دمشق – «القدس العربي»: عبّر سوريون تعرّضت عائلاتهم لقصف بطيران النظام البائد، عن رضاهم وفرحهم بعد إعلان السلطات اعتقال 9 طيارين برتب عالية، فيما شدد نواب على ضرورة الإسراع بالمحاكمات.
حملات نوعية
وألقت قوى الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، بالتعاون مع فرع مكافحة الإرهاب، القبض على تسعة طيارين متورطين بارتكاب جرائم حرب بحق الشعب السوري.
وذكرت صفحة «قوى الأمن الداخلي» على منصة «تليغرام» في وقت متأخر من يوم الخميس، نقلاً عن قائد الأمن الداخلي في اللاذقية، عبد العزيز الأحمد، أن العملية جاءت بعد عمليات رصد ومتابعة وجمع معلومات وتحريات، أسفرت عن تنفيذ سلسلة من العمليات الأمنية النوعية والمحكمة.
ووفق الأحمد، المقبوض عليهم هم: العميد الركن منهل أنور صالح، والعميد سامي إبراهيم محمود، والعميد غياث علي الرحية، والعقيد عيسى عز الدين خضور، والعقيد مروان صلاح نافش، والعقيد بشار سمير ونوس، والمقدم أيهم حمزة عليا، والنقيب أيهم أحمد داوود، والنقيب عمار عيسى جنيدي.
وقال: إن المذكورين شاركوا في ارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري في عدد من المحافظات، مستغلين مواقعهم العسكرية واختصاصهم في سلاحي الطيران الحربي والمروحي، من خلال عمليات قصف واستهداف أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين قتيل وجريح، وألحقت أضراراً جسيمة بالمدن والبلدات، إلى جانب تهجير الأهالي وتدمير المنازل والمنشآت والمرافق المدنية.
وأكد أن إلقاء القبض عليهم يأتي في إطار العمل المستمر لملاحقة كل من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب الجرائم بحق السوريين، وإحالتهم إلى القضاء المختص لينال كل شخص جزاءه العادل، مشددا على استمرار قوى الأمن الداخلي في ملاحقة كل من يهدد أمن المجتمع أو تورط في سفك دماء السوريين.
وقال مصدر في وزارة الداخلية السورية، إن التحقيقات الأولية مع الطيارين أثبتت أنهم نفذوا غارات استهدفت مناطق عدة في أكثر من 3200 ساعة طيران سجلوها منذ بداية الثورة في عام 2011.
ونقلت قناة «الإخبارية السورية» عنه قوله إن الطيارين أنواعًا مختلفة من الطائرات الحربية، أبرزها المروحيات الهجومية.
وشملت الغارات خصوصًا مدن الغوطة الشرقية في محافظة ريف دمشق، وحلب وريفها شمالي البلاد، ودير الزور وريفها شرقًا، وريف حماة وسط البلاد، وفق المصدر.
وأوضح أن المهام الموكلة إليهم تنوعت بين تنفيذ طلعات ومهام قتالية و»قصف مواقع الثوار والتجمعات السكانية والمنشآت والمواقع الحيوية»، فضلًا عن الإسناد الجوي القريب والاستطلاع وتحديد الأهداف.
كما تولوا، حسب المصدر، تجهيز الطائرات المروحية والنفاثة بمختلف أنواع الذخائر المتفجرة، وإجراء الفحوص الفنية والتحضيرات التشغيلية اللازمة قبل الإقلاع.
وشملت مهامهم أيضًا تحديد المواقع والإحداثيات وإعداد بيانات الأهداف وتزويد الطيارين بها وتوجيههم أثناء تنفيذ المهام، فضلًا عن نقل ضباط النظام السابق إلى المناطق والمواقع القتالية.
خبر مفرح
واعتبر عضو مجلس الشعب عزام خانجي أن القبض على هؤلاء الطيارين «خبر مفرح ويمثل مرحلة مفصلية نحو تحقيق العدالة الشاملة وشفاء لصدور الكثير من ذوي الضحايا».
