نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته سوزانا جورج وجوليا ليدور، قالتا فيه إن النظام الإيراني لا يزال مسيطرا على الأمور، رغم الخسائر المدمرة التي لحقت به. فرغم استهداف القيادة العليا إلا أن بنية النظام الحاكم في طهران لا تزال مستمرة بشكل أثار دهشة الخبراء والمسؤولين.
فرغم الحرب المكثفة التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أن القيادة الإيرانية في طهران لا تزال متماسكة، وهذه الظروف وإن منعت تشييع جنازة المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، وأجّلت التصويت على اختيار خلف له، إلا أن الحرب التي امتدت على 12 دولة في الشرق الأوسط، لم تؤثر على قبضة النظام الإيراني على السلطة، وفقا لمسؤولين أوروبيين وعرب مطلعين على تقييمات وضع النظام منذ بدء الصراع.
ويقول المسؤولون هؤلاء إن إيران جهزت نفسها لهذا الصراع. ويبدو أن هياكل القيادة التي بنيت لتحمل ضربة استهدافية لا تزال إلى حد كبير، سليمة، مما يسمح لإيران بشن ضربات انتقامية ضد إسرائيل وقطر والبحرين في غضون ساعات من الهجمات الأولية.
ومنذ بدء الصراع، أفاد الإيرانيون داخل البلاد بوجود أمني مكثف في شوارع المدن، حيث تقوم قوات الباسيج شبه العسكرية بدوريات على الدراجات النارية.
وقد أكدت التقييمات الأمريكية للحرب الجارية أنها نجحت في قتل القيادات العليا، فقد تحدث وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في إحاطة صحافية يوم الأربعاء، متفاخرا بالنجاحات التي تحققت أثناء شرحه لكيفية توسيع نطاق العمليات: “لقي كبار قادة إيران حتفهم وما يسمى بمجلس الحكم، الذي كان من الممكن أن يختار خليفةً له إما قتلوا أو فقدوا أو اختبأوا في ملاجئ، خائفين جدا من البقاء في غرفة واحدة”.
وكان هيغسيث يردد إلى حد كبير ما قاله يوم الثلاثاء، الرئيس دونالد ترامب بأن الضربات الجوية أسفرت عن مقتل “معظم الأشخاص” الذين كانت الولايات المتحدة تفضلهم لخلافة أعضاء النظام الذين قتلوا في بداية الحرب.
لكن على الرغم من شدة الضربات ونطاق الدمار الواسع، لم ترد حتى الآن أي تقارير عن انشقاقات كبيرة داخل صفوف النظام أو عن انتفاضات شعبية، وفقا لتقييمات أوروبية وعربية نقلها مسؤولون من تلك الدول إلى صحيفة “واشنطن بوست”.
كما لم ترصد الاستخبارات الأمريكية أي مؤشرات على انتفاضات أو انشقاقات في الأيام الأولى للحملة، حسب شخص مطلع على الوضع تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته.
وقال مسؤول أوروبي بارز: “لا يوجد أي مؤشر على انهيار أي شيء في النظام، لا شيء، صفر”، وأضاف أن: “السيطرة كاملة”. كما أوضح المسؤول أنه على علم بتقارير تفيد بتغيب قوات الأمن التابعة للنظام عن أداء واجبها، لكنه يعتقد أن ذلك قد يكون بسبب أوامر بعدم التجمع في الثكنات خشية استهدافها.
وقال مسؤولون إن القيادة العسكرية والسياسية الإيرانية أثبتت متانتها بفضل “النظام متعدد المستويات” الذي بناه النظام لمواجهة الأزمات، والذي يوزع القيادة بتعيين عدة أفراد ليحلوا محل أي شخصية رئيسية قد تقتل على الفور.
وبعد مقتل وزير الدفاع الإيراني عزيز ناصر زاده في غارات يوم السبت، عين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي ترددت شائعات بأنه كان هدفا في الموجات الأولى من الهجوم، ماجد بن رضا وزيرا لتصريف الأعمال يوم الاثنين. ومنذ ذلك الحين، تكهنت تقارير إعلامية بمقتل ابن رضا في هجمات لاحقة، لكن وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية لم ترد على هذه الادعاءات.
وتقول “واشنطن بوست” نقلا عن مسؤول عربي بارز قوله قبل اندلاع الحرب، إن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي اعتقدوا أن إيران ستكون أكثر عرضة للضغوط العسكرية الخارجية وأن احتمال اغتيال المرشد الأعلى سيكون نقطة تحول مبكرة، تشعل انتفاضة جماهيرية ضد النظام. وقال: “كنا نبحث عن المظاهرات في الشوارع، لكننا فوجئنا بوحدتهم”.
