بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

كارثة صامتة تضرب لبنان… باحث بيئي يحذر:سموم الحرب تغزو الهواء!

كارثة صامتة تضرب لبنان… باحث بيئي يحذر:سموم الحرب تغزو الهواء!

حذّر الصحافي والباحث البيئي منير قبلان، في حديث إلى "RED TV"، من تفاقم التلوث الهوائي في لبنان نتيجة الغارات الأخيرة، مشيرًا إلى أنّ بيروت كانت أساسًا من بين أكثر المدن تلوثًا قبل الحرب، بفعل الاكتظاظ السكاني، وتراجع المساحات الخضراء، والاعتماد الكثيف على مولدات الديزل المنتشرة عشوائيًا في الأحياء.


وأوضح أنّ هذا الواقع كان يُترجم بظهور "غيمة سوداء" كثيفة فوق العاصمة منذ ما قبل عام 2020، محمّلة بمزيج من الغازات الدفيئة والجسيمات الدقيقة التي تخترق الجهاز التنفسي وتؤثر مباشرة على صحة الإنسان. ومع اندلاع الحرب، ازداد الوضع سوءًا نتيجة الغارات وما تخلّفه من انبعاثات ومواد كيميائية تنتشر في الهواء.


ولفت قبلان إلى ضرورة التمييز بين مصدرين رئيسيين للتلوث: الأول ناتج عن القصف نفسه، حيث تتفكك مكونات الصواريخ وتنتشر في الجو على شكل جسيمات دقيقة ومواد كيميائية خطرة، والثاني ناجم عن الحرائق التي تندلع إثر الغارات، سواء في المباني أو محطات الوقود أو غيرها، ما يؤدي إلى تصاعد سحب دخانية كثيفة وسامة.


وأشار إلى أنّ هذه السحب لا تبقى محصورة في مناطق الاستهداف، بل تنتقل لمسافات بعيدة بفعل التيارات الهوائية، مستشهدًا بوصول دخان الحرائق التي شهدتها الضاحية الجنوبية لبيروت إلى مناطق الجبل وصيدا على ارتفاعات تصل إلى نحو ألف متر، ما يعني عمليًا أنّ معظم المناطق اللبنانية تتأثر بدرجات متفاوتة من هذا التلوث.


وفي ما يتعلق بالتوثيق، أكد أنّ الجهود خلال الحروب السابقة، ولا سيما بعد عام 2021، شملت عمل وزارات البيئة والزراعة والصحة، إضافة إلى باحثين جامعيين وقوات "اليونيفيل"، حيث جرى أخذ عينات من التربة والهواء لرصد آثار مواد مثل الفوسفور الأبيض. أما اليوم، فعملية التوثيق الشامل مؤجلة إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية، رغم استمرار الرصد الإعلامي والميداني.


وشدد قبلان على أنّ استخدام مواد ملوِّثة بهذا الشكل يمكن أن يُصنّف ضمن جرائم الحرب البيئية، ما يتيح للبنان اللجوء إلى المحاكم الدولية للمطالبة بالمحاسبة والتعويض، مذكّرًا بتجربة عام 2006 حين أدى قصف خزانات النفط في الجية إلى تلوث واسع طال الشاطئ اللبناني ووصل إلى سوريا وقبرص، وقد أُدينت إسرائيل حينها، رغم عدم تنفيذ التعويضات.


أما صحيًا، فأوضح أنّ التأثيرات لا تقتصر على الجهاز التنفسي، وإن كانت تبدأ به، بل تمتد إلى أجهزة الجسم كافة مع التعرض المزمن. ونصح باتخاذ إجراءات وقائية، أبرزها ارتداء الكمامات، وتهوية المنازل بشكل منتظم، وعدم عزل الهواء داخلها، إضافة إلى استخدام النباتات المنزلية للمساعدة في تخفيف الملوثات.


ونبّه إلى أنّ الأضرار البيئية للحرب لا تتوقف بانتهاء العمليات العسكرية، بل تمتد لسنوات طويلة، كما أظهرت الدراسات التي رصدت آثارًا متبقية في التربة بعد أكثر من عقد على حرب تموز 2006. كما أشار إلى الخسائر الكبيرة في الغطاء الحرجي والأراضي الزراعية، وتراجع إنتاج العسل نتيجة نفوق أعداد كبيرة من النحل، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالثروة الحيوانية، ما يعكس حجم الكارثة البيئية المستمرة وتأثيرها على الأجيال المقبلة.


وأشار قبلان إلى أنّ تداعيات الحرب لم تقتصر على الإنسان والهواء، بل طالت بشكل مباشر التنوع البيولوجي في لبنان، ولا سيما النحل والثروة الحيوانية والحياة البرية.


وأوضح أنّ قطاع النحل تعرّض لخسائر كبيرة، حيث نفق عدد كبير من الخلايا نتيجة القصف والحرائق وما رافقها من انبعاثات سامة، ما يهدد إنتاج العسل والتوازن البيئي. كما تضررت مزارع المواشي والدواجن، سواء بفعل الاستهداف المباشر أو نتيجة التلوث الذي أصاب البيئة المحيطة بها.


أما على صعيد الحياة البرية، فأشار إلى رصد حالات نفوق لبعض الحيوانات في الطبيعة اللبنانية، من بينها الثعالب وابن آوى، يُرجّح ارتباطها بالتعرض لمواد سامة، بما فيها الفوسفور الأبيض. إلا أنّه شدد على صعوبة إحصاء الخسائر بدقة، خصوصًا في المناطق الحرجية والغابات التي يصعب الوصول إليها في ظل الظروف الحالية، رغم توثيق بعض الحالات من قبل ناشطين وباحثين.


وأكد قبلان أنّ انتهاء الحرب لا يعني نهاية آثارها، بل بداية مرحلة جديدة من العمل الميداني، حيث يتوجب على الجهات الرسمية والباحثين والناشطين التوجه إلى المناطق المتضررة لإجراء مسح شامل وتوثيق علمي دقيق للأضرار، تمهيدًا لمحاسبة المسؤولين عنها أمام المحافل الدولية.


وختم بالتشديد على أنّ هذه الجهود ضرورية لإثبات حجم الاعتداءات البيئية، وإبراز حقيقة ما تعرّض له لبنان، مؤكدًا أنّ تداعيات الحرب ستبقى لسنوات طويلة، ما يستدعي عملًا منهجيًا لحماية البيئة والحقوق، وعدم التعامل مع نهاية العمليات العسكرية على أنها نهاية الأزمة.