرين الأول داخل الجامعات والحملات التي موّلتها قطر، وتحولت إلى قضية مركزية داخل الحزب.
وبات كثير من الشباب في الولايات المتحدة ينشأون وهم يحملون عداءً لإسرائيل والصهيونية، التي تحولت إلى تعبير ازدرائي شبيه بكلمة «العنصرية».
وبدلًا من مهاجمة ترامب، وجد الديمقراطيون اليساريون أنه من الأسهل مهاجمة إسرائيل واليهود «الصهاينة» في الشتات، الذين يدعمون «مرتكبي الإبادة الجماعية».
وساهم أكاديميون في دعم هذا المسار، بينهم أستاذ جامعة براون والباحث الإسرائيلي في المحرقة عومر بارتوف، الذي وفّر أساسًا «أكاديميًا» لمقولة إن إسرائيل ترتكب «إبادة جماعية»، فيما لم يبقَ داخل الوسط عدد كبير من المؤيدين لها.
وقالت دونا برازيلي، إلى جانب المعلق والاستراتيجي الديمقراطي المعروف جيم كارفيل، إن الحزب الديمقراطي اختُطف على يد قوى ساندرز ومامداني الاشتراكية، التي لا تمت بصلة إلى روح الحزب التقليدية أو القيم الأميركية.
وبحسبهما، بنى هؤلاء أجندة الحزب الديمقراطي على الرواية الحمساوية الفلسطينية، وانتقلت هذه الرواية من الجامعات إلى السياسة العامة والإعلام، ومنحت شرعية كبيرة للقوى التقدمية الراديكالية التي تعززت تنظيميًا خلال الحرب «الإسرائيلية اليهودية» التي جرّت ترامب إلى إيران.
وترى برازيلي أن انتصارات مامداني والموجة المتصاعدة بين الناخبين الديمقراطيين، بمن فيهم اليهود، تشكل خطرًا شديدًا على مكانة إسرائيل، لكنها قد «تغرق الديمقراطيين أيضًا».
ولا توجد حاليًا داخل الحزب الديمقراطي شخصية قادرة على الوقوف في وجه بيرني ساندرز والتيار المامداني.
لكن المقال اعتبر أن الخطر الأكبر يكمن في أن العمليات نفسها التي ضربت الحزب الديمقراطي بدأت تتكرر بسرعة داخل الحزب الجمهوري.
ومنذ انتخاب ترامب رئيسًا للمرة الأولى ودخوله البيت الأبيض في كانون الثاني 2017، ضعفت البنية التنظيمية الجمهورية التقليدية، فيما بدأت شبكات اليمين المعارضة للرئيس والمؤسسة الجمهورية تقدّم إسرائيل بوصفها العدو الأكبر، ونتنياهو بوصفه الشخص الذي أخذ ترامب «رهينة».
وكان ترامب قد هزم في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2016 جميع المرشحين التقليديين، بينهم ميت رومني وجيب بوش وماركو روبيو.
وفي ما بعد، ورثت حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجددًا» المعروفة بـ«MAGA» البنية الحزبية القديمة، وأُعيد بناء الحزب حول شخصية ترامب وجاذبيته.
وفي البداية، أصبح ترامب من أكبر مؤيدي إسرائيل في مواجهة الليبراليين، فيما تخلّى نتنياهو عن الديمقراطيين واختار الوقوف إلى جانب طرف واحد.
وتحول ترامب إلى «كورش» و«رسول الله» في قاموس اليمين الإسرائيلي، بعدما اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، واعترف بضم هضبة الجولان، وتحالف مع المسيحيين الإنجيليين الصهاينة داخل «MAGA».
لكن داخل القاعدة الجمهورية المؤيدة لترامب، وُجدت دائمًا قوى يمينية راديكالية «ما بعد ليبرالية»، تشكلت في مواجهة التيار الفكري للمحافظين الجدد الذين كانوا حلفاء لإسرائيل في عهد الرئيس جورج بوش الابن، واتُّهموا بدفع أميركا إلى حرب العراق بما يخالف مصالحها الوطنية.
وقد جذبت القوى «ما بعد الليبرالية» داخل الولايات المتحدة أنصار مشروع «الانقلاب على النظام» في إسرائيل.
ورأى مثقفون ومؤيدون لنتنياهو في اليمين الإسرائيلي أن القومية الدينية تمثل بديلًا مناسبًا للصهيونية الليبرالية المؤسساتية.
وبعد هجوم 7 تشرين الأول، روّجوا لفكرة أن المسؤولية عن الكارثة تقع على اليسار، بمساعدة «حكم القضاء» و«الدولة العميقة».
ويتحدث اليمين المناهض لليبرالية باسم «ديمقراطية الأغلبية الحقيقية»، بوصفها قاعدة لتبرير تهرب نتنياهو والحكومة من المسؤولية.
