أعلنت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، الثلاثاء، قرارها بالحكم بالإعدام غيابيا على رأس النظام السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر وسبعة آخرين، فضلا عن حكم مشابه لكن وجاهيا على رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عاطف نجيب، الأمر الذي استقبله ذوو الضحايا باحتفالات بدأت من داخل القصر العدلي وامتدت إلى خارجه، وصولا إلى العديد من المدن السورية وفي المقدمة منها درعا التي صدحت مآذن مساجدها بالتكبيرات.
واتفق أعضاء في مجلس الشعب وحقوقيون على أن قرار المحكمة ترك اطمئنانا لدى الشارع السوري بأن الإدارة الجديدة لن تتسامح مع من أجرم بحق الشعب، كما أنه يضيق على تحركات رموز النظام خوفا من اعتقالهم وتسليمهم للسلطات السورية.
ووسط إجراءات أمنية مشددة أمام القصر العدلي، وعلى أسطح الأبنية المجاورة، وداخل المبنى، جُلب نجيب محاطاً بحراسة مشددة، وأدخل إلى قفص الاتهام داخل قاعة المحكمة، وهو يرتدي لباس السجن المخطط، ولم تظهر عليه أي علائم توتر، بل عمد للتأكد من أن الميكرفون داخل القفص يعمل، ثم جلس في مكانه صامتا لدقائق حتى دخلت هيئة المحكمة القاعة.
وترأس القاضي فخر الدين العريان الجلسة التاسعة المخصصة للنطق بالحكم في الدعوى المقامة ضد “نجيب والمجرمين الفارين، المدانين بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري”، وعقدت في حضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف وعدد من أعضائها، وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية، وذوي الضحايا.
وقال العريان: إن التحقيقات وأقوال الشهود أثبتت تورط نجيب في التحقيق مع عدد من المعتقلين عقب بداية الاحتجاجات في درعا، مشيراً إلى أن فرع الأمن السياسي في درعا الذي كان يقوده اقتحم المسجد العمري مع فروع أمنية أخرى، كما أنه كان يقود الحملة الأمنية على المدنيين في درعا في بداية الثورة السورية والتي سُميت بالمصيدة، وفقاً لاستجوابه، إلى جانب استدعائه لتعزيزات أمنية من دمشق.
وأشار القاضي إلى أن نجيب كرر أقواله خلال الجلسات السابقة بنفي التهم المنسوبة إليه، والاعتراض على ادعاءات الشهود، من دون أن يظهر أي نية على الندم، ما دفع المحكمة إلى عدم الأخذ بأي من الأسباب التخفيفية حين إصدار قرار الحكم ضده.
وأوضح العريان أن الأفعال المنسوبة إلى نجيب وفقاً للتحقيقات وأقوال الشهود هي جرائم ضد الإنسانية، مبيناً أن مساهمة المجرم بشار الأسد في هذه الجرائم كانت مساهمة صاحب القرار الأعلى، وسخر لها أجهزة الدولة، مشددا على أن المحكمة تجرم بشار حافظ الأسد بجناية القتل العمد والقصد لأكثر من شخص وللأطفال، وبجناية التعذيب والاعتقال التعسفي وبارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتحكم عليه بالإعدام.
وجّه القاضي اتهامات للمجرمين بالقتل العمد ضد أشخاص لمرات متعددة، والتحريض على قتلهم، وجناية التعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، بوصفها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية
كما وجّه القاضي اتهامات للمجرمين بالقتل العمد ضد أشخاص لمرات متعددة، والتحريض على قتلهم، وجناية التعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، بوصفها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وتلقى المتهمون أحكاما متعددة بالسجن إلى جانب فرض غرامات مالية تدفع لأصحاب الادعاء الشخصي، لكن القاضي أخذ بتنفيذ العقوبة الأشد، وهي الإعدام، مع إلزام نجيب بدفع الغرامات.
وأشار العريان إلى إبقاء مذكرات التوقيف الغيابية نافذة بحق المتهمين، وتعميمها على كافة الجهات المختصة.
