بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

رحلة من الأسر إلى الحرية… رسالة الأسير المحرّر المبعد إلى مصر أيمن جعيم

رحلة من الأسر إلى الحرية… رسالة الأسير المحرّر المبعد إلى مصر أيمن جعيم

ولدت في الرابع والعشرين من تشرين الأول / أكتوبر عام 1973 في مدينة طولكرم، داخل عائلة بسيطة شكلت بداياتي الأولى في فهم الحياة والمسؤولية. كان أبي سند البيت، وأمي مصدر الحنان، لكنها رحلت بعد سنوات من المرض من دون أن أتمكن من وداعها بسبب الاعتقال، فبقي الفقد جرحاً مفتوحاً يرافقني.

كنت الأوسط بين إخوتي، وتحملت منذ الصغر مسؤولية أكبر من عمري، فكبرت وأنا أؤمن أن الانتماء إلى الوطن ليس مجرد كلمات، بل فعل يتجسد في المواقف. بدأت حياتي بالدبكة الشعبية، ثم انتقلت إلى العمل الوطني من خلال الشبيبة «الفتحاوية» والمشاركة في النشاطات الطلابية، حيث كنت أؤمن أن صوت الشباب يمكن أن يصنع فرقاً.

ومع اندلاع الانتفاضة الأولى، لم أكن بعيداً عن الأحداث، بل كنت جزءاً منها، أواجه الاحتلال وأعيش تفاصيل المواجهة اليومية. فالتحقت بالجيش الشعبي الفلسطيني رغم صغر سني، وكنت مدركاً أن هذا الطريق قد يقودني إلى الاعتقال.

وفي عام 1988، اعتقلت للمرة الأولى بعد إصابتي خلال مسيرة طلابية، وقضيت ستة أشهر في الأسر رغم حداثة سني وعدم امتلاكي هوية فلسطينية حينها. خرجت من الاعتقال، لكن التجربة تركت أثراً عميقاً في داخلي وغيرت مسار حياتي.

وتكررت الاعتقالات بعد ذلك، ففي عام 1993 قضيت عامين في السجن، ثم اعتقلت مرة أخرى عام 1997 لفترة قصيرة. ومع كل مرة كنت أخرج أكثر وعياً وصلابة، لكن الاعتقال الأكبر كان في عام 2002 خلال اجتياح عسكري واسع، حيث تم اقتحام منزلي واعتقالي بعد حصار المنطقة.

وبدأت رحلة تحقيق قاسية استمرت خمسة وسبعين يوماً، تعرضت خلالها لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، من التقييد المستمر إلى البرد الشديد والحرمان، حتى انهار جسدي مرات عدة، ونقلت إلى المستشفى، لكن ذلك لم يوقف التحقيق.

وفي عام 2004 صدر الحكم بحقي بالمؤبد، إضافة إلى خمسة عشر عاماً. حاولت استئناف الحكم أكثر من مرة، لكن جميع المحاولات قوبلت بالرفض، ومع ذلك لم أفقد الأمل أو الإيمان أن الحرية يمكن أن تتحقق يوماً ما.

داخل السجن

لم تكن الحياة مجرد انتظار، بل كانت محاولة مستمرة لصناعة معنى للحياة. فكنا نعيش كعائلة واحدة، نتشارك تفاصيل يومنا، نحتفل بالأفراح، ونقف إلى جانب بعضنا في الأحزان، ونحاول أن نحافظ على إنسانيتنا رغم كل الظروف.

وفي شهر رمضان، كنا نصنع أجواءنا الخاصة، نصلي معاً، ونعد الطعام بوسائل بسيطة، ونقسم الأدوار بيننا لنشعر أننا ما زلنا نعيش حياة طبيعية. وفي الأعياد، كنا نحاول أن نتمسك بالفرح رغم القيود.

وكان التعليم جزءاً مهماً من حياتي داخل السجن، فقرأت مئات الكتب، وحرصت على تثقيف نفسي ومن حولي، لأن المعرفة كانت وسيلة للصمود ومقاومة الجهل. وكانت المكتبة مساحة أهرب إليها من قسوة الواقع.

وكانت الحياة داخل السجن منظمة بدقة، فلكل شيء وقت محدد، حتى الطعام والنوم، وكنا نتقاسم المسؤوليات لتخفيف العبء عن بعضنا. أما العزل الانفرادي، فكان تجربة قاسية، عشت خلالها أياماً طويلة من الوحدة والصمت والحرمان.

وكان التواصل مع العائلة من أصعب التحديات. ففي البداية كنا نتواصل عبر الهاتف، ثم انقطع ذلك لسنوات طويلة، وأصبحت الزيارات الوسيلة الوحيدة لرؤيتهم. وعندما توقفت الزيارات أيضاً، شعرت بعزلة شديدة، وكأنني منفصل تماماً عن العالم.

ورغم ذلك، لم ينطفئ الأمل. كنا نتابع الأخبار وننتظر أي صفقة تبادل قد تعيدنا إلى الحياة. شهدنا صفقات عدة خرج فيها أسرى، وكنا نؤمن أن دورنا سيأتي يوماً ما.

ومن أصعب اللحظات التي مررت بها كانت حين علمت بوفاة والدتي ولم أتمكن من وداعها. كان ذلك ألماً يفوق الوصف، لكنه زادني إصراراً على الصمود والتمسك بالإيمان.

إلى الحرية

وفي عام 2023، ومع تطور الأحداث، شعرنا أن مرحلة جديدة بدأت، وأن ما بعدها لن يكون كما قبلها، وأن هناك تغييراً قد يقود إلى فتح أبواب الحرية.

وجاءت اللحظة المنتظرة حين تم إبلاغي بالاستعداد للإفراج. لم أصدق في البداية، لكنني أدركت أن هذه اللحظة التي انتظرتها طويلاً قد حانت. تركت خلفي أشيائي القليلة ورفاقي الذين شاركوني سنوات العمر.

وقبل الإفراج تعرضت للتنكيل، لكن ذلك لم يغير من شعوري بأنني على أعتاب الحرية. وفي كانون الثاني / يناير 2025 تم نقلي مع مجموعة من الأسرى تمهيداً للإفراج عنا.

وفي الأول من شباط / فبراير 2025 بدأت رحلتي نحو الحرية بعد سنوات طويلة من الأسر. كانت لحظة لا يمكن وصفها، شعرت فيها أنني أتنفس الحياة من جديد.

وعند وصولي إلى الخارج، كان الاستقبال مختلفاً تماماً، حيث شعرت بأنني أعود إلى الحياة تدريجياً، لكن الفرحة لم تكن كاملة، إذ تزامن خروجي مع اعتقال ابني، وإرجاع زوجتي القادمة إلى مصر، ومنعها من السفر، مما أعاد إليّ الشعور بأن المعاناة لم تنته بعد.

وخارج السجن اكتشفت أن العالم قد تغير كثيراً، وأنني بحاجة إلى التكيف مع واقع جديد وتكنولوجيا لم أكن أعرفها. شعرت أن الحرية نفسها تحتاج إلى وقت لفهمها والتأقلم معها.

ورسالتي إلى الأسرى أن يتمسكوا بوحدتهم، وألا يسمحوا لليأس أن يتسلل إليهم، لأن قوتهم في تماسكهم وإيمانهم.

أما رسالتي إلى العالم، فهي أن الأسير الفلسطيني إنسان يحمل قضية عادلة، وأن معاناته يجب أن تفهم كما هي، لا كما تُصور.