25-03-202
انتقل قانون إعدام الأسرى إلى مرحلة الحسم النهائي في الهيئة العامة للكنسيت الإسرائيلية، بعدما أعلن مبادروه أنهم يريدون عرضه يوم الاثنين المقبل، قبل خروج الكنيست إلى عطلة الفصح.
وكانت لجنة الأمن القومي في الكنيست، قد صادقت مساء أمس الثلاثاء على مشروع قانون إعدام الأسرى، تمهيدا لطرحه للتصويت بالقراءتين الثانية والثالثة في الهيئة العامة، وبهذا تكون المبادرة قد تجاوزت محطة برلمانية حاسمة، وانتقلت إلى مرحلة الحسم النهائي.
المشروع، كما قُدم ودُفع في اللجنة، يقوده وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وعضوة الكنيست ليمور سون هار-مليخ من حزب "عوتسما يهوديت"، بدعم مباشر من رئيس اللجنة تسفيكا فوغل. وفي صيغته التي نوقشت في الأسابيع الأخيرة، يقترح القانون مسارين مختلفين: مسارا للمحاكم العسكرية في الضفة الغربية، ومسارا للمحاكم المدنية داخل إسرائيل. ووفق النص الحالي، فإن الفلسطينيين الذين يُدانون في المحاكم العسكرية في الأراضي المحتلة بقتل على خلفية تُعرّفها إسرائيل بأنها "إرهابية" قد يواجهون حكما إلزاميا بالإعدام، ما لم تر المحكمة وجود ظروف خاصة تبرر الاكتفاء بالسجن المؤبد، فيما ينص المسار المدني داخل إسرائيل على عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد في قضايا قتل تُنسب إلى نية "إنكار وجود دولة إسرائيل". كما خفّض المشروع العتبة المطلوبة لإصدار حكم الإعدام، بحيث تكفي أغلبية بسيطة من القضاة، ويُلغي إمكان العفو أو تخفيف الحكم في حالات معينة.
سياسيا، يتصدر بن غفير جبهة المؤيدين، وقد قدّم القانون باعتباره واحدا من "أهم" القوانين التي يدفع بها اليمين في السنوات الأخيرة. وخلال مناقشات المشروع قال: إنه لا يريد هامشا واسعا لتقدير القضاة، لأن أي مساحة من هذا النوع، بحسب موقفه، تضرب أثر الردع الذي يريد القانون فرضه. أما سون هار-مليخ، وهي من أبرز مقدمي المشروع، فاعتبرت أن القانون يحمل رسالة واضحة مفادها بأن من يقتل يهودا بسبب كونهم يهودا "يفقد حقه في الحياة"، ووصفت التشريع بأنه "يهودي وأخلاقي". كما تبنى رئيس اللجنة تسفيكا فوغل الموقف نفسه، وقال في المداولات إنه سمع تقديرات الجهات الأمنية لكنه لم يقتنع بها، وإن الدولة تحتاج إلى "أدوات استثنائية" في "واقع استثنائي". هذه المواقف تضع قيادة "عوتسما يهوديت" في رأس المعسكر الذي يريد تمرير القانون سريعا ومن دون مزيد من التأجيل.
في المقابل، لا تقتصر المعارضة على الكتل العربية أو اليسار البرلماني. عضو الكنيست غلعاد كريف (متدين من حزب الديموقراطيين) هاجم المشروع بشدة، ووصفه بأنه قانون متطرف لا وجود له في أي دولة ديمقراطية، ويحمل عيوبا أخلاقية وأمنية جسيمة. وهاجم موضحًا أن الحكومة والائتلاف خضعا، بحسب رأيه، لحملة انتخابية شعبوية يقودها بن غفير، وأن القانون قد يفاقم عمليات المساومة والانتقام، ويقيد يد الحكومة في أي صفقات مستقبلية لتحرير محتجزين.
كذلك برز موقف عضو الكنيست عوديد فورير من "يسرائيل بيتينو" باعتباره موقفا أكثر تركيبا. فهو من أكثر البرلمانيين الذين دفعوا خلال السنوات الماضية نحو تشريع مشابه، لكنه لم يشارك في التصويت داخل اللجنة بسبب اعتراضه على الصيغة الحالية، محذرا من أن مشكلاتها القانونية قد تجعل القانون "حرفا ميتا" أو تدفع المحكمة العليا إلى إسقاطه. وهذا يعني أن الخلاف ليس فقط بين مؤيدين ومعارضين لعقوبة الإعدام من حيث المبدأ، بل أيضا بين من يريدونها بأي صيغة وبين من يرون أن النص الحالي غير قابل للصمود قضائيا.
ومن الإشارات السياسية اللافتة أيضا أن الائتلاف استبدل أثناء التصويت بممثل الأحزاب الحريدية في اللجنة عضو الكنيست أوفير كاتس من "الليكود"، حتى يضمن المصادقة على القانون، وذلك بسبب معارضة الحريديم له من حيث المبدأ. هذه الخطوة الإجرائية لم تكن تفصيلا تقنيا، بل عكست أن الائتلاف لم يكن مطمئنا إلى وجود أغلبية مستقرة داخل اللجنة من دون إعادة ترتيب التمثيل. كما أنها أظهرت أن القانون، رغم الخطاب الحاد الذي يحيط به، لا يحظى بإجماع داخل معسكر الحكم نفسه.