وإلى جانب بشار وشقيقه ماهر قائد الفرقة الرابعة وابن خالتهما نجيب، شملت أحكام الإعدام 6 قيادات عسكرية وأمنية بارزة، هم وزير الدفاع الأسبق فهد جاسم الفريج، ورئيس فرع الأمن العسكري في درعا سابقا لؤي علي العلي، ورئيس فرع الأمن العسكري في السويداء سابقا وفيق صالح ناصر، ورئيس فرع المخابرات الجوية في درعا سابقا قصي إبراهيم ميهوب، والعقيد السابق محمد أيمن عيوش، المسؤول عن حاجز حميدة الطاهر في درعا المحطة، والعميد السابق طلال فارس العيسمي الذي عينه شيخ العقل في طائفة الموحدين الدروز في سوريا حكمت الهجري قائداً للأمن الداخلي في السويداء.
احتفالات
وبُعيد رفع الجلسة مباشرة، وصدور قرارات الإعدام، شهد بهو القصر العدلي احتفالا حيث عمد أهالي الضحايا إلى ترديد هتافات عبرت عن فرحتهم وهم يحملون على الأكتاف رئيس فريق الادعاء الشخصي في محاكمات رموز النظام البائد وعضو مجلس الشعب المحامي عدنان المسالمة، كما استكمل الأهالي احتفالهم أمام مبنى القصر العدلي وبمشاركة العشرات من الموجودين في المكان.
وامتدت الاحتفالات إلى العديد من المدين السورية، وتناقلت صفحات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أظهرت ترديد التكبيرات من على منابر المساجد في محافظات درعا وطرطوس وإدلب.
ملاحقة الأسد
وأكد المحامي والحقوقي فواز الخوجة في تصريح لـ “القدس العربي” أن القرار الصادر من محكمة الجنايات جاء وفق الصيغ القانونية، وبانتظار إقراره من محكمة النقض، ومن ثم تصديقه من رئيس الجمهورية، ليكون بذلك عاطف نجيب أول من تنفذ بحقه عقوبة الإعدام من مجرمي النظام السابق. وتابع: نتوقع أن تصدر قرارات مشابهة في الأيام القادمة خلال جلسات الحكم على كل من وسيم الأسد ومفتي النظام السابق احمد حسون.
وأوضح أن النيابة العامة ستكون مجبرة للطعن بقرار محكمة الجنايات أمام محكمة النقض، وإن كانت النيابة هي من طالبت بهذه العقوبة، لكنها تمثل الحق العام والمجتمع، ومن أولى مهامها الحفاظ على حياة أفراده والدفاع عنهم، ما يجبرها على الطعن بقرارات الإعدام، لكن ذلك لا يشترط على محكمة النقض أن تأخذ بهذا الطعن.
وأوضح أن التعويض المالي، في إطار جبر التضرر، الذي تضمنه قرار القاضي للمدعين الشخصيين في قضية نجيب وباقي رموز النظام، وبلغ عدد هؤلاء 115 مدعيا شخصيا، سيتم دفعه حصرا من الأموال الخاصة المحجوزة للمتهمين، لأن من ارتكب الجريمة هو المجبر على التعويض.
قال الخوجة إنه ليس من المؤيدين لعقوبة الإعدام، لكنه يدعم مثل هذه القرارات إن صدرت من القضاء السوري
وبين أن القرارات الصادرة اليوم بحق رموز النظام السابق تدفع للاطمئنان لدى الشارع السوري وتؤكد أن الإدارة الجديدة لن تتسامح مع من أجرم بحق الشعب، كما أن هذه القرارات تقطع الطريق أمام عودة بشار الأسد إلى سوريا وتضع نهاية لكل من يأمل بعودته، باعتباره أصبح مجرما ملاحقا وسيتم تعميم اسمه على لوائح الإنتربول السوري والدولي ليصبح ملاحقا دوليا بالجرائم التي نسبت إليه، وهذا ما سيحد من حركته وتنقلاته كي لا يتم اعتقاله وتسليمه للقضاء السوري.
وذكر أن قرارات اليوم أرضت الشارع الذي كان يطالب بالإسراع بمحاكمة رموز النظام، كما أنها أرضت الرأي العام العالمي باعتبار أن الإدارة الجديدة تحت الأنظار والمراقبة، مشيرا إلى أن قرارات الإعدام التي تصدر حاليا، تسبق صدور قانون العدالة الانتقالية المرتقب من مجلس الشعب، مع الإشارة إلى عدم وجود عقوبة الإعدام في الدول الأوروبية، وفي حال تنفيذها، فإن باقي الملاحقين دوليا من مجرمي النظام لن يتم تسليمهم لسوريا حينها بحجة الخطر على حياتهم.
