تستند سياسة حكومة إسرائيل في قطاع غزة في الوقت الحالي إلى أمل واحد، وهو انهيار مساعي واشنطن لفرض واقع أمني وسياسي جديد في القطاع. وعندها ربما يعطي ترامب الضوء الأخضر لنتنياهو لمحاولة إعادة احتلال القطاع. هذه المرة، يأمل المؤيدون أن ينزع الجيش الإسرائيلي سلاح حماس بالفعل، ويمهد الطريق لنصر كامل حتى لو تأخر. ولكن نتنياهو لن يقوم بهذه الخطوة إلا إذا كانت تخدم هدفه الرئيسي، وهو البقاء في الحكم والفوز في الانتخابات.
إعادة جثة آخر المخطوفين، ران غوئيلي، أنهت قضية الاختطاف. لم تحصل حماس هذه المرة على هذه المعلومات، بل حصل عليها “الشاباك” بعد التحقيق مع أحد أعضاء “الجهاد الإسلامي” قبل شهر تقريبا. مع إزالة آخر عقبة. يبدو أن ترامب مصمم على تنفيذ المرحلة الثانية. ومن المفروض أن تشمل هذه المرحلة البدء في بناء أحياء جديدة في رفح، ثم في مناطق أخرى في القطاع، في نصفه الشرقي الذي يخضع حالياً لسيطرة إسرائيل.
في الوقت نفسه، ستبدأ حكومة التكنوقراط الفلسطينية والهيئات الدولية المكلفة بمساعدتها ومراقبة عملها، بما في ذلك قوة الأمن والاستقرار، بالتحرك. وهناك أمور أخرى مهمة لإسرائيل، من بينها طلبها من حماس نزع سلاحها. وتقول الإدارة الأمريكية بأنها ستعطي حماس مهلة 100 يوم للاستعداد لذلك، وإذا لم يتم هذا فستضطر للتدخل بنفسها (أو ترك الأمر لإسرائيل). وستحاول حماس التوصل إلى اتفاق لتسليم السلاح الثقيل، بما في ذلك ما بقي من ترسانة الصواريخ الضخمة التي كانت تمتلكها عشية الحرب، وسيدور الخلاف حول التمييز بين المسدسات والرشاشات. قد توافق إسرائيل على حاجة رجال الشرطة المتماهين مع حماس لحمل المسدسات للدفاع عن النفس، لكن بندقية الكلاشينكوف سلاح هجومي قادر على إحداث أضرار جسيمة مثلما ثبت.
أعد الجيش الإسرائيلي خططاً عملياتية لاحتلال قطاع غزة إذا انهار الاتفاق. مع ذلك، التعليمات الصادرة للجيش هي عدم عرقلة تنفيذها إثارة غضب الأمريكيين. وقد يتصاعد التوتر مجدداً حول معبر رفح، الذي تسعى الإدارة الأمريكية إلى تسريع فتحه. تشعر إسرائيل بقلق وتؤكد ضرورة السيطرة على دخول البضائع من مصر إلى الطرف الفلسطيني نظراً لوجود طريق تهريب السلاح التي تمر عبر المعبر بمساعدة مصرية منذ الانفصال في 2005.
بتوجيهات أمريكية، تعنى إسرائيل بإدخال حوالي 4200 شاحنة أسبوعياً للقطاع، تحمل مواد ومساعدات إنسانية. لكن الحاجة الفعلية، كما يقول قسم منسق أعمال الحكومة في المناطق، بصعوبة تصل إلى ربع هذه الكمية. ما زالت الحياة في القطاع بعد وقف إطلاق النار صعبة جداً، لكن مقارنة مع أيام الحرب الضارية فإن نقص الاحتياجات اليومية أقل حدة، وهناك وفرة في بعض أنواع السلع. قلق إسرائيل يتمحور حول الضرائب التي تجبيها حماس والتي تبلغ 15 في المئة على كل شاحنة، أي 10 ملايين شيكل في الشهر. إن من يتحدث حالياً عن تخلي حماس الكلي عن السيطرة في قطاع غزة مقطوع عن الواقع، وإذا حدث ذلك في المستقبل فسيكون نتيجة تصميم الولايات المتحدة (في هذه الأثناء واشنطن تفضل غض النظر) أو الضغط العسكري الإسرائيلي.
مدى التوتر العام يتجلى الآن في أحداث الثلاثاء على الحدود مع الأردن. لقد رصدت أجهزة مراقبة الجيش الإسرائيلي مجموعة تتكون من عشرة أشخاص يقتربون من منطقة الحدود قرب مستوطنة باران في وادي العربة. وتبين لاحقاً أنهم ضباط شرطة أردنيون كانوا يطاردون مهربين مشتبهاً فيهم، لكن صدمة 7 أكتوبر ما زالت حاضرة في ذهن الجيش الإسرائيلي، خاصة في القيادة الجنوبية. لقد أعلن الجيش عن مخاوفه من محاولة تسلل إلى المستوطنة، فأرسل طائرات قتالية بل ونقل مقاتلين من وحدات النخبة إلى المنطقة بالمروحيات، إلى أن اتضحت حقيقة الحادثة من خلال الاتصالات مع الأردن، وأعلن بعد ذلك عن عودة الوضع إلى طبيعته.