وأشارت الصحيفة إلى أن النظام الذي واجه في كانون الثاني/يناير احتجاجات حاشدة رد عليها بقوة، كان في أضعف حالاته، إلى جانب الترهل العميق في هياكل القيادة السياسية والأمنية.
إلا أن هيكل الحكم ظل سليما وسط عمليات القصف الجوي المستمرة ويواصل ممارسة سيطرته، الأمر الذي أثار دهشة المراقبين المخضرمين للشأن الإيراني في المنطقة.
وحذر المسؤولون الأوروبيون والعرب من أن النظام الإيراني لا يزال غامضا، وأن التنبؤ بانهياره من الخارج يكاد يكون مستحيلا. ولا توجد إلا معلومات قليلة حول تأثير الهجمات الأمريكية والإسرائيلية فيما تعاني البلاد من انقطاع شبه تام للإنترنت.
لكن التحليل البصري الأولي الذي أجرته صحيفة “واشنطن بوست” كشف عن أضرار جسيمة لحقت بأهداف عسكرية ومبان حكومية وهياكل أمنية داخلية. كما أعلنت إسرائيل مؤخرا مسؤوليتها عن ضربات استهدفت المؤسسة الدينية الإيرانية. وفي المجمل، تقول القيادة المركزية الأمريكية إنها استهدفت أكثر من 2000 هدف داخل إيران خلال أكثر من أربعة أيام. فيما أعلن الجيش الإسرائيلي عن إلقاء طائراته أكثر من من 4000 قنبلة على إيران منذ يوم السبت.
وعلق غريغوري برو، المحل المختص في الشؤون الإيرانية، بمجموعة أوراسيا: “لا شك أن إيران قد أُضعفت بشكل كبير”، مضيفا أنه بالنظر إلى الخسائر العسكرية الإيرانية وحدها، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل دمرتا معظم أسطولها البحري، وجزءا كبيرا من مخزونها الصاروخي ووسائل إنتاج المزيد من الصواريخ. وتابع برو: “إنهم يفجرون الكثير من المباني لكن معظمها على الأرجح خال، إنهم يدمرون البنية المادية للجمهورية الإسلامية”.
في غضون ذلك، ووفقا لإيرانيين داخل البلاد، قال المسؤول الأوروبي إن قوات الشرطة الإيرانية وقوات الباسيج استمرت في العمل. وأوضح برو أن ذلك يعود إلى أن هذه القوات لا تستخدم أسلحة ثقيلة، ويمكنها الانتشار بسرعة من المباني التي يسهل استهدافها جوا، ثم العودة للظهور بمجرد توقف القتال.
وبعد حرب العام الماضي في حزيران/يونيو ، أعادت إيران تنظيم قواتها المسلحة تحسبا لمزيد من الضربات العسكرية. أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع قناة “الجزيرة” يوم الأحد، إلى إعادة تنظيم القوات، واصفا الوحدات العسكرية الإيرانية بأنها “معزولة” وتعمل وفقا “لتعليمات عامة مسبقة”.
وبناء عليه، فلا أحد يعرف إلى متى ستظل إيران صامدة في وجه الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، انخفضت وتيرة الردود الإيرانية، مما يوحي بنقص الذخيرة لدى إيران أو عجزها عن الوصول إلى مخزوناتها المدفونة. إلا أن يوم الخميس شهد تصاعدا حادا في الهجمات الإيرانية الانتقامية ضد البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة.
ومع استمرار الصراع واضطرار القوات المسلحة الإيرانية إلى التكيف ووضع خطط جديدة، قد تتفاقم خسائر القيادة في البلاد. إلا أن المسؤولين الإيرانيين أشاروا إلى استعدادهم لخوض معركة طويلة ضد خصوم متفوقين عسكريا. وتعتقد طهران أن السبيل الوحيد لتحقيق النصر هو الصمود لفترة أطول من الولايات المتحدة وإسرائيل، حسب قول مسؤول أوروبي ثان على اطلاع بتقييمات قوة النظام الإيراني منذ بداية الحرب، قال: “إنهم يدركون أنهم لن يتمكنوا من هزيمة أقوى جيش في العالم، لكن من خلال الحرب غير المتكافئة، يمكنهم محاولة إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر، لإجبار الولايات المتحدة على السعي لخفض التصعيد”.
ولهذا السبب، أعطت إيران الأولوية للرد على دول الخليج العربي والدول التي قد تبدأ بالضغط على الولايات المتحدة للبحث عن مخرج، بحسب المسؤول.
وأضاف المسؤول أن إيران راهنت على أن نظامها وشعبها أكثر قدرة على تحمل المصاعب المطولة من دول الخليج العربي والولايات المتحدة، لكنه حذر من أنه كلما طال أمد الصراع، زادت احتمالية تفاقمه وتحوله إلى صراع أكثر دموية على جميع الأطراف. وقال: “هذا النظام مصمم للبقاء، ولن يرحل بهدوء”.

