أظهرت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تحولًا عميقًا في العقيدة الأمنية السعودية، بعدما عززت قناعة الرياض بأن الاعتماد الكامل على المظلة العسكرية الأميركية لم يعد كافيًا لضمان أمن المملكة، ما دفعها إلى تسريع استراتيجية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية.
وبحسب مقال للكاتب أمير هاندجاني، فإن السعودية وجدت نفسها خلال حرب عام 2026 في موقع شديد الحساسية، بعدما تعرضت منشآت الطاقة فيها والسفارة الأميركية في الرياض لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، في حين وصفت السلطات السعودية التهديد بأنه "وجودي"، وطردت الملحق العسكري الإيراني. ورغم ذلك، امتنعت الرياض عن الانخراط رسميًا في الحرب، ورفضت استخدام أراضيها لشن العمليات العسكرية الأميركية، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران طوال فترة القتال.
ويشير الكاتب إلى أن السعودية كانت من أوائل الدول التي أعادت التواصل مع المسؤولين الإيرانيين بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، معتبرًا أن هذا السلوك لا يعكس تناقضًا بقدر ما يجسد استراتيجية سعودية تقوم على إدارة العلاقات مع القوى المتنافسة بالتوازي مع بناء قوة ردع محلية مستقلة.
ويرى المقال أن جذور هذا التحول تعود إلى عام 2019، عندما تعرضت منشآت "أرامكو" في بقيق لهجمات نسبت إلى إيران، بينما جاء الرد الأميركي محدودًا، ما دفع الرياض إلى إعادة تقييم الضمانات الأمنية الأميركية. كما ساهمت المصالحة السعودية - الإيرانية عام 2023، برعاية صينية، في ترسيخ هذا التوجه، قبل أن تؤكد حرب 2026 صحة تلك الحسابات، بعدما تعرضت دول الخليج لهجمات رغم محاولتها البقاء خارج الصراع.
وفي المقابل، يلفت الكاتب إلى أن السعودية لم تتخل عن شراكتها مع الولايات المتحدة، إذ حصلت أواخر عام 2025 على حزمة تسليح أميركية كبيرة، وعلى صفة "حليف رئيسي من خارج الناتو"، إضافة إلى اتفاق دفاعي استراتيجي. إلا أن هذه الترتيبات، بحسب المقال، لا ترقى إلى مستوى معاهدة دفاع مشترك ملزمة، ما أبقى هواجس الرياض قائمة.
كما يستعرض المقال توجه السعودية نحو تنويع مصادر التسليح، مشيرًا إلى حصولها سابقًا على صواريخ باليستية صينية، وإلى تقارير استخباراتية أميركية تحدثت عن تطوير المملكة برنامجًا محليًا لإنتاج الصواريخ بمساعدة صينية. ويرى الكاتب أن بكين لا توفر مظلة أمنية للمملكة، لكنها تمنحها أدوات لتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، وهو ما يتناسب مع الرؤية السعودية الجديدة.
ويقارن الكاتب المسار السعودي بالنموذج الكوري الجنوبي، موضحًا أن الرياض تسعى إلى بناء قدرات عسكرية وصاروخية، مع تطوير برنامجها النووي المدني، والإبقاء على خيار امتلاك قدرات نووية مستقبلية إذا امتلكتها إيران، في ظل غياب ضمانات أمنية أميركية صلبة.
ويتناول المقال أيضًا الاتفاق الدفاعي بين السعودية وباكستان الموقع عام 2025، معتبرًا أنه يشكل عنصر ردع إضافيًا، لكنه لا يمثل بديلاً عن الضمانات الأميركية، بعدما أظهرت الحرب أن إسلام آباد فضلت لعب دور الوسيط بدل الانخراط المباشر في المواجهة مع إيران.
وعلى المستوى الخليجي، يشير الكاتب إلى أن الحرب أظهرت تباينات واضحة داخل مجلس التعاون الخليجي. ففي حين مالت الإمارات إلى تشديد المواجهة مع إيران وتعزيز التنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلت السعودية، مدعومة من الكويت وقطر وسلطنة عمان، اعتماد سياسة الاحتواء والانخراط المدروس مع طهران حفاظًا على الاستقرار الإقليمي.
ويخلص المقال إلى أن السياسة السعودية لم تعد تقوم على الارتهان لأي قوة دولية واحدة، بل على الجمع بين استمرار العلاقة مع واشنطن، وتطوير الشراكات مع الصين وباكستان، والحفاظ على قنوات الحوار مع إيران، بالتوازي مع بناء قدرات دفاعية محلية متنامية. ويرى الكاتب أن هذا التحول يعكس قناعة سعودية راسخة بأن أمن المملكة في المستقبل سيعتمد بدرجة أكبر على قدرتها الذاتية، لا على الضمانات الخارجية وحدها.
