نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده نيكولاس كونفسور قال فيه إن الكثيرين من رجال الأعمال والرموز العامة والقادة السياسيين أنكروا أية علاقة بالمتحرش بالقاصرات جيفري إبستين الذي مات في زنزانته عام 2019، لكن ملايين الوثائق والصور والفيديوهات، تكشف عن علاقة عميقة وخطيرة.
وجاء في التقرير: “قالوا إنهم لم يعرفوا جيدا جيفري إبستين، شعروا بالاشمئزاز منه منذ البداية، ولكنهم انجذبوا فقط إلى ذكائه أو شغفه بالعلم أو براعته في مجال الأعمال، ولم يكونوا على علم باستغلاله للنساء والفتيات وإنهم ندموا ندما شديدا على ارتباطهم به”.
وفي السنوات التي تلت اعتقال إبستين وانتحاره في سجن مانهاتن، سارع بعض أثرى وأقوى الشخصيات في العالم للنأي بأنفسهم عن هذا الرجل المدان الذي كانوا يتعاملون معه ويتناولون معه الطعام في أماكن فخمة أو يسافرون على متن طائراته الخاصة.
إلا أن الكشف التدريجي عن الوثائق وغيرها من المعلومات خلال الأشهر القليلة الماضية والذي بلغ ذروته يوم الجمعة بنشر ما يقرب من ثلاثة ملايين صفحة من السجلات المتعلقة بإبستين، أظهر عمق وقوة واستمرار علاقاته بالنخبة العالمية، مما يناقض أو يقوض سنوات من الإنكار الدقيق.
وتعلق الصحيفة أن هذا الكم الهائل من الوثائق لم يغير الآن، وعلى الأقل من الناحية الجوهرية، فهم الرأي العام لإبستين أو جرائمه. بل على العكس، فهي حافلة بمراسلات وتبادل في المديح والود والدعوات الحارة وعلاقات مالية متشابكة. وتظهر هذه الوثائق مجتمعةً كيف ازدهرت علاقات إبستين مع شخصيات في هوليوود، وول ستريت، واشنطن وعالم الموضة حتى بعد إدانته بجريمة جنسية عام 2008.
وفي بعض الحالات، ألقت الوثائق مزيدا من الضوء على شركاء إبستين الذين كانت صلاتهم به معروفة مسبقا، بينما كشفت حالات أخرى عن علاقات ظلت خفية لسنوات.
خذ مثلا، إيلون ماسك، الذي يعد من أثرياء العالم، لم ينكر زيارته لإبستين في جزيرته، لكنه أطّر رفض العلاقة بأنها تعبير عن “موقف مبدئي”.
ففي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في أيلول/ سبتمبر الماضي، كتب ماسك أن إبستين “حاول إقناعي بالذهاب إلى جزيرته، وقد رفضت”.
لكن الوثائق التي نشرت يوم الجمعة أشارت إلى أن ماسك كان في وقت ما متحمسا للزيارة. فقد راسل ماسك إبستين عبر البريد الإلكتروني في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 قائلا: “ما هو اليوم/ الليلة التي ستقام فيها أروع حفلة على جزيرتك؟”.
وكتب ماسك يوم السبت في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: “لم تكن لدي مراسلات كثيرة مع إبستين، ورفضت دعوات متكررة للذهاب إلى جزيرته أو السفر على متن طائرته الخاصة “لوليتا إكسبرس”، لكنني كنت أُدرك تماما أن بعض مراسلاتي معه عبر البريد الإلكتروني قد تفسر بشكل خاطئ ويستخدمها خصومه لتشويه سمعتي”.
وفي بودكاست بُث العام الماضي، وصف هوارد لوتنيك، وزير التجارة، شعوره بالاشمئزاز الشديد من زيارة قام بها في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية إلى قصر إبستين في مانهاتن، لدرجة أنه قرر “ألا يجلس في غرفة مع ذلك الشخص المقرف مرة أخرى”.