وقال لـ» القدس العربي»: «لمسنا حين كنا في المناطق المحررة شمال حلب، كيف كان هؤلاء الطيارون يرتكبون المجازر ضد المدنيين، عبر الاستهداف المباشر للمدارس والأسواق والأفران وبيوت المدنيين»، مؤكدا أن «من قاموا بقتله من المدنيين، عبر القصف الجوي وبراميل الحقد، أكثر بكثير جدا من الثوار العسكريين».
وشدد على أنه «ضد أي عفو عن أمثال هؤلاء بحجة طي صفحة الماضي لبناء سوريا الجديدة».
وقال إن «هؤلاء ومن قام بالتعذيب والقتل في السجون، هم شركاء مباشرون في الجريمة، ومن المفترض أن تطبق عليهم أشد العقوبات».
وتابع: «لا أحد يمتلك حق العفو والمسامحة لأمثال هؤلاء سوى ذوي الشهداء. إعادة بناء سوريا لا تتعارض مع مشاهدة محاكمات عادلة لكل من أجرم بحق الشعب السوري، فهذه هي سوريا التي نريدها».
وقال خانجي: «مطلوب من الحكومة تسريع المحاكمات بعد أن بلغ عدد المعتقلين المتهمين بأنهم شركاء في الجريمة أكثر من 6000، وقد تتأخر محاكمات بعض المعتقلين لحساسية التحقيقات التي تجري معهم وإمكانية الكشف عن شركاء لهم في الجريمة، ولكن من الجيد أن نرى في المقابل، شيئا من الشفافية العامة ليعرف الشعب السوري وذوو الضحايا إلى أن نحن ذاهبون».
جرائم حرب
في حين اعتبر رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل في مجلس الشعب، محمود مصطفى، أن قيام النظام البائد خلال سنوات الثورة بشن غارات حربية بالطائرات على قرى وبلدات في الشمال السوري مستهدفاً بيوت المدنيين كعقاب لهم لوقوفهم الى جانب الثورة السورية، ما أوقع آلاف الضحايا المدنيين من أطفال ونساء وغيرهم، إضافة إلى استهداف المدارس والمستشفيات الميدانية، تمثل انتهاكات وجرائم حرب لم يسبق أن جرى مثلها.
وأضاف لـ «القدس العربي»: «خلال عملي كطبيب في المستشفيات الميدانية، كنا نعالج إصابات خطيرة قادمة إلينا جراء قصف النظام البائد، والأكثر صدمة لنا كان في صور أشلاء أطفال تأتينا في سيارات الإسعاف بعد مجازر نفذها الطيران الحربي، وكنا دوما في حالة من الصدمة والعجز التام عن قول أي شيء، حيث نرى أجيالاً تقتل أمام أعيننا، وعائلات بأكملها قضت تحت القصف، وجميعها مأساة لا يمكن محوها».
وأكد أن «إلقاء القبض على الطيارين هو انتصار للإنسانية، وعدالة تُستحق، فحجم الإجرام كان كبيرا والإعلان عن الاعتقالات يعزز لدى الأهالي شعورهم بالعدالة».
وفسر مصطفى سبب تأخر المباشرة بمحاكمة فلول النظام بعد أن وصل عدد المعتقلين منهم إلى الآلاف بالقول: «هناك مساران، الأول أمني يرتبط بالقبض على هؤلاء عبر تبادل المعلومات والمعطيات والوصول إليهم وعناوينهم، إضافة إلى أن سرية التحقيقات تقود إلى أسماء متورطة، وقادة مسؤولين عن المجازر، والآخر قضائي من حيث وجود تحقيقات واستجواب وتبادل البيانات للتحقق والكشف عن المزيد من المتورطين».
وأضاف: «هذه القضايا تحتاج للتروي، وأن تأخذ العدالة مجراها بشكلها القانوني، وفي الوقت نفسه أن يعطى للأجهزة الأمنية وقتها ودورها في القبض على مثل هؤلاء المجرمين».
اعتقال 9 منهم نفذوا غارات لأكثر من 3200 ساعة … وشهادات لأهالي الضحايا
ورفض مصطفى صدور أي عفو عام بحجة طي صفحة الماضي. وقال: «لا يشمل العفو العام جرائم الحرب، وجرائم الإبادة التي ارتكبها هؤلاء بحق المدنيين، فالقضية هي دماء الشعب السوري، ولا أحد لديه الحق في العفو عمن يقتلهم وهم آمنون في بيوتهم، كما أنه جرى بهذه الطائرات القصف الكيمياوي على أبناء الشعب السوري، وعليه يجب محاكمتهم أصولاً بصفتهم مجرمي حرب وقتلة».
