بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

«بيت إكسا»…نموذج للمعازل وقصة قرية تمنع إسرائيل سكانها من التحرك

«بيت إكسا»…نموذج للمعازل وقصة قرية تمنع إسرائيل سكانها من التحرك

القدس – «القدس العربي»: على مدى سنوات طويلة ماضية، امتازت بلدة بيت إكسا، شمال غرب مدينة القدس المحتلة، بكونها القرية التي لا يدخلها إلا أهلها.

وسبب ذلك يعود إلى أن جدار الفصل العنصري لم يفصل بينها وبين مدينة القدس المحتلة، وهو ما جعل من سلطات الاحتلال الإسرائيلي تدشن حاجزا عسكريا على مدخل القرية كان يمنع من هم من خارج سكانها من الدخول.

عاشت البلدة الشهيرة على هذا الحال وعرفت به.

غير أن العام الماضي حمل وجعا إضافيا للسكان حيث بدأت دولة الاحتلال في تطبيق سياسات تطهيرية بحق سكانها تقتضي حصولهم على تصاريح دخول وخروج، وهو أمر تحول إلى حالة عامة من القلق والخوف.

وبفعل السياسات الجديدة، منعت سلطات الاحتلال بحجج «المنع الأمني» نحو 33 مواطنا من الحصول على هذه التصاريح، وهو ما عني استحالة دخول البلدة لمن خرج من هؤلاء، وتسبب في خوف من بقي داخل البلدة من الخروج منها.

ومساء الخميس توسعت المأساة كثيرا، حيث عاشت البلدة مخاوف مضاعفة حسب ما أكده نائب رئيس البلدية إياد عبد الوهاب لـ»القدس العربي»، حيث لم تقم سلطات الاحتلال بتجديد تصاريح نحو 250 مواطناً من البلدة بعد انتهائها مدتها.

وتقع قرية بيت إكسا إلى الشمال الغربي من مدينة القدس وتبعد عنها 9 كم فقط.

ونتيجة لقربها من القدس، وموقعها الاستراتيجي، فإن الاحتلال يحاصر القرية منذ سنوات، ويضيق على أهلها، وهو أمر تضاعف منذ عام، حيث أعاد تصنيفها على أنها «منطقة تماس»، وبالتالي أوجب على سكان القرية إلى جانب قرية النبي صمويل وحي الخلايلة وجزء من بلدة الجيب، من الدخول أو الخروج إلا عبر تصريح أمني.

هكذا يعيش الأستاذ منذر صالح مَزيد، وهو من سكان البلدة، قلقا مضاعفا، وذلك بعد يوم واحد من توقف تصريحه الذي صدر من شهرين، وكان يدخل بموجبه إلى القرية عائدا من مكان عمله في مدينة رام الله مدرسا في تخصص التربية الإسلامية.

يقاوم مزيد المخاوف ويخبر «القدس العربي» أنه سيغادر صباح الأحد البلدة إلى مكان عمله وسيعود مساء على أمل دخولها.

ويشرح أنه سيمكث على الحاجز ولن يتحرك إلا أن يدخل القرية، أو يبات على الحاجز، تماما كما فعل المواطن حنظلة عبد الوهاب، وطفله حسن الذي نام على الحاجز لعشرة أيام حتى تمكن من انتزاع تصريح الدخول.

لكن ما سبب المنع؟

يرى مزيد أن الاحتلال يستند إلى حجج واهية لتكريس المنع الأمني وبالتالي «تطفيشنا» من القرية.

ويقول: «لقد سجنت قبل 20 عاما، ومنذ تلك الفترة لم أتعرض لمخالفة أمنية أو شرطية.. كما أنني أعمل خطيباً في المسجد، ولو كان على أي «نقطة» أمنية فلم لا يعتقلني الجيش؟».

قصة المنع

بدأت مشكلة مزيد منذ عام كامل، حيث مُنع منذ بداية تطبيق القرار الإسرائيلي من الحصول على تصريح أسوة بنحو 70 مواطنا من البلدة، وهو أمر تم تجاوزه عبر وضع اسمه على الحاجز بشكل يومي، إلا أنه تصريحه الذي حازه قبل شهرين انتهى الخميس.

ويقول مزيد إن المعاناة لا تتوقف على نحو 70 مواطنا منعوا من الحصول على التصاريح، بل «هذا يشمل العائلات، وبالتالي هناك ما يقرب من 500 مواطن من سكان القرية يعانون من هذه الوقائع».

ويشرح: «لنا بيوت تخصنا وتخص آباءنا وكذلك أجدادنا.. نحن لسنا أبناء البلدة من يوم وليلة، بل نحن أبناء البلدة أبا عن جد، ولنا قبور أجدادنا، ولا بديل لنا عن العيش فيها، كما أننا لا نمتلك منازل خارج القرية لنعيش فيها».

وحول رفض خيار التصاريح التصنيفي الذي يقسم سكان البلدة، قال «لقد فرض علينا فرضا إجباريا».

ويروى مزيد قصة حصلت معه: «قبل أيام منع شاب من دخول البلدة للمشاركة في تشييع جثمان والده لكونه لا يمتلك تصريحاً رغم أن عنوان سكنه هو البلدة… هل يمكن تخيل مصيبة أكبر من هذه؟».

وإن كان الأستاذ مزيد يقيم في القرية ويعيش القلق من الخروج منها، فإن الشاب عمر جربوعة لا يتمكن من دخول القرية منذ 18 يوما بفعل قرار «المنع الأمني» ذاته.

