بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

محاولات حزب الله بناء معادلة جديدة تثير غضبا في إسرائيل وتربك قادتها

محاولات حزب الله بناء معادلة جديدة تثير غضبا في إسرائيل وتربك قادتها

من قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي ترامب تمديد اتفاق وقف النار في الجبهة اللبنانية لثلاثة أسابيع، كانت حكومة الاحتلال تسعى لاستنساخ ما فعلته بعد اتفاق وقف النار الذي أنهى حرب لبنان الثالثة في نوفمبر 2024، بأن تقصف في لبنان بحرية ومتى شاءت، لكن مساعيها هذه المرة تبدو متعثرة.

بخلاف استكانة حزب الله بعد وقف الحرب على الجبهة اللبنانية قبل نحو عام ونصف العام، اختار هذه المرة أن يبني معادلة ردع جديدة، قوامها الرد على كل انتهاك، مستفيدا من نجاحه في ترميم ذاته واستعادة توازنه وربما تغيير طريقة قتاله.

ويتسبب أداء حزب الله هذه المرة في حالة إحباط وغضب في إسرائيل، خاصة في شمال البلاد، حيث تستمر أجواء الحرب في كافة مستوطنات الجليل، وهذا يربك ائتلاف نتنياهو الأكثر يمينية وتطرفا. وتزداد حالة الإرباك بسبب الفجوة الكبيرة بين ما يقال عبر الأثير من تصريحات متعجرفة وتقطر غرورا تطلق تباعا في الهواء، وبين ما يجري على الأرض.

الإسرائيليون، بحكم التجربة، باتوا يكذبون الساسة الإسرائيليين ويصدقون أنفسهم، ويثقون بعيونهم وآذانهم

في آخر تهديداته قال وزير الأمن الإسرائيلي كاتس إن إسرائيل ستقطع رأس نعيم قاسم، وتنتظر الضوء الأخضر من الولايات المتحدة لإعادة إيران للعصر الحجري. بيد أن الإسرائيليين، بحكم التجربة، باتوا يكذبون الساسة الإسرائيليين ويصدقون أنفسهم، ويثقون بعيونهم وآذانهم. عبّر عن ذلك اليوم رئيس المجلس الإقليمي ماطيه آشير موشيه دافيديفوتش (يجمع عددا من المستوطنات الحدودية في الجليل الأعلى) في حديث للإذاعة العبرية الرسمية، حمل فيه على حكومة نتنياهو، واصفا رئيسها ووزراءها بالكاذبين.

“لا نصدق الدولة ولا نثق بالحكومة”

وقال دافيديفوتش إن هذا ليس وقفا للنار، بل نار بلا وقف، منوها لاستمرار تساقط صواريخ ومسيرات متتالية طيلة نهاية الأسبوع. ومضى في انتقاداته: “لا نثق بالدولة ولا بالحكومة. لا أحد يطلعنا على ما يجري. الواضح أن حزب الله لا يحترم الاتفاق، وأنا لا أملك أجوبة للسكان القلقين من الهدوء الوهمي ومن إرسال أولادهم للمدارس. كانت المنطقة مليئة بالسائحين ذات مرة، واليوم نرى الجليل خاويا”.

كما قال إن الجيش الإسرائيلي في لبنان مقيد بأيديه وأقدامه بتعليمات من ترامب، ونحن نتلقى الضربات والضرر، ولذا نحن الآن نقوم بترتيب صفوفنا كرؤساء الحكم المحلي كي نرفض هذا الواقع الذي تسوده هدنة متخيلة وهمية وسط خوف واسع وتعطيل للحياة اليومية، والأهالي الخائفون لا يرسلون أولادهم للمدارس المفتوحة. لن نرضى بأن نبقى بطا وأوزا للاستهداف”.

على خلفية انتقادات المراقبين والمسؤولين في الحكم المحلي، وعلى خلفية هذا المزاج السلبي السائد في إسرائيل، والذي ينبع من الفشل في تحييد حزب الله، ومن تدخل ترامب بشكل فظ في صناعة القرارات فيها، ومن عدم الثقة بتصريحات القيادات بشأن المواجهة مع حزب الله (ومع إيران)، وبشأن جدوى المفاوضات مع حكومة لبنان، بادر نتنياهو أمس لدعوة الجيش للتصعيد. نتنياهو، الذي يخشى من نجاح حزب الله بتثبيت معادلة جديدة ومن تبعاتها الاستراتيجية على إسرائيل، ومن انعكاساتها الخطيرة على مستقبله السياسي شخصيا، بادر أمس للإعلان، خلال يوم السبت، أنه أصدر الأوامر باستهداف حزب الله بقوة، على أمل أن يردع حزب الله وأن يمتص الغضب الداخلي.

