عدنا من جديد ننام أمام التلفزيون، كأعضاء مشتغلين في حزب الكنبة، الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض، ومع التهديدات فقد نمت مبكرًا في الليلة الماضية، بعد يوم كان مستوى التهديد الأمني فيه مرتفعًا في الدوحة، حسب وزارة الداخلية، وقد سمعنا أصوات تفجّر هذه الصواريخ بعد اعتراضها، واستمرت لفترة طويلة نسبيًا، بالمقارنة بالهجمات الإيرانية الصاروخية السابقة، وبعد هذا كان البيان الأمني بإزالة الخطر، مع ضرورة توخي الحذر!
ومع ذلك فقد نمت مبكرًا ولعدة ساعات، فلست قلقًا، لكن القلق ينتاب الأصدقاء، وعندما تذيع «الجزيرة» الخبر في عواجلها تبدأ رسائل الاطمئنان على سلامتنا.
الحمد لله نحن بخير، ومع أن جيلي لم يشهد حروبًا إلا عبر الشاشة الصغيرة، إلا أنني في حالة طمأنينة بسبب قيام الدولة القطرية بدورها، متى صنعت منظومة مضادات الصواريخ؟ لا يهم، فلست خبيرًا عسكريًا ليشغلني الأمر، والمهم هو هذا الشعور العالي من جانب الدولة بمسؤوليتها، فإذا زادت الرشقة، وفلت صاروخ – لا قدر الله يحدث أن يفلت من القبة الإسرائيلية – يتم استدعاء المخزون الصوفي القديم، فيلقي في النفس ما تحتاج له من طمأنينة، ولهذا نمت مبكرًا.
الرقية الشرعية في البيت الأبيض
فلما استيقظت كان التلفزيون قد أغلق تلقائيًا، فأمسكت بالهاتف، لأجد صورة من قناة «العربية» للرئيس الأمريكي ترامب، وهو مغمض العينين، ومن حوله أناس يضعون أيديهم عليه، وأيديهم على أيدي بعض، فاعتقدت أنه يخضع للرقية الشرعية، فلما انتبهت إلى أن الرقية خاصة بنا، اعتقدت أنها جلسة تحضير العفريت، والأمر بانصرافه، فلما ضغطت عليه إذا هو فيديو بثته القناة لقداس تم تنظيمه في البيت الأبيض، يبدو أن ترامب يشعر بورطة الحرب، ولعل القداس يفك النحس!
بعد قليل وقفت على أن القداس نُقل على الهواء، وأن إذاعته لم تكن قاصرة على قناة «العربية»، فحتى قناة اسمها «الشرقية»، لا أعرف من أين تبث، وجدتها نقلت هذا القداس الكبير، الذي يفتقد لوجود أحد القساوسة، ليقوم بعده بالقراءة في جنبات البيت الأبيض، لإخراج السحر وإبطاله، وصرف الجان وأعوانه، وإن كان الخوف قائمًا من أن القراءة قد تتسبب في خروج ترامب نفسه! تخيلت لو أن ترامب حاكمًا عربيًا مسلمًا قام في مقر الحكم بطقس ديني، كيف سيكون حال العلمانيين العرب؟ أعتقد أنهم كانوا سينفرون جميعًا باعتبار أن مثل هذه السلوكيات دليل رجعيتنا وتخلفنا، مع الوضع في الاعتبار عدم وجود علمانيين في بلادنا، وإنما توجد طائفة من منتحلي الصفة، يعرفون أنفسهم بها، في حين أن المفكرين الذين ينسبون إليها لم يكونوا يفعلون، لأنهم ليسوا بحاجة إلى بطاقة تعريف.. هل استمع أحدكم إلى فؤاد زكريا مثلًا يقول إنه علماني؟! ما علينا، فهذا الشعور بالورطة هو الذي دفع ترامب للجوء إلى الدين، فلم ينتظر الذهاب إلى الكنيسة، وإنما يحول مجلسه إلى معبد، ولست متأكدًا من أن مثل هذه الطقوس مورست في البيت الأبيض في عهود سابقة!
كنت أعتقد أن ترامب، وهو لسان فقط، أقل شجاعة من دخول الحرب مع إيران، والتي تلاشاها كل من سبقه من الرؤساء، لكنه فعلها كمغامر لم يفكر في الأمر مليًا، ليضع نفسه في أزمة لا يجد معها من بديل إلا نصب القداس في البيت الأبيض، لعله ينتصر!
الحروب بأهدافها فلم ينتصر ترامب
في حسابات معارك الشوارع، تحسب الأمور بالخسائر المادية، لكن الحروب بأهدافها، وفي الحسابات الأولى انتصرت أمريكا وإسرائيل، وهي حسابات تشبه قواعد المكسب والخسارة في مباريات المصارعة التي يفهمها ترامب جيدًا، كلاعب متقاعد، وقد تم اغتيال المرشد العام للثورة الإيرانية (أكبر رأس في إيران)، بجانب عدد من القيادات، لكن هدف الحرب كان إسقاط النظام، وهو ما لم يتحقق إلى الآن، ويبدو أنه صعب المنال!
عدت إلى قناة «الجزيرة» لأجد من ضمن العواجل أن وزير الدفاع الأمريكي يقرر أن ترامب سيكون له دور في اختيار من يدير إيران في المرحلة المقبلة، وهو نفسه من حدد أهداف الحرب قبل أيام بالقول: «نخوض معركة وجودية لإسقاط النظام الإيراني»، فأيقنت أن القوم يعيشون في عالم موازٍ!
