دمشق – “القدس العربي”: في أول اختبار رقابي، استدعى مجلس الشعب السوري، وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو، في جلسة استماع، بينما يواجه قطاع التعليم تحديات متراكمة ومشكلات تتعلق بالكوادر والمناهج والبنية التحتية وأوضاع الطلاب العائدين من اللجوء والنزوح، فضلاً عن شكاوى متراكمة رفعها مواطنون إلى المجلس، وأثارت مداخلتان لنائبين حول الضرب في المدارس وكثافة حضور الإناث في قطاع التعليم، جدلاً واسعاً على صفحات مواقع التواصل.
إذ اعترض النائب محمد إبراهيم الزعبي، على وجود أعداد كبيرة من النساء في قطاع التعليم السوري، معتبراً أن ذلك تسبب بنقص ما سماها “الهيبة” في المدرسة وضعف شخصية الطفل.
ودعا إلى مشاركة أوسع للرجال في قطاع التعليم، حسب فيديو لمداخلته جرى تداوله بكثافة على مواقع التواصل.
اعترض النائب محمد إبراهيم الزعبي، على وجود أعداد كبيرة من النساء في قطاع التعليم السوري، معتبراً أن ذلك تسبب بنقص ما سماها “الهيبة” في المدرسة
في حين دعا النائب أحمد إسماعيل أبو الحارث لإعادة ضرب التلاميذ في المدارس واستغرب فصل أستاذة بسبب ضرب تلميذ.
واستند أبو الحارث إلى الحديث النبوي المتعلق بتعليم الأطفال الصلاة وتأديبهم عليها عند بلوغ سن العاشرة.
10 محاور للشكاوى
نائب رئيس لجنة التربية والتعليم في مجلس الشعب، عبد الفتاح عبيد، أوضح في حديث لـ”القدس العربي” أن اللجنة صاغت 10 محاور لطرحها على وزير التربية، استناداً إلى الطلبات والشكاوى التي وصلت إلى المجلس، مؤكداً أن جلسة الاستماع ستفتح مساراً انتهاء الجلسة لمتابعة إجابات الوزارة ومقارنتها بالمعطيات والشكاوى الواردة من الميدان، وصولاً إلى تحديد الفجوة بين ما تخطط له الوزارة وما ينفذ فعلياً ضمن الإمكانيات المتاحة.
وأشار إلى أن توقيت الجلسة مع بداية العام الدراسي، وما رافق عمل وزارة التربية من مشكلات وعثرات، إلى جانب العدد الكبير من الشكاوى التي قدمها المواطنون بشأن قطاع التربية، دفع أعضاء اللجنة إلى دعوة الوزير للاستماع إلى هذه الملفات والاستيضاح حولها.
وانطلاقاً من هذه الشكاوى، وزعت لجنة التربية والتعليم أسئلتها على مجموعة محاور شملت مختلف متطلبات العملية التعليمية، وتناولت خطط الوزارة وجودة التعليم والمناهج وآليات تغييرها، فيما استحوذ ملف المعلمين على جانب واسع من النقاش، ولا سيما أوضاع المعلمين المفصولين بسبب الثورة، وكذلك الذين سرحوا بعد التحاقهم بالثورة ثم دخل بعضهم مرحلة التقاعد.
وزعت لجنة التربية والتعليم أسئلتها على مجموعة محاور شملت مختلف متطلبات العملية التعليمية، وتناولت خطط الوزارة وجودة التعليم والمناهج
وفي السياق نفسه، بحث النواب ملف تجديد العقود وأوضاع الكوادر بمختلف فئاتها، بما يشمل الموظفين المثبتين والمتعاقدين والعاملين بنظام الوكالة، إلى جانب واقع البنية التحتية للمدارس وما يرتبط بها من تحديات.
كما امتد النقاش إلى أوضاع السوريين في المخيمات وسبل ضمان حصول الأطفال فيها على حقهم في التعليم. وشددت اللجنة، في هذا السياق، على ضرورة ألا يؤدي إخراج العائلات من المخيمات إلى حرمان أطفالها من مواصلة تعليمهم.
إجابات الوزير
وبعد طرح أعضاء اللجنة أسئلتهم، قدم وزير التربية إحاطة حول خطة الوزارة تناولت مختلف جوانب العملية التعليمية. وحسب عبيد، فقد “أجاب الوزير عن بعض الأسئلة بصورة عامة، فيما قدم إجابات محددة عن أسئلة أخرى، بينما رفض الإجابة عن بعض الاستفسارات”.
عبيد: أجاب الوزير عن بعض الأسئلة بصورة عامة، فيما قدم إجابات محددة عن أسئلة أخرى
أما فيما يتعلق بالخطوة التالية، فأكد عبيد أن جلسة الاستماع تمثل بداية لمسار رقابي لا ينتهي بانتهاء الجلسة، إذ ستعمل اللجنة على متابعة إجابات الوزير ومقارنتها بالمعلومات والشكاوى الواردة إليها من الميدان، بما يساعد على تقييم ما تنفذه الوزارة فعلياً، وتحديد الفجوة بين الخطط الموضوعة والواقع، ضمن الإمكانيات المتاحة.