لم تندم هيئة الأركان العامة على ذلك؛ فالحالة العامة الراهنة لا تسمح بالمجازفة غير الضرورية. ويمكن التحقق من صحة هذا الإنذار من خلال فحص آلية عمل فرقة العمل الجديدة التي شكلتها مديرية الاستخبارات العسكرية، المكلفة بالتعامل مع الإنذارات (هذا أيضاً أحد دروس هجوم حماس). لقد بالغت قناة تلفزيونية في تغطية الحدث وأعلنت تخوفها عن هجوم للحوثيين من الأردن. في الواقع، يسود اعتقاد عام بأن الحوثيين سيحاولون تنفيذ تهديداتهم بشن هجوم بسيارات “تويوتا” في المستقبل، رغم المسافة الكبيرة بين اليمن وإسرائيل. لكن من الواضح أنه أمر لن يحدث، ولا وجود للحوثيين على الحدود حتى الآن.
محاولة تضليل
لقد انشغل نتنياهو هذا الأسبوع بتعزيز روايته البديلة حول مجريات الحرب. لقد سمحت له إعادة جثة غوئيلي بقوله إنه قد أوفى بوعده بإعادة جميع المخطوفين. لقد تجاهل رئيس الحكومة حقيقة أن 85 مخطوفاً من بين الـ 250 تمت إعادتهم أمواتاً من القطاع، وأن أكثر من نصفهم قتلوا هناك بعد اختطافهم أحياء. إن قرار نتنياهو تأجيل المفاوضات حول الصفقات التي امتدت سنتين تقريباً، أودى بحياة المخطوفين حتى لو كانت حماس هي المتسبب الرئيسي في هذه المأساة. وإن مطالبته بالحصول على الفضل على إنجاز إعادة المخطوفين لا تمت بصلة لرفضه تحمل أي مسؤولية، ولو ضئيلة، عن الكارثة التي وقعت في عهده.
إن بناء واقع بديل انعكس أيضاً في ادعاء ملتو ومضلل وجهه هذا الأسبوع للرئيس الأمريكي السابق بايدن. إن خلفية استحضار بايدن واضحة. في مقابلة مع مجلة “إيكونوميست” في الأسبوع الماضي، زعم نتنياهو أنه أمر الجيش الإسرائيلي بالامتناع عن قصف عنيف لقطاع غزة لتقليل الخسائر في أوساط المدنيين. بل واعترف بنفسه بقتل جنود من الجيش الإسرائيلي نتيجة هذا القرار.
لكن ما كان يفترض أن يخفف من حدة التوتر في الخارج لم يحصل على قبول لدى القاعدة السياسية في الداخل، التي تعارض بشدة أي ادعاء بشأن استخدام القوة العسكرية. وفي ضوء انتشار تصريحاته للمجلة، فقد احتاج رئيس الحكومة إلى حرف الانتباه بسرعة. وهكذا تولد اتهام بأن الجنود قتلوا في الحرب الحالية بسبب نقص الذخيرة، الذي نشأ نتيجة حظر السلاح الذي فرضته إدارة بايدن.
لهذا السبب، أضاف نتنياهو، أنه “عازم على عدم العودة إلى هذا الوضع” وبالتالي، سيعمل على تعزيز قدرة إسرائيل على إنتاج السلاح بشكل مستقل من الآن فصاعداً. وقد تم استدعاء أحد مستشاري بايدن، عاموس هوكشتاين، للدفاع عنه، الذي هاجم نتنياهو واتهمه بنكران الجميل وتزوير التاريخ.
هوكشتاين محق تماماً بشأن نكران الجميل، فهذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها نتنياهو بايدن بعد رحيله بينما يمتدح ترامب. في الواقع، لقد هب بايدن لنجدة إسرائيل في واحدة من أصعب لحظات تاريخها، بالوقوف إلى جانبها بعد هجوم 7 أكتوبر وتهديد حزب الله وإيران بعدم التدخل في الحرب، وقراره إرسال أكثر من 15 مليار دولار كمساعدات أمنية إضافية لمساعدة الجيش الإسرائيلي على تجاوز الحرب الإقليمية.
لا تختلف مشاعر بايدن الإيجابية تجاه إسرائيل عن مشاعر ترامب. مع ذلك، فرضت الولايات المتحدة في أيار 2024، قيوداً على نقل السلاح لإسرائيل على خلفية الجدل حول دخول الجيش إلى رفح، تمثلت الخطوة العلنية في وقف شحنات القنابل الدقيقة بوزن طن لسلاح الجو. إضافة إلى ذلك، اشتكت المؤسسة الأمنية من تأخير توريد الجرافات ونقص قذائف الدبابات. وقد تمسك نتنياهو بقراره بشأن دخول رفح. وكان الأمريكيون يأملون أن تقلل القيود المفروضة على توريد السلاح الثقيل من حجم القتل والدمار في المدينة. ربما نجحوا في ذلك – في كل الحالات، نتنياهو أوفى بوعده بأن الجيش الإسرائيلي سيكون قادراً على إجلاء جميع السكان الفلسطينيين من منطقة رفح في غضون أيام قبل دخول القوات البرية.