بهذا التصريح-التهديد يتكاتب نتنياهو عمليا مع هذا المزاج ومع التساؤلات والانتقادات المتصاعدة في إسرائيل حيال استمرار سماع الصافرات والانفجارات في شمال البلاد رغم وقف النار. نتنياهو، الذي كان يرفض وقف النار مع حزب الله ويعلن ذلك في الإعلام خلال الأسابيع الأخيرة، مضطر هذه المرة لابتلاع تهديداته تحاشيا لاستفزاز ترامب، الذي يرغب بالهدوء في الجبهة الشمالية ريثما يتضح مصير الحرب مع إيران.

ويجد نتنياهو نفسه اليوم يناور بين الضغوط الخارجية والداخلية، ولذا فهو يتمنى وينتظر فشل مداولات إسلام آباد لاستئناف الحرب على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، طامعا بنتائج تبقي إسرائيل في هيبتها وتبقيه في الذاكرة وفي السلطة.

لا يتعلمون من التكرار

ضمن هذه الانتقادات، يؤكد اليوم من جديد الباحث المحاضر في جامعة تل أبيب، الجنرال في الاحتياط ميخائيل ميليشتاين، أن الاعتقاد الإسرائيلي بإمكانية نزع سلاح وعقيدة العدو في غزة ولبنان وإيران يجسد إلى أي مدى صناع القرار في إسرائيل والولايات المتحدة لا ينجحون، لا يستطيعون أو لا يرغبون أصلا بالتعلم من إخفاقاتهم وإخفاقات غيرهم في الماضي.

هذه المرة قرر حزب الله رد الصاع صاعين كي يثبت أنه يقف على قدميه ويذود عن لبنان، ولذا واجبه حمل السلاح

في مقال بعنوان “الاختبار الفاشل” نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، يشدد ميليشتاين على ضرورة التوضيح أنه لا يوجد شرق أوسط جديد على بعد خطوتين، وأن العدو لا يتبخر بعد ضربات قاسية، وأن المعركة ضده هي في الواقع مسيرة طويلة.

تعاون إسرائيلي مع مخطط أمريكي سعودي

وفي هذا السياق، يقول المحلل العسكري في صحيفة “يديعوت أحرونوت” وموقعها “واينت” رون بن يشاي إن إسرائيل، وبحال لم يحصل تدهور نتيجة إطلاق الصواريخ والمسيرات وتعليمات نتنياهو بالرد بقوة، قد قررت التعاون مع الرؤية التي صاغتها واشنطن والرياض بغية إضعاف حزب الله وسلبه الشرعية لمواصلة القتال، بواسطة مفاوضات سلام وتطبيع بين حكومة بيروت التي تمثل معظم الطوائف في لبنان والرأي العام فيه وبين حكومة إسرائيل.

وبخلاف مراقبين إسرائيليين كثر يرون بمحادثات السفيرين في واشنطن مجرد غطاء لوقف نار قسري فرضه ترامب في لبنان، يعتبر بن يشاي أن هذه الخطوة الدبلوماسية “ذكية تتطلب تنازلا من إسرائيل في الأساس عن مناطق تحتلها الآن في جنوب لبنان، لكن في البيت الأبيض وفي الرياض يعتقدون أن اتفاقا مع إيران، مع اتفاق سلام بين حكومتي إسرائيل ولبنان، سيجبران حزب الله على وقف القتال وربما وضع سلاحه الثقيل جانبا تحت رقابة دولية، وهكذا يتحقق الأمن في الجليل للمدى البعيد”. ويدعي بن يشاي أن حزب الله يحاول بكل قوة تعطيل هذا المخطط الذي تتعاون معه إسرائيل.

من هنا يستنتج أن اتفاق وقف النار الذي مدده ترامب بثلاثة أسابيع يجري تماما كما حصل خلال الهدنة السابقة المعلنة في نوفمبر 2024 بين إسرائيل ولبنان، وخلالها واصلت إسرائيل ضرب محاولات حزب الله بشكل منهجي لترميم ذاته ومراكمة قوته، ويضيف: “لكن هذه المرة قرر حزب الله رد الصاع صاعين كي يثبت أنه يقف على قدميه ويذود عن لبنان، ولذا واجبه حمل السلاح”.