أول اختبار رقابي
عضو لجنة التربية والتعليم في المجلس، محمد فادي أحمد الحلبي، وصف في حديث مع “القدس العربي” جلسة الاستماع بالمهمة كونها أول جلسة وإحدى أدوات الرقابة البرلمانية التي يفترض أن تكرس الشفافية والمساءلة أمام المواطنين، وتوجه رسالة إلى السلطة التنفيذية بكل مؤسساتها بأن أداءها سيكون موضع متابعة ومساءلة تحت قبة البرلمان، وعليها أن تكون مستعدة لتقديم التفاصيل والإجابات حول عملها.
ومن هذا المنطلق، أكد الحلبي أن جلسة الاستماع تشكل بداية لممارسة سياسية برلمانية رقابية مع السلطة التنفيذية، معرباً عن أمله في أن تكون هذه الممارسة فعالة ومستدامة.
تقييم أداء اللجنة
وعلى مستوى عمل اللجنة نفسها، أوضح الحلبي لـ”القدس العربي” أن اللجنة بدأت داخلياً بتقييم أدائها في الجلسة، ولا سيما على مستوى التحضير، مشيراً إلى أن الجلسة لم تحظ بوقت كاف للتحضير المسبق، رغم أن اللجنة طلبت بشكل عاجل إعطاء ملف التعليم أولوية، انطلاقاً من أهميته.
أشار الحلبي إلى أن لجنة التعليم ستقارن الإجابات بالمعلومات التي لديها من الميدان، للتأكد من مدى تطابقها مع الواقع
وفي هذا الإطار، قال إن الحاجة كانت قائمة إلى فترة تحضير أطول لفهم التفاصيل، وتبويب شكاوى المواطنين، وتحديد المشكلات التي يعاني منها القطاع التعليمي قبل عقد جلسة الاستماع، وهو ما يشكل أحد الجوانب التي تعمل اللجنة على تقييمها.
ولا يقتصر التقييم على التحضير، إذ “تعمل اللجنة أيضاً على تقييم المعلومات التي حصلت عليها خلال الجلسة ومدى دقتها، في ضوء عشرات الأسئلة التي طرحت على الوزير، لمعرفة الأسئلة التي تلقت إجابات كاملة، وتلك التي أجاب عنها الوزير بصورة جزئية، إضافة إلى التمييز بين الإجابات المحددة والأجوبة التي اتسمت بطابع دبلوماسي أكثر من كونها مباشرة ومركزة”.
وفي ضوء ذلك، أشار الحلبي إلى أن اللجنة ستقارن الإجابات بالمعلومات التي لديها من الميدان، للتأكد من مدى تطابقها مع الواقع، قبل أن تقوم بفرز الإجابات وتحديد النقاط التي تحتاج إلى متابعة.
ما بعد جلسة الاستماع
وحول تقييمه للجلسة، أكد الحلبي أن دور اللجنة والبرلمان لا ينتهي بانتهاء جلسة الاستماع، بل إن العمل الأساسي يبدأ بعدها، باعتبار أن الجلسة الأولى ستكون بمثابة أساس للمساءلة والاستفهام والاستعلام في المراحل المقبلة.
وفي تفسيره لطبيعة هذا الدور، أوضح أن فلسفة جلسات الاستماع تقوم على معرفة الفجوة بين ما هو مخطط له وما يتم تنفيذه فعلياً، مشيراً إلى أن اللجنة حصلت خلال الجلسة على صورة أولية عن هذه الفجوة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الوقت للمتابعة والتحقق من التفاصيل.
أما عن تحويل هذه المتابعة إلى مسار عملي، أضاف أن من بين الاستراتيجيات التي اعتمدها المجلس إرسال أسئلة كتابية إلى السلطة التنفيذية وانتظار الإجابات عليها، ما يتيح للجنة الحصول على تفاصيل واستيضاحات إضافية، وبناء صورة أكثر وضوحاً يمكن الاستناد إليها في جلسات الاستماع المقبلة.
الإمكانيات المتاحة
غير أن تقييم أداء الوزارة، حسب الحلبي، لا يمكن فصله عن حجم الموارد المتاحة لها، إذ لفت إلى أن “موارد القطاعات الحكومية لا تزال محدودة، وأن الوزارة تحصل أحياناً على ما بين 10 و20 بالمئة مما تطلبه ضمن الموازنة المقترحة، في ظل استمرار ضيق الموارد وعدم انطلاق عجلة الاقتصاد بقوة”.
وبالتالي، قال إن “الرقابة الفعالة تقتضي معرفة ما هو مخطط له أولاً، ثم تقييم ما تحقق فعلياً في ضوء الإمكانيات التي وضعت تحت تصرف الوزارة، وليس الاكتفاء بمقارنة النتائج بالخطط بصورة منفصلة عن حجم الموارد المتاحة”.