وقال الخوجة إنه ليس من المؤيدين لعقوبة الإعدام، لكنه يدعم مثل هذه القرارات إن صدرت من القضاء السوري، وهنا لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الرأي العام المحلي المطالب بتنفيذ هذه العقوبات.
وتابع: في الجلستين الأولى والثانية من محاكمة عاطف نجيب، كانت قاعة المحكمة ممتلئة، والناس تجمهروا امام القصر العدلي، لكن الجلسات اللاحقة لم تشهد ذلك الزخم، ومرد ذلك إلى قلق من عدم جدية المحاكمات، لكن صدور القرارات اليوم أكد الجدية بإنزال اشد العقوبات بمجرمي النظام السابق.
درعا مرتاحة
عضو مجلس النقابة المركزية للمحامين في سوريا سليمان القرفان اعتبر في تصريح لـ “القدس العربي” أن الحكم الصادر اليوم مبشر وخصوصا لأبناء محافظة درعا. وقال إن اسم عاطف نجيب ارتبط بذاكرة مؤلمة عند أهالي محافظتنا ومنذ بدايات الثورة، والقرار الصادر بحقه بمثابة انتصار للعدالة وللحق ليس فقط لأهالي درعا وإنما لكل التراب السوري.
وتابع: جاء الوقت لتتم محاسبة من ارتكب الجرائم بحق الشعب، والقرار أرضى طموحات أهالي درعا وعزز الثقة بدولتنا الجديدة وبالقضاء، وأننا نسير على الطريق الصحيح في أن تجري المحاكمات تحت سقف القضاء وليس خارج القانون، وبأنه لن يكون هناك إفلات من العقاب.
والقرفان كان موكلا عن مدعيين شخصيين ضد عاطف نجيب، بمن فيهما طفل تعرض للتعذيب وتم قلع أظافره، وآخرين قتلوا تحت التعذيب. وقال إن قاضي الإحالة كيف في البداية الجرائم المرتكبة من قبل عاطف نجيب وزملائه الفارين من وجه العدالة، بقانون العقوبات السوري إلى جانب الاتفاقيات التي صادقت عليها سوريا من قبيل اتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية حقوق الطفل واتفاقات جنيف الـ4، ما يعني أن القرار تم إعداده بمهنية عالية، والحجج التي أوردتها محكمة الجنايات مقنعة تماما، والأدلة كانت دامغة ومستندة على القانونين المحلي والدولي.
عضو مجلس النقابة المركزية للمحامين في سوريا سليمان القرفان اعتبر أن الحكم الصادر اليوم مبشر وخصوصا لأبناء محافظة درعا
وبين القرفان أنه كان يتمنى أن يتم إرجاء المحاكمات إلى حين اعتماد قانون العدالة الانتقالية في مجلس الشعب لأنه سيكون مختصا بالجرائم الجسيمة من جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي لا تسقط بالتقادم ولا يشملها أي عفو.
وتابع: لا توجد إشكالية في محاكمة عاطف نجيب باعتبار أنه قد تم إلقاء القبض عليه، أما المجرمون الفارون، فإن القانون السوري وبعد مرور 20 سنة فإنه سيسقط بالتقادم، وإن صدر القرار وفق قانون العدالة الانتقالية، فلن يسقط بالتقادم.
وأشار إلى أن بقية المجرمين مثل بشار وماهر ومن صدرت قرارات بحقهم اليوم، فستكون عليهم ادعاءات أخرى في محاكمات قادمة وجرائم مشابهة وستكون محاكمتهم حينها أمام هيئة العدالة الانتقالية بعد صدور القانون الخاص بها.
وبين القرفان الذي كان رئيسا لنقابة المحامين الأحرار في درعا سابقاً، أن الشارع السوري كان يراقب جدية الحكومة تجاه هذه المحاكمات، والقرارات اليوم تؤكد أن الحكومة جادة، ولا داعي لأن تكون هناك عمليات انتقام وثأر في الشوارع، كما حصل في بعض الحالات مؤخرا.
وأوضح أن هذه العقوبات التي صدرت بحق نجيب أو غيره، قد يتم تعليق تنفيذها إلى حين صدور قانون العدالة الانتقالية، ما يعني أن سوريا ستكون حينها قد تماشت مع العدالة الدولية التي تنص على عدم وجود عقوبة الإعدام لاستلام باقي المجرمين الكبار من رموز النظام من بشار الأسد وشقيقه ماهر.