وتعلق الصحيفة أن شعور لوتنيك بالقرف من المتحرش والممول المعروف كان مؤقتا، ففي عام 2012 أرسل رسالة لإبستين عبر البريد الإلكتروني لترتيب زيارة له ولزوجته وأطفاله إلى جزيرته الخاصة قبيل احتفالات أعياد الميلاد. وفي وقت لاحق، قام أحد مساعدي إبستين بإعادة توجيه رسالة من إبستين إلى لوتنيك جاء فيها: “سعدت برؤيتك”. ورغم ذلك أصر لوتنيك يوم الجمعة قائلا: “لم أقض معه أي وقت”.
وقالت كاثي روملر، مستشارة البيت الأبيض في عهد الرئيس باراك أوباما، والتي تشغل الآن منصب المستشارة العامة لشركة غولدمان ساكس، إنها قدمت لإبستين خدمات مهنية واستشارات قانونية. لكن في رسائل بريد إلكتروني نشرت حديثا بين إبستين وآخرين، ناقشت لقاءه مع من وصفتهم بـ”الفتيات”، وحللت أحلاما مزعجة ورتبت لاستلام هدايا ثمينة منه.
وقال متحدث باسم غولدمان ساكس إنه “من المعروف أن إبستين كان يقدم خدمات وهدايا غير مطلوبة للعديد من معارفه في مجال الأعمال”. وأضاف أن “الفتيات” كانت إشارة إلى عميلة مشتركة وبناتها.
وفي مجال آخر، ألمحت مراسلات بريد إلكتروني في عام 2013 مع الملياردير البريطاني ريتشارد برانسون إلى وجود علاقة وثيقة تربطه هو الآخر مع إبستين. كتب برانسون: “كان من دواعي سروري رؤيتك بالأمس”، مضيفا: “أتمنى رؤيتك في أي وقت تكون فيه بالمنطقة، بشرط أن تحضر الحريم!” وكتب الكلمة الأخيرة بالإنكليزية. وقال متحدث باسم برانسون إن الاثنين عقدا اجتماع عمل، وأكد أن النساء المقصودات هن بالغات ولكنهن لم يحضرن الاجتماع.
وكان أندرو فاركاس، قطب العقارات في نيويورك، وهو متبرع سياسي مؤثر وتربطه علاقات بالحاكم السابق أندرو إم. كومو، والرئيس ترامب، يمتلك مع إبستين مرسى لليخوت في سانت توماس لسنوات.
وفي رسالة وجهها إلى المستثمرين العام الماضي، قال إن علاقته بالمتحرش الجنسي كانت علاقة عمل بحتة. إلا أن وثائق نشرت مؤخرا تكشف عن علاقة شخصية أعمق.
وتظهر الوثائق أن الرجلين تبادلا رسائل بريد إلكتروني بذيئة حول النساء في إحدى المراسلات عام 2010، بعد اعتقال إبستين وإدانته للمرة الأولى.
وفي رسالة عام 2018، أخبر فاركاس إبستين أنه يحبه ويعتبره من أقرب أصدقائه، قبل أن يختمها بعبارة برموز “xoxo” أي قبلات وعناق.
وظهر فاركاس في جزيرة إبستين بحسب صور نشرها الكونغرس أواخر العام الماضي، حيث يظهر إبستين واضعا يده على كتف فاركاس أثناء سيرهما معا في منطقة استوائية.
وفي كانون الأول/ديسمبر، قالت متحدثة باسم فاركاس لنيويورك تايمز، بأن “تعاملاته مع إبستين كانت مرتبطة تماما بعلاقتهما التجارية” وأنه “نادم على هذه العلاقة”.
وفي مطلع العام الماضي، كتب الملياردير بيتر ثيل، المستثمر في رأس المال المُخاطر، مقالا بصحيفة” فايننشال تايمز” يجادل فيه بأن إعادة انتخاب ترامب تعني أن أسرارا حكومية شديدة السرية، بما في ذلك ما يتعلق بوفاة إبستين، سيكشف عنها أخيرا. وفي الأشهر التي تلت ذلك، كشف التدقيق في قضية إبستين أن شركة استثمارية شارك في تأسيسها ثيل قد قبلت 40 مليون دولار من إبستين، وأن الاثنين تبادلا الرسائل لمدة خمس سنوات على الأقل قبل وفاة إبستين. وفي عام 2018، حث إبستين الملياردير: “زرني في الكاريبي”. وامتنع جيريميا هول، المتحدث باسم ثيل، عن التعليق على العلاقة، لكنه قال إن ثيل “لم يزر جزيرة إبستين قط”.