أما على المستوى القضائي والقانوني، فالصورة أكثر تعقيدا. المستشار القانوني للجنة الأمن القومي، المحامي عيدو بن يتسحاق، حذر من أن عقوبة الإعدام عقوبة لا رجعة فيها، ولذلك يجب التعامل معها بحذر بالغ. وأوضح أن من أبرز الإشكالات في المشروع غياب إمكان طلب العفو، وهو ما قد يتعارض مع التزامات دولية، إضافة إلى الفروق بين المنظومة القانونية المطبقة داخل إسرائيل وبين تلك المطبقة في الضفة الغربية. كما أثيرت خلال المداولات، بحسب التغطيات والتقارير القانونية، تحفظات من جهات رسمية ومهنية في وزارتي العدل والخارجية، ومن ممثلين عن الجيش، على خلفية ما يفتحه المشروع من أسئلة دستورية وقانونية ومن تداعيات دولية محتملة. حتى الجهات التي لم تتبن معارضة سياسية علنية للقانون بدت قلقة من قدرة النص على الصمود أمام الاختبار القضائي، ومن الثمن الذي قد تدفعه إسرائيل في المحافل الدولية إذا تحوّل المشروع إلى قانون نافذ.
هذه التحفظات المؤسسية تجد صداها بوضوح أكبر في مواقف جمعيات حقوقية ومدنية داخل إسرائيل. جمعية حقوق المواطن في إسرائيل ACRI أعلنت بشكل صريح أنها تعارض مشروع القانون "بشكل لا لبس فيه". وفي ورقة أسئلة وأجوبة نشرتها أواخر شباط 2026، قالت الجمعية إن القانون قاسٍ وعنيف، ويتعارض مع المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه حقوق الإنسان والديمقراطية، وهو قدسية الحياة والكرامة الإنسانية. وأضافت أن عقوبة الإعدام نهائية ولا يمكن التراجع عنها، وأن أي جهاز قضائي يديره البشر ليس محصنا من الخطأ، ما يخلق خطرا حقيقيا بإعدام أبرياء. كما شددت الجمعية على أنه لا يوجد دليل بحثي على أن الإعدام يحقق ردعا أكبر من السجن، وذهبت إلى التحذير من أن القانون قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، سواء عبر خلق دافع للانتقام أو عبر تشجيع جماعات مسلحة على خطف جنود أو مدنيين لمنع تنفيذ أحكام الإعدام. والأهم في موقف الجمعية أنها قالت بوضوح إن الصيغة المطروحة تجعل القانون موجها عمليا ضد الفلسطينيين فقط، لأن الفلسطينيين وحدهم يُحاكمون في المحاكم العسكرية، ولأن تعريف الجريمة داخل المحاكم المدنية صيغ بطريقة توجه العقوبة فعليا ضد العرب.
ولم تقتصر المعارضة الحقوقية على ACRI. ففي 16 كانون الثاني 2026 نشرت أربع من أبرز المنظمات الحقوقية العاملة في إسرائيل وفلسطين المحتلة، وهي اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، ومركز عدالة، وهموكيد، وأطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل، ورقة موقف مشتركة وصفت مشروع القانون بأنه "خرق جوهري للقانون الدولي" عبر فرض عقوبة إعدام تستهدف الفلسطينيين على نحو مخصوص. وقالت هذه المنظمات إن مشروعي القانون الجاريين في الكنيست يسعيان إلى فرض الإعدام "حصرا على الفلسطينيين"، بما يهدد بإنشاء نظام عقوبة رأسمالية قائم على التمييز العرقي. وأضافت أن أي إدخال لعقوبة الإعدام ضد الفلسطينيين عبر القنوات القانونية أو العسكرية سيشكل حرمانا تعسفيا وغير قانوني من الحياة، وأن القانون يقيم إطارا عقابيا وتمييزيا يحرم الفلسطينيين بصورة منهجية من الحماية المتساوية أمام القانون، ومن ضمانات المحاكمة العادلة، ومن الحماية من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية. كما حذرت هذه المنظمات من أن تطبيق عقوبة الإعدام داخل المنظومة العسكرية في الضفة، التي تحاكم الفلسطينيين وحدهم، يجعل التمييز جزءا بنيويا من القانون نفسه، لا مجرد نتيجة جانبية له.
وفي الاتجاه نفسه، قالت منظمة "حاخامات من أجل حقوق الإنسان" إن المشروع ليس يهوديا ولا أخلاقيا ولا ضروريا، وإن التقليد اليهودي نفسه تحرك تاريخيا لتقييد عقوبة الإعدام وإفراغها عمليا من التطبيق. وقال المدير التنفيذي للمنظمة، آفي دبوش، إن القانون ليس أداة ردع مثبتة، وإن الخطر الحقيقي يكمن أيضا في توسيع استخدام هذه العقوبة لاحقا ضد مجموعات أخرى. ورغم أن المنظمة تنطلق من خلفية دينية يهودية، فإن اعتراضها جاء في صلب الجدل العام داخل إسرائيل، لأنه يرد على محاولة تسويق القانون باعتباره تعبيرا عن "قيم يهودية".