وتابع: قرار اليوم رسالة للشارعين السوري والدولي بأن الإدارة الجديدة جادة في موضوع المحاسبة، وهذه على جدول أولياتها، موضحا أن قرار محكمة الجنايات الوجاهي قابل للطعن خلال 30 يوما من تاريخ صدوره، أمام محكمة النقض التي تصدر حينها أحكاما قطعية، مع ترك الباب مفتوحا أمام وزارة العدل في تأجيل تنفيذ الحكم وتحديدا فيما يتعلق بعقوبة الإعدام.
نواب الشعب راضون
واتفق عدد من أعضاء مجلس الشعب ممن تواصلت معهم “القدس العربي” على الترحيب بما صدر من قرارات عن محكمة الجنايات. وقال عبد الله المجيد من الرقة، إن القرارات تلبي مطالب الشارع السوري، وهي رسالة مهمة للمجرمين الذين هم خارج القفص، وهي خطوة مهمة في طريق العدالة الانتقالية.
فيما رأى النائب عن مدينة حلب محمود مصطفى أن محاكمة مجرمي النظام البائد تعد أحد أبرز المطالب الشعبية التي نادى بها الشارع السوري، وطالب بتحقيقها منذ اندلاع الثورة السورية.
قال مصطفى لـ”القدس العربي” إن هذه المحاكمات تشكل جزءاً رئيسياً من مسار تطبيق العدالة
وقال مصطفى لـ”القدس العربي” إن هذه المحاكمات تشكل جزءاً رئيسياً من مسار تطبيق العدالة، وإنصاف الضحايا الذين قضوا على يد النظام المجرم خلال السنوات الماضية، والاستجابة لمطالب السوريين بتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم.
ورفض أن يكون هناك أي تسرع في البت بالدعوى ضد نجيب وباقي المجرمين وقال: لم يكن هناك أي تسرّع في عملية محاكمة هؤلاء المجرمين، فهم خضعوا لمسار قانوني وقضائي، وجرى الاستماع إلى الإفادات والشهادات بحقهم، كما قُدّمت جميع الأدلة والثبوتيات اللازمة التي تثبت تورطهم في قتل المواطنين عمداً، وبالتالي نحن كنا أمام مسار جنائي وقانوني يستند إلى جرائم وأدلة مثبتة.
وحول ارتباط هذا المسار بالعدالة الانتقالية وتشريع ذلك في البرلمان، أوضح مصطفى أن هذه المحاكمات تأتي استكمالاً لمسار عمل الهيئة العامة للعدالة الانتقالية، وفي إطار السعي إلى تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت بحق السوريين، كما أن هناك توافقات واسعة داخل مجلس الشعب على ضرورة محاكمة رموز النظام، وهو ما ينسجم مع ما نصّ عليه الإعلان الدستوري، الذي أكد ضرورة تقديم رموز النظام إلى المحاكمة ومحاسبتهم وفق القانون كجزء من مسار العدلة الانتقالية.
عملية مستمرة
كما قال عضو مجلس الشعب عقيل حسين لـ”القدس العربي” إنه تابع ردود فعل الشارع السوري عموما عما صدر من قرارات عن محكمة الجنايات، والجميع كان سعيدا واعتبر الكثيرون أنها بداية حقيقية لملاحقة ومحاسبة مجرمي النظام البائد، وخصوصا أن هذه الأحكام ارتقت لعقوبة الإعدام التي هي مطلب غالبية السوريين، الذين يرون أنه لا بد وأن تصدر مثل هذه الأحكام وعلى الأقل بحق كبار مجرمي النظام البائد باعتبارها أول خطوة نحو العدالة الانتقالية.
وأكد أن الرسالة واضحة بأن كل مؤسسات الدولة السورية الحديثة جادة بملاحقة مجرمي النظام ولا أحد ينتظر أحدا والجميع سيأخذ دوره في طريق العدالة الانتقالية، واليوم وإن أخذت المحاكم العادية دورها، فإنه مستقبلا ستأخذ محاكم العدالة الانتقالية دورها، مشددا على أن محاكمة رموز النظام البائد ستكون عملية مستمرة ولن تنتهي في أيام قليلة، وستشمل كل من تلطخت يداه بدماء أبرياء الشعب السوري.
(وكالات)