هل تسببت عقوبات بايدن بسقوط المزيد من الجنود القتلى؟ الأمر غير واضح. ففي نهاية المطاف، القصف الجوي لا يغني عن الحاجة لإرسال القوات البرية كما تبين في قطاع غزة وبعد ذلك في جنوب لبنان. وحتى بعد الدمار الكبير الذي لحق بالمباني في قطاع غزة، فقد اكتشف الجيش الإسرائيلي أن أعضاء حماس كانوا يخرجون من الأنفاق ويختبئون بين الأنقاض لشن هجمات على القوات من هناك. إن وصف نتنياهو غير دقيق ومجحف، وهو بالتأكيد يشوه الحقيقة لأغراض سياسية. لا يكاد أحد يتطرق إلى الحزن الذي ألم بعائلات الجنود الذين قتلوا في رفح وإلى الشكوك التي ستملأ قلوبهم الآن حول ملابسات استشهاد أولادهم.
فترة انتظار
في السنوات الأخيرة تطورت في الشبكات الاجتماعية نظرية شبه مؤكدة تفيد بأنه يمكن ظاهرياً التنبؤ بتحركات عسكرية أمريكية غير معتادة بناء على حجم طلبات البيتزا من المطاعم القريبة من البنتاغون في واشنطن. قد يكون هذا استنتاج متسرع، وربما جزء من عملية تضليل، لكن بالنظر إلى عدد السيارات المتوقفة في المساء هذا الأسبوع في مقر هيئة الأركان العامة في تل أبيب، يبدو أن هناك متسعاً من الوقت قبل تنفيذ الهجوم الأمريكي على إيران. فإما أن إسرائيل حذرة من كشف خطط الولايات المتحدة أو أنها ببساطة لا تعرف بعد ما الذي يخطط له ترامب، أو ربما ترامب نفسه لا يعرف.
الأمور ظهرت مختلفة في 14 كانون الثاني الحالي؛ ففي 8 كانون الثاني بلغت الاحتجاجات ذروتها في إيران، وشن النظام حملة دموية لقمع المظاهرات بتوجيه مباشر من الزعيم الأعلى علي خامنئي. في تلك الليلة، أطلق عناصر حرس الثورة ومليشيات الباسيج وكثير منهم كانوا يركبون على دراجات نارية، أطلقوا النار مباشرة على الحشود التي خرجت إلى الشوارع للأسبوع الثاني على التوالي في طهران ومدن أخرى. لقد قتل وأصيب آلاف المواطنين الإيرانيين في تلك الليلة، وبدرجة أقل في الليالي التالية، إلى أن تم قمع المظاهرات (مع ذلك، التسريب الذي يشير إلى قتل نحو 30 ألف شخص في المظاهرات لا تدعمه حالياً أي معلومات استخبارية موثوقة، وتشكك فيه المؤسسة الأمنية).
عرف الغرب بتأخير ما عن حجم المجزرة نظراً لانقطاع إيران شبه التام عن الإنترنت. وبحلول الوقت الذي قرر فيه ترامب شن الهجوم في 14 كانون الثاني، كان زخم الاحتجاجات خفت بالفعل، ما دفع ترامب في نهاية المطاف إلى التراجع وتأجيل الهجوم. وقد سبق ذلك توصيات من جنرالات أمريكيين، ومن نتنياهو أيضاً. لقد أيد رئيس الحكومة الهجوم الأمريكي، لكن ليس بالطريقة التي تم التخطيط لها. وقد أشار إلى ترامب بأن منظومة اعتراض الصواريخ الأمريكية لم تكن قد نشرت بالكامل في الشرق الأوسط، ما قد يعرض إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة للإصابة. وأضاف نتنياهو أن خطة الهجوم لم تكن كافية لإسقاط النظام في إيران.
بيان الإلغاء الأمريكي وصل إلى إسرائيل في تلك الليلة بعد منتصف الليل بنصف ساعة. لقد فرغت مواقف السيارات في مقر وزارة الدفاع التي كانت مكتظة تماماً. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المنطقة كلها في حالة تأهب. في الأيام الأخيرة، نقل الأمريكيون المزيد من منظومات الدفاع إلى الشرق الأوسط، لكن هناك صعوبة أخرى الآن، مثلما أوضح المحلل غريغوري بورو، المتخصص في الشؤون الإيرانية أمس. فحسب أقواله، اكتملت الاستعدادات الأمريكية للهجوم فعلياً مع حشد المزيد من القوات الهجومية ووصول القوة البحرية إلى المنطقة، لكن الزخم الداخلي في إيران فقد بسبب قمع الاحتجاج.
عاموس هرئيل
هآرتس 30/1/2026