ويشرح جربوعة لـ«القدس العربي»: «لقد حاولنا الدخول قبل 18 عاما ومنعنا إلى جانب مجموعة من الشبان، أنا أعيش في البلدة، وهناك أسرتي وابني، والحجة أنني أحمل تصنيف «ملف أمني»، حيث سمعنا أن الاحتلال يفرض منعا أمنيا على كل المعتقلين خلال السنوات العشر الماضية».

وتساءل: «لماذا المنع الأمني، لقد سجنت خمس سنوات ونصف، لكن السؤال لماذا الآن. فطوال فترة الحرب على غزة وأنا أدخل وأخرج من البلدة.. فلماذا يفرضون القرار اليوم؟، هذا إجراء انتقامي وليس احترازياً، نحن لا نشكل أي خطر أمنيا على دولة الاحتلال حتى يتم منعنا».

وينتظر مزيد ومعه نحو 33 مواطنا السير في مسار قانوني جماعي عبر توكيل البلدية التي قامت بتوكيل محامي للدفاع عن الحالات التي تم منعها حيث رفعت قضية في المحكمة الإسرائيلية على أمل الوصول لحقوقنا».

زوج وزوجة بينهما تصريح

زوجة مزيد وأبوه كانا ضمن 250 مواطنا فلسطينيا لم تجدد تصاريحهم.

يقول: «كانت هناك فرصة لتزورني زوجتي خارج البلدة، لكنها اليوم تعيش القلق والمخاوف من عدم تمكنها من العودة في حال قررت الخروج للقاء بي.. هل يمكن تخيل حجم الخوف والمأساة التي نعيشها؟».

ويصف الواقع بأنه «فصل اجتماعي وسكاني».

ويقول: «نحن بحالة مأساوية… وتحديدا عندما ترى كيف يفكّر البعض في انعكاس سياسات الضم على السكان، لقد ظن البعض أنها ستعني الحصول على هوية إسرائيلية زرقاء! لكن الدلائل تشير إلى سياسات ظالمة ونتائجها مأساوية».

وختم قائلا: «بعض من حصل على تصاريح نالها وقد كتب فيها مع إشارة حمراء أن «حامل هذا التصريح لا يمنح صاحبه حق الوصول إلى إسرائيل»، إنه تصريح إذلال للوصول لبيتك فقط، هذه عملية عزل مركبة، عُزلنا في كانتون ومن ثم يمنع بعضنا من العودة إلى هذا الكانتون».

وتصنف سلطات الاحتلال الإسرائيلي «بيت إكسا» كمنطقة تماس، ضمن إجراءات تهدف إلى عزلها وفرض السيطرة عليها.

ورئيس البلدية ممنوع

في السياق ذاته، يعمل نائب رئيس بلدية بيت إكسا إياد عبد الوهاب على عدة طرق لمساعدة المواطنين الممنوعين لكنه اكتشف مساء الخميس أنه تحول إلى واحد منهم بعض عدم تجديد تصريحه الأمني.

ويقول لـ«القدس العربي»: «لقد أصبحت جزءا من الوجع والمأساة، يفترض أن أدافع عن هؤلاء، وعلي الدفاع عن نفسي أيضا، الأفضل لي أن أبقى في بيتا مخافة عدم العودة».

ويشير عبد الوهاب إلى أن البلدية تابعت قضية المواطنين العالقين خارج البلدة عبر الارتباط المدني الفلسطيني، ثم الارتباط العسكري الإسرائيلي، كما أوكلت محاميًا لمتابعة القضية والتوجه إلى الجهات القضائية الإسرائيلية، لكن دون التوصل إلى حل حتى الآن.

وأضاف: «المخاوف لا تتعلق فقط بالمواطنين الثلاثة عشر الذين يقبعون خارج البلدة حاليًا، باتساع دائرة الممنوعين مع انتهاء سريان تصاريح. كنا بـ33 مواطنا (19 داخل البلدة، 13 يعيشون خارجها)، فأضيف إليهم 250 مواطنا أخرين، كنا في مشكلة وأصبحنا في مشكلتين معا».

وحذر عبد الوهاب من أن أي تغيير في آلية التصاريح أو في التعامل مع قوائم السكان سيؤدي إلى فصل مزيد من الأهالي عن منازلهم، أو اضطرار سكان داخل البلدة إلى الامتناع عن مغادرتها خوفًا من عدم السماح لهم بالعودة.

منطقة مصنفة تماس

نسأله لماذا تحمل المنطقة تصنيف «منطقة تماس»، فيقول: «حدث ذلك عام 2005. عندما سن قانون لهذا الغرض لكنه لم ينفذ لأسباب أمنية وسياسية.. لقد بقيت البلدة خارج جدار الفصل العنصري، وهذا يعني أن المنطقة بقيت مفتوحة باتجاه مدينة القدس».

ويحد البلدة كل من بلدات شعفاط وبيت حنينا ولفتا ودير ياسين وبيت زايد، فيما المعاناة تتجاوز البلدة وتطال كلا من النبي صموئيل وحي الخلايلة الذي يعدّ جزءا من قرية الجيب.

ويرى أن الهدف من هذه الإجراءات هو «تطفيش» وترحيل السكان، «العين على القرية لكونها منطقة مهمة وحساسة، يعتقدون أن الضغط سيجعل من المواطنين يرحلون لكن ما يحدث هو العكس».