قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن بيروت تسعى إلى بناء علاقة قائمة على الندية مع السلطة الجديدة في دمشق، لكن مسار التقارب ما زال بطيئًا، إذ تثقل كاهله ذاكرة الوصاية السورية بين عامي 1990-2005، ودور حزب الله إلى جانب نظام الأسد بين 2012 و2024، وهو ما يغذي انعدام الثقة.
وأوضحت الصحيفة أن المجلس الأعلى السوري- اللبناني يشكل أحد أبرز بقايا تلك المرحلة. فهو تجسيد مؤسسي للوصاية التي مارستها سوريا على لبنان لمدة خمسة عشر عامًا، منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990 وحتى انسحاب القوات السورية عام 2005.
ورغم افتتاح سفارتين للبلدين عام 2008، فإن النظام السوري السابق رفض حلّ هذه الهيئة التي تتخذ من دمشق مقرًا لها. وقد أقرت السلطات السورية الجديدة بأن المؤسسة باتت ميتة سريريًا، لكنها لم تُلغِ هذا الرمز المؤلم كما تطالب بيروت.
بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر عام 2024، ما تزال العلاقات بين البلدين تعكس هذا التردد: ملفات حساسة تُفتح، لكن التقدم بطيء. وجعل لبنان من الحوار مع سوريا أولوية استراتيجية. وتريد بيروت طي صفحة أكثر من نصف قرن من العلاقات “الإشكالية” مع دمشق في عهد آل الأسد.
ونقلت عن نائب رئيس الوزراء اللبناني طارق متري قوله إن السلطات اللبنانية تراهن على أن زمن التدخلات السورية القاتلة انتهى. وأوضح متري، الذي يجري اتصالات رسمية وغير رسمية مع فريق الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، أن الأجواء مع القيادة الجديدة تتسم بـ“صداقة حقيقية”، وأن الطرفين يسعيان لبناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل. لكنه أردف أن دمشق تحتفظ بعداء عميق تجاه حزب الله بسبب دعمه العسكري الحاسم لنظام الأسد خلال الحرب السورية، ومشاركته في معارك دامية مثل حصار داريا ومعضمية الشام.
وأوضحت “لوموند” أن التقارب الجاري تحكمه البراغماتية أكثر من العواطف، في ظل انتقال هش في البلدين. ففي سوريا، يركّز أحمد الشرع السلطة بيده ويواجه مهمة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها واقتصادها ونسيجها الاجتماعي. أما في لبنان، فقد ظهرت قيادة مزدوجة: الرئيس جوزيف عون، قائد الجيش السابق، ورئيس الحكومة الإصلاحي نواف سلام. وقد جاء صعودهما في سياق تراجع حزب الله بعد اغتيال أمينه العام حسن نصرالله في سبتمبر 2024 خلال ضربات إسرائيلية ضخمة.
وقد شكّلت الضربة التي تلقاها حزب الله زلزالًا سياسيًا إقليميًا. إذ لم يتمكن الحزب، الذي كان لاعبًا محوريًا لأكثر من خمسة عشر عامًا، من التصدي للهجوم السريع الذي شنته الفصائل الإسلامية في سوريا أواخر نوفمبر عام 2024. ومع فرار الأسد إلى موسكو ودخول الشرع دمشق، اضطر الحزب إلى سحب قواته من سوريا.
في هذا الصدد، نقلت الصحيفة الفرنسية عن المحلل اللبناني خلدون الشريف، قوله إن مقتل نصرالله أدى إلى انهيار محور النفوذ الإيراني وقطع خطوط الإمداد بين طهران وحلفائها.
وهنا، أوضحت “لوموند” أن السعودية استعادت دورها كلاعب رئيسي في لبنان بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، بينما تراجع النفوذ الإيراني.
كما اعتبرت الصحيفة الفرنسية أن التغيير في سوريا أعاد تنشيط الحياة السياسية السنية في لبنان بعد سنوات من التهميش، لكنها أشارت إلى غياب زعامة سنية جديدة حتى الآن.
ولفتت “لوموند” إلى أن ردود الفعل اللبنانية على سقوط الأسد اتخذت طابعًا طائفيًا، إذ احتفلت مناطق سنية، بينما أعربت أقليات عن قلقها من الطابع الإسلامي للسلطة الجديدة، خاصة بعد أعمال عنف في مناطق علوية ودرزية عام 2025.
