بينما كانت إسرائيل توسِّع عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، وتنفذ غارات وعمليات نسف في مناطق تمتد إلى ما بعد نهر الليطاني، خرج إلى العلن في إسرائيل حديث عن خطة لإعادة انتشار الجيش داخل الأراضي اللبنانية ضمن ما سُمِّي "الخط الرمادي".
للوهلة الأولى، يبدو الأمر متناقضاً: كيف يمكن لدولة أن تصعِّد عسكرياً، ثم تتحدث في الوقت نفسه عن تقليص قواتها والانسحاب إلى خط أقرب إلى الحدود؟
لكن قراءة التوقيت والخريطة والهدف العسكري والسياسي للخطة تقود إلى استنتاج مختلف تماماً: إسرائيل لا تبدو وكأنها تستعد للخروج من جنوب لبنان بقدر ما تستعد لإعادة صياغة طريقة بقائها فيه.
ما هو "الخط الرمادي"؟
بحسب هيئة البث الإسرائيلية (كان ١١)، تناقش المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية خطة لإعادة انتشار قواتها التي تنتشر حالياً في المنطقة التي باتت تعرف بـالخط الأصفر، بحيث تتراجع إلى منطقة أقرب إلى الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، بعمق يتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
والخطة، وفق المصدر الإسرائيلي، لا تقتصر على انسحاب القوات من بعض المواقع ، بل تتضمن إقامة مواقع عسكرية ثابتة داخل الأراضي اللبنانية على امتداد الخط الجديد، تكون بمثابة قواعد للجيش الإسرائيلي. والأهم أن الخطة لم تحصل بعد على المصادقة السياسية النهائية.
إذن نحن أمام مفهوم مختلف عن الانسحاب التقليدي.
الانسحاب التقليدي يعني عودة القوات إلى الحدود الدولية أو إلى خط متفق عليه مع الطرف الآخر.
أما (الخط الرمادي) فيعني شيئاً آخر:
تقليص مساحة الاحتلال، مع إبقاء الاحتلال نفسه قائماً.
وهنا تكمن أهمية المصطلح.
من "الخط الأصفر" إلى "الخط الرمادي"
خلال الأشهر الماضية، وسَّعت إسرائيل انتشارها داخل الأراضي اللبنانية وأنشأت منطقة أمنية عميقة، وصلت في بعض المناطق إلى ما يقارب عشرة كيلومترات.
هذه المنطقة تحولت عملياً إلى واقع عسكري جديد، أطلقت عليها إسرائيل في خطابها "المنطقة الصفراء" أو "الخط الأصفر".
لكن هذا الانتشار الواسع له كلفة.
فكلما زاد عمق القوات الإسرائيلية داخل لبنان، زادت حاجتها إلى قوات برية، ومواقع، وإمدادات، وحماية، وأصبحت أكثر عرضة للاستهداف.
لذلك، فإن الانتقال من منطقة واسعة إلى شريط أضيق قد يكون منطقياً عسكرياً.
لكن إسرائيل لا تريد أن تعود إلى الوضع السابق للحرب.
وهنا يأتي "الخط الرمادي".
إنه محاولة لتحقيق المعادلة التالية:
قوات أقل ، مساحة احتلال أصغر ، مواقع ثابتة ، قدرة نارية واسعة ، حرية تدخل داخل لبنان.
وهذه ليست معادلة انسحاب ، إنها معادلة احتلال أكثر كفاءة وأقل كلفة.
لماذا الآن؟
التوقيت هو أكثر عناصر الخطة إثارة للاهتمام.
فالإعلان الإسرائيلي جاء بعد إعلان الجيش الإسرائيلي تحقيق (السيطرة العملياتية) على مرتفعات علي الطاهر، وبعد الحديث عن اكتشاف وتدمير أنفاق وبنى تحتية تحت المرتفع. وتقول المصادر الإسرائيلية إن تقليص القوات يأتي في أعقاب إتمام هذه العملية.
وهنا يمكن قراءة التطور على مستويين.
المستوى الأول: عسكري
إسرائيل تريد القول إن مهمتها في المناطق الأبعد عن الحدود قد أنجزت.