وعن دور مجلس الشعب بالإسراع في إقرار قانون العدالة الانتقالية للمباشرة بالمحاكمات كشف مصطفى أن «الموضوع لا يقف فقط عند قانون العدالة الانتقالية المنظر، بل يتسع بما يتم إعداده في المجلس لمشروع قانون محكمة الإرهاب، لتكون جهة قضائية متممة لمسار العدالة الانتقالية».
وقال: «يجب أن يحتاج القانون السوري إلى تعديلات خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب، وتوضيح الجرائم وطبيعتها خلال سنوات الثورة السورية وإعطائها توصيفها القانوني الصحيح، إضافة إلى أن قانون العدالة الانتقالية يضع معايير المحاسبة والمحاكمة، ولكن القضاء هو الجهة المختصة والتي تنظر قانوناً بالجرائم المرتكبة».
فراس سعد الدين، وهو أحد المتضررين من القصف وعايشها في الغوطة الشرقية، قال لـ «القدس العربي» «إنه وقبل كل شيء يتمنى أن يوضع هؤلاء الطيارون المقبوض عليهم في منزل واحد ويقصفوا بالقنابل ذاتها التي كانوا يقصفوننا بها، ليذوقوا طعم ما كانوا يفعلونه بعائلاتنا».
وتابع: «عليهم أن يسمعوا صوت الصاروخ أو البرميل وهو يسقط على رؤوسهم ولا يجدون مكانا يهربون إليه ثم ينفجر فوقهم ويقطعهم».
وسعد الدين كان واحدا من ثوار قرية مرج السلطان، وحاليا يعمل كمتطوع في الأمن الداخلي، وقد استغرب كيف لهؤلاء الطيارين بعد أن ارتكبوا ما ارتكبوه بحق الشعب السوري، أنهم ما زالوا داخل البلاد وكيف لم يهربوا! معتبرا أنهم كانوا مجرد «أدوات تنفيذ» لنظام ظالم، لم يناقشوه ولم يعترضوا على الأوامر التي كانت تأتيهم، وأن وبقاءهم داخل البلاد يؤكد، إما مدى غبائهم لاعتقادهم أن يد العدالة لن تطالهم، أو لأنهم ما زالوا يحلمون بإمكان عودة النظام الظالم، وهذا مرض مستفحل لدى بعض أتباع النظام، أو أن يكونوا من خلايا النظام البائد النائمة التي تنتظر أوامر من مشغليها ليتحركوا داخل البلاد.
وقال: «لو كان لدى هؤلاء أي من الإنسانية والتفكير المنطقي، لما واظبوا على قصف المدن السورية، إنما لكانوا قد انشقوا أو هربوا خارج البلاد أو إلى مناطق سيطرة الثوار».
وأدى قصف النظام بالطائرات ومختلف أنواع الأسلحة، إلى جانب قصف الطائرات الروسية، إلى إلحاق تدمير هائل بقرية مرج السلطان في الغوطة الشرقية، وكان واحدا من المنازل التي سويت بالأرض، منزل سعد الدين الذي قال إنه وقبيل أن تسقط القذائف على منزله وحي المساكن الذي كان يقيم فيه، في شتاء عام 2015، استطاع الهرب وعائلته، باتجاه أحد أقبية الأبنية الطابقية القريبة من المساكن، ولم يصابوا بالأذى لكن المنزل تدمر بشكل كامل.
وأوضح أن الأهالي كانوا يختبئون خلال عمليات القصف في الأقبية، ومن لم يستطع الوصول، كان يذهب ضحية القصف الهمجي للأحياء المدنية، وقد سقط في مرج السلطان أكثر من 150 شهيدا خلال سنوات القصف وحصار الغوطة الشرقية الممتدة منذ عام 2012 حتى بداية 2016، إلى جانب اضعاف ذلك من الجرحى، وهؤلاء كانوا من أهالي قرى الغوطة الشرقية المختلفة من المقيمين في مرج السلطان، بعد أن كان النظام قد استولى على قراهم وهرب أهلها الى قريتنا.