وعبّر البطريرك الماروني بشارة الراعي عن مخاوف المسيحيين معتبرًا أن “سوريا الجديدة أصبحت دولة إسلامية”. في المقابل، كان الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الوحيد من قادة معسكر عام 2005 الذي زار دمشق، داعيًا إلى علاقات إيجابية ورافضًا فكرة “تحالف الأقليات”.
وأكدت الصحيفة الفرنسية أن الماضي ما زال حاضرًا بقوة فيما يسميه المسؤولون اللبنانيون “الذاكرة الجريحة”. فبعض اللبنانيين يعتقدون أن أي سلطة سورية ستظل تنظر إلى لبنان كجزء مقتطع من سوريا، وهو تصور يعود إلى زمن حافظ الأسد.
ورغم هذه المخاوف، مضت بيروت في فتح قنوات تواصل مع دمشق.. حيث تحسّن التعاون الأمني على الحدود المشتركة، التي كانت مسرحًا لعمليات تهريب وصدامات. كما أسهمت الاتصالات في احتواء التوترات رغم حذر الجيش اللبناني بسبب مواجهاته السابقة مع فصائل سورية.
وبدأ اللاجئون السوريون عودة تدريجية: نحو 500 ألف عادوا من أصل 1.5 مليون كانوا في لبنان. لكن ملف نقل سجناء إسلاميين سوريين من السجون اللبنانية يبقى شديد الحساسية، إذ حُكم على بعضهم لمقاتلتهم الجيش اللبناني. وقد يوقع الطرفان اتفاقًا قضائيًا يسمح بنقل 300 سجين سوري أمضوا أكثر من عشر سنوات خلف القضبان في لبنان.
كما يشكل ترسيم الحدود مطلبًا لبنانيًا قديمًا، بعدما رفض النظام السابق تحديدها رسميًا. دمشق تبدي انفتاحًا حذرًا، لكنها ترفض تدخل أطراف خارجية، خصوصًا فرنسا.
كما أشارت “لوموند” إلى أن بيروت تراهن أيضًا على تقارب اقتصادي للاستفادة من إعادة إعمار سوريا. غير أن القيود الحدودية المتبادلة ما تزال تعرقل الحركة. ويشجع رفع العقوبات الغربية عن دمشق يشجع التقارب، وأن الولايات المتحدة والسعودية وقطر تدعم تطبيع العلاقات بين البلدين. كما تعهدت الدوحة بالمساعدة في إعادة 100 ألف لاجئ سوري.
واعتبرت “لوموند” أن الاهتمام الدولي بسوريا اليوم يمثل انقلابًا تاريخيًا. فلبنان كان في السابق المدلل لدى المانحين، بينما باتت دمشق تحصد الاعتراف والاستثمارات. وهذا التحول يثير غيرة داخل لبنان، الذي ما يزال يتعرض لضغوط لنزع سلاح حزب الله.
وقد أثارت تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك غضبًا لبنانيًا عندما لوّح بإمكانية عودة لبنان إلى “بلاد الشام” إذا لم يجر إصلاحات جوهرية.
لكن “لوموند” أكدت أن السلطة السورية الجديدة لا تُظهر نزعات توسعية، إذ تركز على تثبيت حكمها ومواجهة تحديات داخلية، خصوصًا في الشمال ضد القوات الكردية.
ويبدو الحذر متبادلا. فالعنف الطائفي في سوريا قد ينعكس على لبنان. كما تخشى دمشق أن يتحول لبنان إلى قاعدة عمليات ضدها من أنصار النظام السابق. ورغم فتح قنوات اتصال غير مباشرة بين حزب الله ودمشق عبر تركيا، ما تزال العلاقة غارقة في الشكوك.
واعتبرت “لوموند” أن مستقبل العلاقات السورية- اللبنانية سيظل رهين عوامل إقليمية كبرى، منها احتمال مواجهة أمريكية- إيرانية واسعة، واستمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان وسوريا. وفي هذا السياق المضطرب، يواصل البلدان تمرينًا سياسيًا صعبًا: التعرّف من جديد إلى بعضهما البعض، تقول “لوموند”.