وتنسجم الروح «ما بعد الليبرالية» والمناهضة للمؤسسات مع سموتريتش وبن غفير وأرييه درعي والأحزاب الحريدية، كما تنسجم مع مؤيدي نتنياهو الذين رأوا في رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان نموذجًا يُحتذى.
وذكر المقال أن القوى المحافظة «ما بعد الليبرالية» تعززت في الولايات المتحدة بعد انتصار ترامب عام 2020.
ودخل ترامب البيت الأبيض للمرة الثانية في كانون الثاني 2025، فيما استعادت روح «MAGA» المناهضة للجناح المحافظ الجديد داخل الحزب الجمهوري زخمها.
وطالما حقق ترامب إنجازات في السنة الأولى من ولايته الثانية، سواء عبر تقييد سياسة الهجرة، وزيادة مساهمة أوروبا في موازنة دفاع حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ورفع الرسوم الجمركية، وحتى تنفيذ التدخل السريع في فنزويلا، بقي التوازن قائمًا بين رؤية «أميركا أولًا» وفكرة الرسالة العالمية للولايات المتحدة في نشر الحرية.
ويقود نائب الرئيس جيه دي فانس داخل البيت الأبيض روح «MAGA»، التي تشدد على أن أميركا قبل كل شيء أمة ذات هوية أخلاقية مسيحية، وليست مجرد تعبير عن رؤية ليبرالية عالمية للحرية الدستورية، كما يؤكد وزير الخارجية المحافظ الجديد ماركو روبيو.
ورغم أن ترامب بعيد عن العقائد الفكرية ويعتمد أساسًا على غرائز النجاح، فإن الحزب الجمهوري يعيش انقسامًا متزايدًا.
وإذا تحققت نجاحات في إيران، فستحصل إسرائيل على الدعم، لكن في حال ساد شعور بالهزيمة أو التعثر، فإن إسرائيل واليهود قد يتحولون إلى متهمين بالتسبب في الانحراف عن المسار.
ومع ذلك، أشار المقال، بالتزامن مع وفاة السيناتور المؤيد لإسرائيل ليندسي غراهام، إلى أن إسرائيل لا تزال تملك أصدقاء جيدين داخل الكونغرس، بينهم أعضاء مجلس الشيوخ توم كوتون وتيد كروز وبيل هاغرتي.
وفي المقابل، طوّر خصوم ترامب داخل الحزب الجمهوري نظرية مفادها أن انحرافه عن التزام «أميركا أولًا» ودخوله الحرب جاءا فقط نتيجة تلاعب نتنياهو به، بعدما وعده بانتصار سريع ووضع إرثه الرئاسي في خطر.
وبحسب هذه الرواية، فإن «نتنياهو سرق ترامب»، بمساعدة اللوبي اليهودي والمسيحيين الصهاينة الذين يسعون أيضًا إلى تغيير طبيعة الولايات المتحدة بوصفها أمة مسيحية.
كما يتهم هذا التيار اليهود المحافظين الجدد بتشويه الهوية الأميركية عبر تقديمها بوصفها ذات تراث «يهودي مسيحي».
ويرى المعلق تاكر كارلسون أن اليهود والمسيحيين الصهاينة شوّهوا الهوية المسيحية الأميركية الأصلية بالكامل، بعدما فرضوا فكرة أن مصير إسرائيل جزء لا يتجزأ من القيم الأميركية.
ويعمد مؤثرون جمهوريون حاليًا إلى تحدي القاعدة التقليدية للحزب، بما في ذلك داخل الأوساط الإنجيلية.
ونقل شاين عن خبير في هذا المجال قوله: «إن مكانة إسرائيل وأصدقائها الجمهوريين داخل المجتمع الإنجيلي تشهد تراجعًا كبيرًا».
وأضاف الخبير أن نائب الرئيس فانس قال له: «الرئيس ترامب هو صديقكم الأخير».
وكما هي الحال داخل الحزب الديمقراطي، يتصاعد بين الشباب اليمينيين العداء للصهيونية واليمين الإسرائيلي، وينظر بعضهم إلى هؤلاء بوصفهم مجرمين في حق المسيح دفعوا أميركا إلى الحرب.
ونقل شاين عن كاتب يهودي يميني التقاه في نورماندي، وطلب عدم ذكر اسمه، قوله: «هذا لا يقل عن كراهية اليسار، وربما يكون أكثر خطورة».
وخلص المقال إلى أن العداء لإسرائيل يتحول إلى موجة كبيرة تتسلل إلى جماهير داخل الكنائس الإنجيلية، فيما تبدو الأرقام التي يعرضها ناشطون يهود مقلقة للغاية.
وبين يسار ديمقراطي يرى إسرائيل رمزًا للحرب والإبادة، ويمين جمهوري يتهمها باختطاف مشروع «أميركا أولًا»، يبرز التحول الأخطر في العلاقة مع واشنطن: إسرائيل لم تعد قضية إجماع، بل باتت عبئًا سياسيًا تتنافس أطراف الحزبين على الابتعاد عنه.