من حسن الحظ أن «الجزيرة» ردت الاعتبار لـ»العاجل»، وقد عشنا حينًا من الدهر كانت القنوات التلفزيونية تبتذل «العاجل»، ومع الأحداث الكبرى كنت أنام على «عاجل»، فلما أفتح عينيَّ وأجده أعتقد أنني غفوت فقط، قبل أن أكتشف أنني نمت ساعات، لكن لـ»العاجل» أحكامه!
المهم، فقد رأيت في هذا العاجل امتدادًا للحالة التي دفعت إلى تنظيم قداس في البيت الأبيض، وفي دعوة الإيرانيين إلى الثورة، وهو ما جاء في خطاب لترامب، فلما فشل دعا الأكراد إلى القيام بعمليات عسكرية داخل إيران، وقال إنه سيدعمهم، ثم قرر من نفسه منح الحصانة للحرس الثوري، ولأعضاء الحكومة الإيرانية، إذا انشقوا عن النظام القائم، وهي حالة من التفكير البائس!
هل درس ترامب الداخل الإيراني قبل حربه؟ وهل لديه فكرة عن منظومة الحكم الإيراني ومستوياتها وصناعتها؟
هل هذه أمريكا، دولة المؤسسات ومراكز الأبحاث والعقول الجادة؟
عاجل «الجزيرة» الآن.. وكالة تسنيم الإيرانية: تدمير مسيرتين إسرائيليتين من طراز هيرون في أصفهان.
بالهناء والشفاء.
الإشراف على المذيع
أزمة مصر، في أن المناصب العليا فيها، والسفلى أحيانًا، صارت تمنح كمكافأة لنهاية الخدمة، بغض النظر عن التخصص والاهتمامات. وفي طوال تاريخه لم يظهر على خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، عرضًا واحدًا يؤكد أن لديه ميولًا إعلامية، أو أنه شارك، بالرأي أو الجلوس، في ندوة عن مهنة الصحافة والإعلام، وربما كل إمكانياته لتولي المنصب أن لديهم تلفزيونًا في البيت!
فالرجل مهندس، تخرج في كلية الهندسة، ويبدو أن لديه اهتمامات أخرى، لو اهتم بها والتحق بكلية التربية الرياضية لترك موقعه لصاحب الرغبة الحقيقية في أن يكون مهندسًا، لكنها ثقافة «استخسار المجموع»، والهندسة من كليات القمة، والتربية الرياضية من كليات القاع!
فالمهندس تولى رئاسة المجلس الأعلى للشباب والرياضة، ومدير بطولة كأس الشباب، وحمل عضوية الاتحاد المصري للتنس، والمسؤولية عن بطولة كأس الأمم الرياضية، كما تولى منصب وزير الشباب والرياضة، فلما أقيل عُين رئيسًا للمجلس الأعلى للإعلام، وجاء ليقيم دراما الشركة المتحدة ويشيد بها.. هل شاهدها؟!
وأن تكون لديه ميول فنية فهذا ليس موضوعنا، إنما ما يعنيني هو «مادة التخصص» وهي الإعلام، وقد قرأت له تصريحًا أن الإشراف على مقدمي البرامج من اختصاص نقابة الإعلاميين، فأسقط في يدي!
ذلك أن من اختصاص المجلس الأعلى للإعلام وضع القواعد والمعايير المهنية الضابطة للأداء الصحافي والإعلامي والإعلاني، بالاشتراك مع النقابة المعنية، ووضع وتطبيق القواعد والضوابط التي تضمن حماية حقوق الجمهور وجودة الخدمات التي تقدم له.
فإذا خرج مقدم البرنامج على هذه القواعد كان للمجلس وقفة مع القناة، ومع البرنامج، ويأتي دور المذيع الذي يملك المجلس وقفَه، وقد أوقفت من قبل بعض البرامج، أما ما يخص النقابة فهو سلطة التحقيق بعد الإحالة من المجلس الأعلى للإعلام! هل قرأ الرجل القانون رقم 180 لسنة 2018 بإصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام؟!
أحمد طه.. قصيدة شعر
محمد حماد من الجيل الذي سبقنا للصحافة، لكنه الجيل الناصري، الذي كافح في الحياة من أجل تصدر المشهد، فلما حدث كان في حكم من هتف: ألا ليت الشباب يعود يومًا؟ وكانت أزمتهم أن الناصريين معمّرون لأسباب غير معروفة، فظل الجيل الأول في الصدارة أمدًا طويلًا!
عندما سقطت بغداد، وكان في اليوم نفسه موعد لمحاضرة للفريق سعد الدين الشاذلي محددة سلفًا، وجدت صفًا من دولة عبد الناصر في طريقه إلى القاعة، وجميعهم يرتدون بلاطي سوداء، ومن قرأت أسماءهم في كتب التاريخ فهتفت: ألم يمت هؤلاء القوم من قبل؟ لا تنس أن وزير إعلام عبد الناصر محمد فايق (96 عامًا) لا يزال على قيد الحياة إلى الآن!
محمد حماد كتب في مذيع قناة «الجزيرة» مباشر أحمد طه مقالًا هو قصيدة شعر، يفسده التلخيص، وكيف أنه يقدم طرازًا رفيعًا من الإعلام السياسي، لا يقوم على الصخب ولا على استعراض العضلات، بل على الحرفية الهادئة والذكاء المنهجي والتحضير العميق، الذي يجعل الحوار ساحة كشف وليس ميدان ملاكمة.
شهادة من كاتب كبير، لإعلامي عصامي بنى نفسه بنفسه.
صحافي من مصر
سليم عزوز

