نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعده كل من جاك ديستش وبول ماكليري، قدما فيه الدروس التي تعلمتها الصين من حرب الولايات المتحدة ضد إيران.
وقال الكاتبان إن المسؤولين الحاليين والسابقين يشعرون بالخوف من أن يعطي اتجاه الرياح للحرب الصين كل الأوراق، وذلك عشية زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين هذا الأسبوع. وأضافا أن المواجهة المستعصية بشكل متزايد تكشف عن نقاط ضعف عسكرية وإستراتيجية، وتقدم دروسا لأكبر منافسيها.
وتراقب الصين عن كثب فشل الولايات المتحدة في اختراق الحصار الإيراني وإنفاقها المفرط للقوة النارية، في حين تكافح إدارة ترامب للخروج من حرب لا تحظى بشعبية، وتواجه ارتفاعا مستمرا في أسعار الطاقة العالمية، في وقت تكشف وثائق البنتاغون الاستراتيجية أن ردع الصين لم يعد على رأس الأولويات.
وبينما يستعد الرئيس ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ لعقد اجتماع حاسم هذا الأسبوع، تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في وقف إطلاق نار غير مستقر. ومع رفض الحلفاء المحبطين تقديم المساعدة، وتسبب الحرب في مشاكل سياسية لترامب في الداخل، يخشى مسؤولون دفاعيون أمريكيون حاليون وسابقون أن تدخل الصين الاجتماع وهي تملك زمام المبادرة.
وقال مسؤول دفاعي سابق: “من حق الصينيين تماما أن يسألوا: ما الذي تبقى لديكم لبناء قوة ردع؟”، و”لكي تستطيع الولايات المتحدة الحصول على صفقة كبرى، لا بد لها من امتلاك القوة اللازمة لتنفيذها، ولا مجال للمراوغة في هذا الشأن”.
ويأتي اجتماع الرئيسين بعد شهرين من تأجيل ترامب للاجتماع الأول في بكين، متذرعا بحاجته للتركيز على الحرب التي كانت في بدايتها آنذاك. لكن يبدو أن الحملة العسكرية الأمريكية قد تحولت من حملة تهدف إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني إلى صراع أكثر تعقيدا، يتمحور حول السيطرة على مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
وعلق مسؤول دفاعي، طلب عدم الكشف عن هويته: “يدرس الجيش الصيني عملياتنا ضد إيران بدقة متناهية لتحديد نقاط الضعف التي يمكن استغلالها في صراع مع الولايات المتحدة”. وأضاف المسؤول أن الصين تراقب عن كثب كيفية تخطيط القادة العسكريين الأمريكيين للعمليات وتنفيذ خططهم، وصولا إلى وتيرة الضربات الصاروخية وجمع المعلومات الاستخباراتية. ولم ترد السفارة الصينية في واشنطن ولا البنتاغون على أسئلة المجلة.
ونقلت المجلة ما قالته المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، في إشارة إلى الاسم الذي أطلقته الإدارة على الحملة العسكرية ضد إيران: “يمتلك الجيش الأمريكي من الذخائر والمخزونات ما يكفي وأكثر لتحقيق جميع أهداف الرئيس ترامب الاستراتيجية، بل وأكثر، وقد كشفت عملية الغضب الملحمي، عواقب العبث بالولايات المتحدة”.
وأضافت كيلي: “مع ذلك، حث الرئيس شركاتنا المتعاقدة مع قطاع الدفاع على مواصلة إنتاج المزيد من الأسلحة المصنوعة في أمريكا، التي تعد الأفضل في العالم”.
إلا أن بكين، التي تزيد من وتيرة تعزيز مخزونها من الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة، لاحظت على الأرجح الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في إعادة فتح المضيق أو وقف الهجمات الإيرانية على سفن البحرية وحلفائها في جميع أنحاء المنطقة. كما يعد تحويل مسار السفن والدفاعات الجوية والقوات من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط مؤشرا على أن الترسانة الأمريكية ليست بلا حدود.