وتقول الصحيفة إن الشهادات والوثائق التي نشرت على مر السنين كشفت عن استمالة إبستين للأشخاص النافذين، وأنها كانت جزءا لا يتجزأ من استغلاله للنساء. فقد كان يعرض صورا مع أصدقاء مشهورين في منزله بمانهاتن، حيث كان من الممكن أن تراها الفتيات والشابات. وكثيرا ما كان يجبرهم على الاستماع إلى مكالماته الهاتفية. كما تباهى أمامهم بمن يعرفهم، وبما قد يحدث لضحاياه إن انقلبوا عليه.
وكان إبستين يصطحب ضحاياه أحيانا إلى مناسبات اجتماعية حيث يلتقون بمعارفه من النخبة، وقدمت الوثائق التي نشرت يوم الجمعة أمثلة أخرى.
وفي شهادتها أمام المحققين عام 2007، قالت واحدة من ضحايا إبستين، التي لم يكشف عن اسمها، إنها أُجبرت على زيارة جزيرة ليتل سانت جيمس، الجزيرة الخاصة بإبستين، وأنه اعتدى عليها جنسيا هناك. وقالت إنها التقت ذات مرة بسيرغي برين، المؤسس المشارك في شركة غوغل، وخطيبته آنذاك، آن ووجسيكي، اللذين كانا في زيارة. واتصلت الصحيفة بهما للتعليق ولكنها امتنعا.
ويبدو أن إبستين كان أيضا بمثابة وسيط بين الرجال الأثرياء والشابات. ويظهر أن سجله كمجرم جنسي ومتحرش بالقاصرات لم يثر الكثير من المخاوف.
وفي أوائل العقد الثاني من الألفية، تعرّف إبستين على ستيف تيش، الشريك في ملكية فريق “نيويورك جاينتس” لكرة القدم الأمريكية، والذي وصفه إبستين في إحدى مراسلاته عام 2013 بأنه “صديق جديد، لكن من الواضح أنهما يشتركان في اهتمامات مشتركة”. والتقى تيش بشابة عن طريق أحد مساعدي إبستين، ثم سأل امرأة أخرى عما إذا كانت “محترفة أم مدنية؟”.
وفي رسالة بريد إلكتروني أخرى في العام نفسه، دعا إبستين تيش إلى قصره في وقت متأخر من المساء. وكتب تيش: “هل أتوقع مشاكل؟”. قال إبستين إنه يستطيع دعوة امرأة روسية لم يذكر اسمها للانضمام إليهما “إذا رغبت”.
وفي بيان له، قال تيش إنه كانت تربطه “علاقة قصيرة” بإبستين تبادلا خلالها رسائل بريد إلكتروني حول “النساء البالغات” ومواضيع أخرى. وأضاف تيش: “كما نعلم جميعا الآن، لقد كان شخصا سيئا جدا، وأنا نادم أشد الندم على علاقتي به”.
وكان إبستين يراقب أحيانا النساء اللواتي يواعدن أصدقاءه النافذين أو يقيمون معهن علاقات غرامية. وكان مهتما بشكل خاص بليون بلاك، الملياردير في مجال الأسهم الخاصة الذي كان الممول الرئيسي لإبستين في العقد الثاني من الألفية.
وفي رسائل بريد إلكتروني كان يشار فيها أحيانأ إلى بلاك بلقب “السيد الكبير”، سعى إبستين إلى جمع معلومات عن إحدى صديقات بلاك السابقات، وناقش وضعها تحت المراقبة. وبعد وفاة إبستين، أخبر بلاك المستثمرين أن علاقتهما كانت مهنية بحتة، وأنه كان يقدم استشارات ضريبية وغير ذلك.
وأضاف: “لم أكن على علم إطلاقا بسوء سلوك إبستين، وأنا منزعج جدا منه”. إلا أن بلاك كان يدفع أموالا لنساء في دائرة إبستين. وقد تضمنت الوثائق قائمة مدفوعات من بلاك إلى عارضة أزياء سابقة على صلة بإبستين. وزادت قيمة هذه المدفوعات، التي وصفت بأنها “هدايا”، عن 600,000 دولار. وقد امتنع متحدث باسم بلاك عن التعليق.

