بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

شراكة مكافحة الهجرة تدخل مرحلة المراقبة التقنية اليومية … مسيّرات أوروبية متطورة إلى موريتانيا

شراكة مكافحة الهجرة تدخل مرحلة المراقبة التقنية اليومية … مسيّرات أوروبية متطورة إلى موريتانيا

نواكشوط – «القدس العربي»: تتجه الشراكة بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والمراقبة المباشرة، مع توجه أوروبي لتزويد نواكشوط بطائرات مسيّرة لتعزيز قدراتها على مراقبة الحدود والمجال البحري، في خطوة تكشف انتقال التعاون من الدعم المالي والتنسيق الأمني إلى توفير وسائل تقنية أكثر تطورًا لمراقبة طرق الهجرة.

وحسب مصدر مطلع مقرب من هذا الملف فإن ألمانيا والبرتغال تعتزمان توفير مسيّرات لموريتانيا بقيمة إجمالية تقدر بنحو 6 ملايين يورو، ضمن برامج التعاون الأوروبي المتعلقة بمراقبة الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية.

وتأتي المسيّرات المقترحة في هذا السياق باعتبارها أداة تمكن السلطات من توسيع نطاق الرصد، خصوصًا في المناطق الساحلية والمساحات الحدودية الشاسعة التي يصعب تأمينها بالوسائل التقليدية وحدها.

وفي حال تأكد تسليم المسيّرات الألمانية والبرتغالية، فإن ذلك سيمثل تطورًا نوعيًا في طبيعة التعاون، لأن التركيز سينتقل بدرجة أكبر من تدريب القوات وتمويل البرامج إلى امتلاك أدوات مراقبة متقدمة قادرة على تغطية مساحات واسعة من الأراضي والمياه الإقليمية.

وبالنسبة لموريتانيا، قد توفر هذه المعدات قدرة إضافية على مراقبة السواحل الطويلة والحدود البرية، ورصد تحركات شبكات التهريب والقوارب قبل انطلاقها، فضلًا عن إمكان استخدامها في مهام أمنية وإنسانية أخرى.

أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن تعزيز المراقبة الموريتانية يعني عمليًا دفع جزء أكبر من مهمة حماية الحدود الأوروبية إلى خارج أراضي الاتحاد، وبناء «خط دفاع» متقدم على الساحل الأطلسي لغرب إفريقيا.

وهكذا تبدو صفقة المسيّرات، إن دخلت حيز التنفيذ، أقل ارتباطًا بمعدات منفردة وأكثر تعبيرًا عن مرحلة جديدة في العلاقة بين نواكشوط وبروكسل: مرحلة تتحول فيها موريتانيا بصورة متزايدة إلى شريك أمني متقدم في إدارة أحد أكثر مسارات الهجرة حساسية بالنسبة لأوروبا، مقابل دعم مالي وتنموي وتقني يتوسع عامًا بعد آخر.

وتزايد الاهتمام الأوروبي بموريتانيا مع التحول الذي طرأ على مسارات الهجرة نحو أوروبا؛ فقد أصبحت السواحل الموريتانية خلال السنوات الأخيرة نقطة انطلاق رئيسية للقوارب المتجهة إلى جزر الكناري، فيما شهد الطريق الأطلسي ارتفاعًا كبيرًا في أعداد الوافدين إلى الأرخبيل.

ولا تبدو الخطوة منفصلة عن المسار الذي اتخذته العلاقات الأوروبية الموريتانية خلال العامين الأخيرين، بعدما أصبحت موريتانيا إحدى نقاط الارتكاز الرئيسية للاستراتيجية الأوروبية الرامية إلى الحد من وصول المهاجرين إلى أراضي الاتحاد، ولا سيما عبر الطريق الأطلسي المؤدي إلى جزر الكناري.

ففي فبراير/شباط 2024، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، خلال زيارة إلى نواكشوط رفقة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، عن حزمة دعم أوروبية تتجاوز 210 ملايين يورو لموريتانيا، في إطار شراكة أوسع تشمل الهجرة والتنمية والأمن والطاقة.