إحاطة الوزير
أما على مستوى مضمون الجلسة، فأوضح الحلبي أن الوزير قدم بعد مداخلات اللجنة، إحاطة استغرقت نحو 45 دقيقة، تناول فيها مختلف جوانب العملية التعليمية، بدءاً من المدارس والطلاب والمعلمين، وصولاً إلى التشريعات التي طلب من المجلس التعاون في إنجازها.
الوزير قدم بعد مداخلات لجنة التعليم، إحاطة استغرقت نحو 45 دقيقة، تناول فيها مختلف جوانب العملية التعليمية
وفي مقدمة الملفات التي عرضها الوزير، أشار الحلبي إلى حديثه عن وجود نحو 19 ألف مدرسة تابعة لوزارة التربية، وعن الزيادة المتسارعة في أعداد الطلاب، التي تقترب من مليون طالب خلال الفترة الممتدة بين عامي 2025 و2029، مع توقع زيادة بنحو مليون طالب خلال العام الدراسي 2026-2027، ليصل العدد إلى نحو 6 ملايين طالب.
وبالتوازي مع ذلك، أشار الوزير إلى أن عدد العاملين في الوزارة يقارب 339 ألف موظف، بينهم نحو 230 ألفاً من المثبتين ونحو 60 ألفاً من المتعاقدين، إضافة إلى العاملين بنظام الوكالة.
ملف المعلمين والمفصولين
وفي أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى القطاع التعليمي، تناول الوزير أوضاع المعلمين والمفصولين، إذ أوضح الحلبي أن الوزير تحدث عن فتح المجال أمام عودتهم، حيث سجل نحو 22 ألف شخص عبر الرابط المخصص، وتم قبول وإعادة نحو 14 ألف موظف.
ويرتبط بهذا الملف جانب تشريعي، إذ عرض الوزير مسار العمل على التشريعات المتعلقة بالمعلمين، إلى جانب الملفات المرتبطة بالكوادر والعقود والوكالات، وهي ملفات ترى اللجنة أنها تحتاج إلى متابعة تشريعية ورقابية.
توحيد المناهج
وفي ملف المناهج، أشار الحلبي إلى أن الوزير تحدث عن اعتماد منهاج موحد في سوريا خلال العام الدراسي 2026-2027، بعد سنوات من وجود أنظمة تعليمية متعددة، وعن الانتهاء من إعداد معايير المنهاج الجديد ورفعها إلى المجلس الأعلى للتربية والتعليم، الذي يضم عدة وزارات ويرأسه رئيس الجمهورية.
وفي الإطار نفسه، تحدث الوزير عن طباعة نحو 44 مليون كتاب، مع التركيز على الكتب الجديدة للصفوف من الأول إلى الرابع، إلى جانب العمل على التحول الرقمي والاستفادة من المنصة التعليمية.
المدارس والبنية التحتية
قال الحلبي إن الوزير عرض واقع المدارس العاملة وتلك الخارجة عن الخدمة، مشيراً إلى وجود نحو 2700 مدرسة خارج الخدمة، بينها نحو 842 مدرسة مدمرة كلياً و278 مدرسة متضررة جزئياً.
الوزير تحدث عن اعتماد منهاج موحد في سوريا خلال العام الدراسي 2026-2027، بعد سنوات من وجود أنظمة تعليمية متعددة
كما أشار الوزير إلى وجود نحو 2600 مدرسة تعمل بنظام الفوجين، أي بنظام صباحي ومسائي، وهو ما يمثل قرابة 17 % من إجمالي المدارس.
وفي جانب آخر من المنظومة التعليمية، تناول الوزير واقع التعليم الخاص، مشيراً إلى وجود نحو 1253 مدرسة خاصة تمثل قرابة 10 بالمئة من التعليم في سوريا، إضافة إلى ملف الوكلاء، وعددهم نحو 33 ألفاً.
وفيما يتعلق بالطلاب ذوي الإعاقة، عرض الوزير واقع المدارس الدامجة، مشيراً إلى وجود نحو 353 مدرسة دامجة ضمن مدارس وزارة التربية، مع وجود ارتباط في هذا الملف بوزارة الشؤون الاجتماعية.
الساحل والجزيرة
وفي معرض الرد على تساؤلات أعضاء المجلس حول أوضاع مناطقهم، تناول الوزير مشكلات خاصة بعدد من المناطق، بينها الساحل، حيث تحدث عن وجود نحو 8500 معلم مثبت يتقاضون رواتبهم رغم وجودهم في منازلهم.
تحدث الوزير عن نحو 8500 معلم مثبت يتقاضون رواتبهم رغم وجودهم في منازلهم
كما حضر ملف شمال شرق سوريا في النقاش، إذ أشار الوزير إلى وجود نحو 42 ألف معلم في المنطقة، وإلى الحاجة إلى معالجة ملف الدمج فيها.
وبصورة أوسع، أظهرت إحاطة الوزير وجود خلل في توزيع الكوادر بين المحافظات، مع وجود فائض في بعض المناطق وعجز في مناطق أخرى، إضافة إلى تفاوت في الاحتياجات والموارد، ولا سيما في مناطق شمال شرق سوريا التي أشار الوزير إلى أنه طلب تخصيص موازنات إضافية لها.
