بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

في ضجيج الطائرات وأصوات الصواريخ العالم يراقب الحروب الكبرى ... وفلسطين تنزف وتبتلع بصمت

في ضجيج الطائرات وأصوات الصواريخ العالم يراقب الحروب الكبرى ... وفلسطين تنزف وتبتلع بصمت


في ضجيج الطائرات وأصوات الصواريخ العالم يراقب الحروب الكبرى ... وفلسطين تنزف وتبتلع بصمت24-03-2026

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الحرب الدائرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران وحزب الله من جهة ثانية، تتراجع قضية فلسطين مرة أخرى إلى آخر سلم الاهتمام الدولي وكأن الدم الفلسطيني بات خبرا عاديا لا يثير غضبا ولا يستدعي تحركا، بينما تتصدر المواجهة الإقليمية نشرات الأخبار وتزدحم الشاشات بالتحليلات العسكرية والسياسية فيما تترك غزة وحدها في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية، والضفة فريسة مفتوحة لجيش الاحتلال وقطعان المستوطنين، وتترك القدس تحت وطأة التهويد والحصار والانتهاك اليومي للمقدسات الإسلامية والمسيحية.

إن ما يجري اليوم لا يكشف فقط حجم مأساة فلسطين بل يفضح أيضا خللا أخلاقيا وسياسيا فادحا في النظام الدولي الذي يسارع إلى متابعة كل تطور عسكري في الإقليم لكنه يتباطأ بل يتعامى أمام كارثة إنسانية متواصلة في غزة حيث القتل والتجويع والتدمير والحصار باتت عنوانا يوميا لحياة أكثر من مليون ونص مليون إنسان، هناك شعب كامل يدفع به إلى حافة الهاوية فيما يكتفي العالم بالتعبير عن القلق وكأن المجازر المستمرة مجرد أرقام في نشرات الأخبار وليست جريمة موصوفة بحق شعب أعزل.

وفي ظل الانشغال بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران يبدو واضحا أن الاحتلال الإسرائيلي وجد فرصة إضافية لتوسيع دائرة عدوانه بعيدا عن أي ضغط حقيقي، فكلما اشتعلت جبهة جديدة في المنطقة تراجعت فلسطين في الحسابات السياسية والإعلامية ووجدت حكومة الاحتلال متسعا أكبر لمواصلة جرائمها سواء في قطاع غزة الذي يعيش واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث أو في الضفة الغربية التي تشهد تصعيدا خطيرا في الاقتحامات والاعتقالات والاغتيالات وهدم المنازل ومصادرة الأراضي.

وإذا كانت غزة تختنق تحت الحصار والنار والجوع فإن الضفة الغربية تواجه عدوانا منظما لا يقل خطورة يتجسد في إرهاب المستوطنين المتواصل بحق القرى والبلدات الفلسطينية وفي الحماية الكاملة التي يوفرها جيش الاحتلال لهذه العصابات المسلحة، فالاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم لم تعد أحداثا متفرقة بل أصبحت جزءا من سياسة ممنهجة تستهدف اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه وكسر إرادته وفرض وقائع استعمارية جديدة على حساب حقوقه التاريخية المشروعة.

أما القدس فهي الأخرى تعيش تحت سيف الاستهداف المباشر ليس فقط من خلال الاقتحامات والتضييق والإجراءات الاحتلالية بل أيضا عبر استمرار إغلاق المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة أمام المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين، ومنعهم من أداء صلواتهم والوصول إلى مقدساتهم، وهذه الممارسات لا يمكن فصلها عن المشروع الإسرائيلي الأشمل القائم على تهويد المدينة وتغيير هويتها وضرب مكانتها الدينية والوطنية في تحد صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية.

إن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في حجم العدوان بل في محاولة تكريس واقع جديد عنوانه، فلسطين ليست أولوية وهذا أخطر ما يمكن أن يواجهه شعب ما زال يناضل من أجل حريته ووجوده، فحين تنشغل العواصم المؤثرة بترتيب خرائط النار والنفوذ في المنطقة وحين يصبح البحث عن تسويات للحرب الأمريكية الإيرانية أكثر حضورا من البحث عن وقف العدوان على غزة والضفة فإن الرسالة التي تصل إلى الفلسطينيين واضحة ومؤلمة "إن دمك ليس على جدول الأعمال الان".

ولكن الحقيقة التي لا يمكن تغييبها مهما ضجت الحروب وتبدلت العناوين، ستبقى فلسطين جوهر الصراع في المنطقة وأن كل محاولات تهميشها أو تجاوزها أو تأجيلها لن تصنع استقرارا بل ستبقي المنطقة مفتوحة على مزيد من الانفجارات، فغزة ليست هامشا والضفة ليست تفصيلا والقدس ليست قضية مؤجلة، وفلسطين هي أصل الحكاية وهي المعيار الأخلاقي والسياسي الذي تسقط أمامه كل ادعاءات المجتمع الدولي عن العدالة وحقوق الإنسان.

إن المطلوب اليوم موقف عربي ودولي أكثر جرأة ووضوحا يعيد فلسطين إلى مركزها الدولي ويفرض وقفا فوريا للعدوان ويضع حدا لجرائم الاحتلال في غزة والضفة والقدس ويكسر حالة الصمت والتواطؤ التي تمنح إسرائيل مزيدا من الوقت لارتكاب جرائمها، كما أن المطلوب من الإعلام ومن النخب السياسية والفكرية والحقوقية ألا تسمح للحروب الأخرى بأن تحجب المأساة الفلسطينية لأن الاحتلال يراهن على تعب العالم وعلى اعتياد الشاشات على الدم الفلسطيني وعلى تراجع القضية إلى أسفل الأولويات.

إن فلسطين اليوم لا تواجه الاحتلال وحده بل تواجه أيضا معركة التهميش والنسيان وهي معركة لا تقل خطورة عن العدوان العسكري نفسه حين يترك شعب بأكمله بين القصف والجوع والحصار والاقتحامات واعتداءات المستوطنين فيما يواصل العالم انشغاله بترتيب أولوياته ومصالحه ويصبح الصمت الدولي جزءا من الجريمة ويغدو التخاذل غطاء لاستمرار المأساة.

وفي زحمة الحروب الكبرى تحاول القوى الفاعلة في العالم أن تجعل من فلسطين قضية مؤجلة أو خبرا ثانويا أو مأساة قابلة للنسيان، غير أن فلسطين رغم الجراح والحصار والاستيطان ستبقى القضية التي تفضح صمت العالم وعجزه ونفاقه، وما لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف العدوان الإسرائيلي وإنهاء الكارثة الإنسانية في غزة ووقف الجرائم المتواصلة في الضفة الغربية والقدس فإن هذا العالم لن يكون شاهدا فقط على المأساة بل شريكا كاملا في استمرارها.