وبين أنه سقط في عملية قصف واحدة على مساكن وأبنية «مرج الجولان» القريبة أكثر من 15 شهيدا، من مختلف الأعمار، كما سقط في عملية قصف أخرى على السوق الممتد على الشارع الرئيس للقرية نحو 20 شهيدا، قسم كبير منهم كانوا من الأطفال الصغار.
قصف مرج السلطان
فيما أكد بيبرس حباتر أن قرية مرج السلطان هي واحدة من القرى التي تعرضت لقصف همجي دمر الكثير من منازلها ومدارسها، وخصوصا أنها كانت قد تحولت إلى مركز لإيواء أهالي الكثير من قرى الغوطة الشرقية المحاصرة، ووصل عدد النازحين إليها حيهنا إلى أكثر من عشرة آلاف نسمة.
وترأس حباتر مخفر مرج السلطان خلال حصار غوطة دمشق، وبعد سقوط النظام مباشرة تم تكليفه برئاسة مفرزة الأمن العام.
وقال لـ «القدس العربي» إن تكرار عمليات القصف شكل خبرة لدى الثوار بحيث كانت الغارات عادة ما تحصل بعد قيام مسيرات استطلاعية صغيرة بتصوير المنطقة، وكنا حينها نطالب الأهالي بإخلاء الشوارع وعدم التجمع، موضحا أنه وبعد عمليات القصف كنا نسرع إلى أماكن سقوط القذائف والقنابل لإسعاف المصابين وحتى إخراج الضحايا من تحت أنقاض المنازل التي تهدمت عليهم.
وأكد أنه لم تكن داخل قرية مرج السلطان أهداف عسكرية للثوار تستوجب القصف، وإنما نازحون مدنيون من قرى شرق الغوطة مثل حران العواميد والعبادة ودير سلمان والبلالية وغيرها، إلى جانب من تبقى من أهالي القرية، حيث هرب عدد كبير من العائلات خارج سوريا، ورغم ذلك تعرضت قريتنا لقصف همجي سواء من الطائرات الحربية أو الحوامات أو من مرابض الصواريخ والمدفعية في حفير وجبل قاسيون ومطار دمشق الدولي ومن إدارة الدفاع الجوي في مدينة المليحة.
وبين أن استهداف المدنيين كان الحالة الشائعة، ومنه على سبيل المثال، سوق الغنم والخضرة في مدينة دوما والذي تعرض لقصف شبه يومي رغم أن كل الموجودين فيه هم من المدنيين.
وذكر أن قسما من الجرحى ممن كان يتم إسعافهم إلى النقاط الطبية داخل البلدة، أو إلى مشفى النشابية القريب، أو مشفى دوما، كان يتوفى لعدم توفر الأدوية أو أنواع العلاجات الضرورية أو غرف العمليات المجهزة لاستقبال مثل هذه الحالات، مشيرا إلى أن عمليات اسعافية كثيرة كانت تجرى للمصابين من دون تخدير لعدم توفر مواد التخدير.
وقال، أنا شخصيا أسعفت مصابين اثنين جراء قصف جوي عام 2014 على قريتنا إلى مشفى دوما، وكان أحد المصابين من أبناء قريتنا ويدعى فخري ومصابا في الجمجمة، والآخر من النازحين إلى قريتنا ومصابا في فخذ قدمه، وفي المشفى طلب مني الأطباء إجراء تصوير لرأس فخري، وعندما عدت للغرفة، كان المصاب الأول قد توفي لأنه كان يعاني من مرض السكر ومن نزف داخلي.
وذكر أنه وفي عملية قصف أخرى لمنزل توجهنا لنتفقد المكان، وإذا بعجوز يخرج مطالبا المساعدة للبحث عن ابنه ضمن حطام المنزل، وعثرنا حينها تحت سقف منهار على امرأة مع طفلها الرضيع، استطعنا أن ننقذهما، أما الشاب فقد عثرنا على أشلائه التي كانت القذيفة قد رمتها خارج الدار كله.