وبعد أسابيع، أطلق الاتحاد الأوروبي رسميًا في مارس/آذار من العام نفسه «شراكة الهجرة والحوار» مع موريتانيا، بهدف تعزيز التعاون في إدارة الهجرة، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، ودعم قدرات السلطات الموريتانية، إلى جانب ملفات مرتبطة بالحماية واللجوء والهجرة القانونية.

وتضمنت الحزمة الأوروبية تمويلًا مخصصًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة لإدارة الهجرة ومراقبة الحدود، فيما كان الجزء الأمني من التعاون مرتبطًا بصورة خاصة بقدرة موريتانيا على مراقبة ساحلها الأطلسي ومنع انطلاق القوارب باتجاه الأرخبيل الإسباني.

وقدرت مصادر أوروبية أن نحو 60 مليون يورو من الاتفاق خصصت لمجال مراقبة الهجرة، فيما توزعت بقية الموارد على التنمية والأمن والمساعدات الإنسانية ومجالات أخرى.

وتظهر بيانات وكالة الحدود الأوروبية «فرونتكس» أن الطريق الأطلسي ظل من المسارات التي سجلت زيادة في عمليات العبور خلال 2024، مع وصول ما يقارب 47 ألف شخص إلى جزر الكناري عبر هذا المسار، وكان جزء كبير من الرحلات قد انطلق من موريتانيا.

وقد جعل ذلك من التعاون مع نواكشوط أولوية بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، خصوصًا أن اعتراض القوارب قبل مغادرتها الساحل الموريتاني يُنظر إليه أوروبيًا باعتباره أكثر فاعلية من التعامل مع القوارب بعد وصولها إلى البحر أو إلى الجزر الإسبانية.

وفي هذا الإطار، عززت إسبانيا بدورها تعاونها الأمني مع موريتانيا، حيث أشادت الحكومة الإسبانية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بالدور الموريتاني في اعتراض محاولات انطلاق الهجرة، مشيرة إلى اعتراض آلاف الأشخاص قبل مغادرتهم، إضافة إلى أكثر من عشرة آلاف حالة خلال 2024.

شراكة تتجاوز الهجرة

ورغم أن مكافحة الهجرة تمثل المحرك الأبرز للتعاون الأوروبي الجديد، فإن الشراكة لا تقتصر رسميًا على هذا الملف؛ فقد سعت بروكسل إلى ربط الدعم المقدم لموريتانيا ببرامج التنمية والاستثمار والطاقة، في محاولة لجعل التعاون أوسع من مجرد ترتيبات أمنية لضبط الحدود.

وتعكس الحزمة الأوروبية المعلنة عام 2024 هذا التوجه، إذ شملت إلى جانب الهجرة ملفات التنمية والأمن والطاقة والبنية التحتية، فيما خصص جزء من التمويل لمشاريع في المناطق الداخلية، بما فيها منطقة الحوض الشرقي، التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين القادمين من مالي.

لكن هذا التوسع في التعاون الأمني لم يخلُ من انتقادات حقوقية أوروبية ودولية، إذ حذرت منظمات حقوقية من أن نقل جزء من مهمة ضبط الحدود الأوروبية إلى دول خارج الاتحاد قد يثير أسئلة بشأن ضمانات حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء. وقد وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير صدر عام 2025 اتهامات بانتهاكات بحق مهاجرين في موريتانيا، ودعت إلى ربط الدعم الأوروبي بآليات أكثر وضوحًا للمساءلة وحماية الحقوق.

وتأتي هذه الانتقادات في وقت تحاول فيه بروكسل توسيع نموذج «الشراكات الخارجية» في إدارة الهجرة، عبر مساعدة دول العبور والانطلاق على منع المغادرة قبل وصول المهاجرين إلى الحدود الأوروبية.

وبدخول المسيّرات الأوروبية الخدمة، تنتقل الشراكة الموريتانية الأوروبية في مكافحة الهجرة من الدعم والتجهيز إلى المراقبة التقنية اليومية، بما يعزز قدرة نواكشوط على رصد الحدود والمسارات الساحلية.

لكن هذا التحول يطرح في المقابل أسئلة حول إدارة البيانات وحدود المراقبة، ويجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الطرفين على تحقيق التوازن بين المتطلبات الأمنية والاعتبارات القانونية والإنسانية.