وأشار مسؤول دفاعي: “لا يزال البنتاغون يظهر أداء تكتيكيا قويا، لكن من دون سياسة واستراتيجية واضحتين، نعاني على المستوى العملياتي للحرب، والسؤال الذي يتعين عليهم الإجابة عنه هو ما إذا كانت هذه المشكلة خاصة بالإدارة الحالية أم أنها مشكلة أوسع نطاقا في الحرب الأمريكية”.
وقد أكد مسؤولون دفاعيون أمريكيون في تصريحاتهم العلنية أن نقل الأرصدة الأمريكية المهمة، التي تشمل مجموعة حاملة طائرات ضاربة وعدة سفن تابعة للبحرية تحمل 2,500 جندي من مشاة البحرية، لم يضعف جاهزية الولايات المتحدة في المحيط الهادئ.
وقال الأدميرال صموئيل بابارو، رئيس الفريق العسكري المشرف على المحيط الهادئ، للمشرعين الشهر الماضي: “لا أرى أي تكلفة حقيقية تفرض على قدرتنا على ردع الصين”. وأضاف بابارو أن الخبرة العملياتية والقتالية التي اكتسبتها أطقم السفن الأمريكية ستكون قيمة للغاية، لا سيما بالمقارنة مع القوات الصينية الأقل خبرة في الدفاع عن نفسها.
وفي حين تتفوق القوات الصينية على إيران بكثير من حيث التطور، فقد أثبتت طهران براعتها في استخدام طائرات مسيرة هجومية رخيصة أحادية الاتجاه لشن هجمات واسعة النطاق وإرباك بعض الدفاعات الجوية. ومن المرجح أن يكون مخزون الصواريخ الصيني أكبر بكثير من نظيره الإيراني، لذا “بإمكانهم التعامل مع بعض صواريخهم كما تعاملت إيران مع طائراتها المسيرة”، على حد قول بيكا واسر، خبيرة استراتيجيات الدفاع التي عملت في لجنة استراتيجية الدفاع الوطني المعينة من قبل الكونغرس.
وأضافت: “لا يحتاجون إلى استخدام الطائرات المسيرة لتضليل رادارات الدفاع الجوي وإرباك الأنظمة بنفس الطريقة. وبالتالي، لن يكون هناك ترشيد حقيقي للأصول، على الأقل في المراحل الأولى من حرب محتملة مع الولايات المتحدة”.
من جهة أخرى، تواجه الصين تحدياتها الخاصة، فهي لم تشارك في حرب منذ غزوها فيتنام عام 1979، وهي الآن في خضم حملة تطهير عسكرية واسعة النطاق أسفرت عن إعدام وزيري الدفاع السابقين، لي شانغفو ووي فنغ، هذا الأسبوع. وقد أسفرت هذه الحملة عن فصل أكثر من 100 ضابط عسكري بارز منذ عام 2022، وفقا لإحصاءات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
وأجرى المركز دراسات معمقة عن القوات الأمريكية لعقود، يعود تاريخها على الأقل إلى عملية “عاصفة الصحراء”، حين شهدت استخدام الولايات المتحدة أسلحة الضربات الدقيقة لأول مرة. وبدأت الصين بنشر أولى حاملات طائراتها بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، واستثمرت بكثافة في الصواريخ بعيدة المدى لردع الجيش الأمريكي.
ويقول مسؤول دفاعي سابق آخر: “إنهم يعرفون كيف نبسط قوتنا”، و”هم على دراية باعتمادنا على ناقلات الوقود والقواعد العسكرية، وكيفية تنفيذنا لضرباتنا الجوية وغير العسكرية واستخدامنا للحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية. وهم يدرسون كل ذلك بدقة متناهية. هذه فرصة لهم للتعرف على أساليب الحرب الأمريكية”.
كما تراقب الصين عن كثب مدى سرعة استنفاد أمريكا لصواريخها المتطورة، من صواريخ توماهوك إلى أنظمة باتريوت للدفاع الجوي، و”هم يعلمون أن كل صاروخ يستخدم في إيران لا يمكن استخدامه لردع العدو في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”، كما قال المسؤول السابق.
