حتى قناة «فوكس نيوز» المحسوبة على اليمين الأمريكي الأبيض لم تستطع تجاوز «المفارقة»، وهي تعلن: الرئيس دونالد ترامب يلقي خطابين في دافوس يهنئ في الثاني نفسه على الخطاب الأول أمام الكاميرات!
حصل الأمر فيما الفضائيات الأوروبية، وتحديدا الفرنسية مثل «فرانس 24» مشغولة تماما مرة بالحديث عن «المستعمر الجديد» ومرات عن «معتل سياسي واجتماعي» يقود العالم اليوم، وهو ذاته في المناسبة التعبير الذي عممه الأكاديمي الأمريكي البارز جيفري ساكس.
ساكس، وعبر «بودكاست» مبثوث تحدث عن «رجل بالغ الخطورة يتحكم الآن في الزر النووي».
صعب جدا، حتى في مسلسلات «نتفلكس» ضبط شخص عاقل يمتدح نفسه أمام العالم، قائلا «خطابي الصباحي كان جيدا للغاية»!
الجمهور العربي والعالم ثالثي، عليه أن «لا يشتري» تلك الرواية التي تريد محطة «سي أن أن» ترويجها عالميا عن «تغيير في ميزان القوى يقوده شخص ترامب»، لأن الأرجح أن ما يقوله ويفعله «السيد الرئيس» يمثل استراتيجية معتمدة في أدق زوايا القرار في الدولة العميقة الأمريكية.
طوال الوقت يقال لنا إن «العمق الأمريكي» لن يقبل باستمرار «نهج ترامب المدمر».
الخلاصة في الواقع أن الأخير ليس إلا «ممثل بارع» يخدم المؤسسة العميقة.
معتوه عام 1993
الخلاصة فكرتها أن التاريخ اليوم أمام «مؤسسة أمريكية معتلة» وليس فقط «رئيس أهوج» بدلالة المسلسل الدرامي، الذي أعادت بثه قائمة نتفلكس الأسبوع الماضي عن خمسة شبان سود يُتهمون ظلما باغتصاب شابة بيضاء.
المسلسل يتحدث عن عام 1993 وبعد ظهور «الحقيقة» قضائيا يظهر ترامب، وقد بدا أكثر شبابا على شاشة تلفزيون منزلي، وهو يعترض على قرار تبرئة المظلومين، فيما سيدة عجوز سوداء، وفي موجه سعادة نكاية بالبيض العنصريين تحضن ولدها السجين وتصيح «هذه رسالة للمعتوه ترامب»!
يعني ذلك أن الشعب الأمريكي يصف ومنذ عام 1993 بأن سمسار العقارات المدعو ترامب رجل «معتوه»، ولكن نحن أمه لا تقرأ ولا تشاهد نتفلكس أيضا.
قرر ملايين الأمريكيين الذهاب إلى الصناديق وانتخبوا ذلك المهووس، كما صوتت غالبية الإسرائيليين في انتخابات نزيهة لا تخضع للهندسة لثلاثي المعاتيه الإجرامي في تل أبيب!
المصابون بمرض العته لديهم نصيب وافر من حصة النفوذ في الكون، ونحن نقرأ عن «أبو العتاهية» وقصائده في الذم والقدح، قبل ظهور قانون الجرائم الإلكترونية على شاشات تلفزيونات الحكومات من الشام إلى تطوان.
ثمة فيلم مشهور لعادل إمام اسمه «المعتوه» ينتهي بالبطل، وقد ارتكب جريمة بعد تحصيل الحقوق باليد.
ما يجري في عالم ترامب شبيه، فهو تحول إلى ماكينة في صناعة كراهية لبلاده مع القارات الخمس، ولا أحد عاقل أو راشد في القرية الأمريكية، التي تحولت إلى ما يشبه مسلسل «قرية الفرجة» الشهير في الدراما المحلية.
كأن العالم يشاهد معا فيلم «المعتوه»، فيما صوت زميلنا نضال أبو زيد يصيح على شاشة قناة «رؤيا» محذرا: «ترامب حول المنطقة إلى مسرح تخزين مدمرات.. الحرب مقبلة، ولم يبق إلا ساعة الصفر فقط».
ساعة الصفر
ماذا أعددنا في الأردن لـ»ساعة الصفر»؟ سؤال طرحه أحد السياسيين في جلسة وناسة، وتحليل فيما كان تلفزيون «المملكة» يخصص ساعة بث كاملة للحديث عن حزب محلي اسمه «الوطني الإسلامي»، وتقديراته لمستقبل الأحزاب، حيث النائب مصطفى عماوي يشرح ويكرر.
أحدهم خطط لاتصال مع غرفة كونترول شاشة «المملكة» لمطالبته بالاستيقاظ، مؤكدا: نحن الشعب الوحيد في العالم الذي يجلس في جغرافيا بين طرفين متحاربين، وشاشات الوطن لا تبث لنا أي «وجبة» متلفزة من أي صنف، تقدم أي معلومة.
إذا كانت حملة نظافة لعاصمة نظيفة أصلا استوجبت ظهور «5 وزراء» دفعة واحدة في مؤتمر صحافي، فماذا نتوقع بالقياس عندما تنشب الحرب فوق رؤوسنا؟!
أقله الشعب الأردني يطالب بحقه في «تحليل ما»، يقدم له عن كيفية إدارة أمن الوطن إذا ما اشتعلت المعركة، وعادت لعبة المسيرات والصواريخ.
لماذا لا تتحدث قناتا التلفزيون الرسمي و»المملكة» عن الحرب؟
سؤال صعب الإجابة عليه، لأن قناة «رؤيا» تفعلها أحيانا، وهي تلاعب أو تراوغ «الرقيب».
الديكتاتور
نعود لصاحبنا ترامب، ففي إطلالته الدافوسية الأخيرة ركزت قناة «الجزيرة» على جملته الشهيرة، التي قالها، وهو يبتسم «يقولون عني ديكتاتور.. أحيانا نحتاج للديكتاتور»!
عبارة سيفرح بها كل ديكتاتور في العالم بعد الآن، شريطة أن نقترح على السيد الرئيس نكاية بمداخلة رئيس الوزراء الكندي الإكثار من استعمال عبارة «يا ديكتاتورات العالم.. اتحدوا».
إذا أقنعنا الشعوب برفع لافتة في البقالات بذلك التوصيف، ستتحقق نبوءة كندا، التي لا تريد أن تفهم أن «الدنيا تغيرت»، وأنها مع قومها في الغرب، الذي دعم المختلين في إسرائيل ساهمت إلى حد استثنائي في ظاهرة دافوس الأخيرة، حيث ديكتاتور معتل يوجه التحية لنفسه مساء، لأنه أبدع في خطابه الصباحي، ثم يوزع ابتسامات أمام الفضائيات قائلا «نحن نحتاج للديكتاتور».
لا يؤلمني إلا أن طاقم المعاتيه إياه هو الذي يقال إنه سيعيد إعمار غزة.