أي أنها دخلت إلى العمق، دمرت البنى التي تعتبرها خطراً، سيطرت على المرتفعات الاستراتيجية، ثم تستطيع الآن تخفيض حجم قواتها.
لكن هذا التفسير لا يجيب عن السؤال الأهم:
لماذا تحتاج بعد ذلك إلى مواقع عسكرية ثابتة داخل الأراضي اللبنانية؟
إذا كان التهديد قد انتهى، فالمنطقي هو الانسحاب إلى الحدود.
أما الاحتفاظ بقواعد داخل لبنان فيعني أن إسرائيل تريد الاحتفاظ بقدرتها على العودة والتدخل.
المستوى الثاني: سياسي
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً.
طرح (الخط الرمادي) جاء في توقيت شديد الحساسية، مع التحضير لجولة جديدة من المفاوضات في روما.
وهذا يعني أن إسرائيل تدخل التفاوض وهي تحمل معها خريطة ميدانية جديدة.
فالجيش الإسرائيلي لا يريد أن يناقش فقط السؤال:
(متى تنسحب إسرائيل؟)
بل يريد تحويل السؤال إلى:
(إلى أين تنسحب إسرائيل؟)
وهذا فرق استراتيجي هائل.
الهدف الخفي: تحويل الاحتلال إلى ورقة تفاوض
قد يكون الهدف الأهم من طرح "الخط الرمادي" هو تحويل الواقع العسكري الذي فرضته إسرائيل خلال الحرب إلى ورقة تفاوضية.
فإسرائيل تقول عملياً:
لقد دخلنا إلى عشرة كيلومترات، وأقمنا منطقة أمنية، وسيطرنا على مرتفعات استراتيجية، ودمرنا البنى التي نعتبرها تهديداً، والآن يمكننا أن نتراجع إلى ٢-٤ كيلومترات.
وبذلك تستطيع تل أبيب تقديم التراجع باعتباره تنازلاً إسرائيلياً كبيراً.
لكن من الناحية العملية، سيبقى جزء من الأراضي اللبنانية تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
وهنا تكمن اللعبة السياسية.
إسرائيل تحاول نقل نقطة الصفر في التفاوض من الحدود الدولية إلى الخط الذي فرضته هي ميدانياً.
وبعبارة أخرى:
بدلاً من أن تفاوض إسرائيل على الانسحاب من لبنان، تريد أن تفاوض على حجم المنطقة التي ستبقى فيها داخل لبنان.
لماذا لا تنسحب إسرائيل إلى الخط الأزرق؟
هذا هو السؤال المركزي.
فالخط الأزرق موجود أصلاً، وهو خط الانسحاب الذي حددته الأمم المتحدة.
إذا كان الهدف هو حماية الحدود الشمالية لإسرائيل، فإن إسرائيل تستطيع بناء مواقعها العسكرية على الجانب الإسرائيلي من الحدود.
لكن اختيار إبقاء مواقع داخل الأراضي اللبنانية يكشف أن المسألة تتجاوز الدفاع عن الحدود.
إنه يتعلق بـالعمق الأمني.
إسرائيل تريد أن تبقي عينها داخل الأراضي اللبنانية، لا خلف الحدود.
وتريد أن تمتلك مواقع مرتفعة ومحصنة تسمح لها بالمراقبة والإنذار المبكر، وفي الوقت نفسه تكون منصات لانطلاق عمليات عسكرية إذا رصدت ما تعتبره نشاطاً معادياً.
وهذا ما توضحه التقارير التي تتحدث عن المواقع الجديدة باعتبارها نقاطاً تستطيع القوات الإسرائيلية استخدامها لمواصلة عملياتها داخل لبنان عند الحاجة.
"الخط الرمادي" ليس خطاً حدودياً
ومن المهم هنا عدم الوقوع في خطأ شائع.
(الخط الرمادي) ليس حدوداً جديدة للبنان.
وليس خطاً دولياً معترفاً به.
وليس، حتى الآن، نتيجة اتفاق لبناني–إسرائيلي.
إنه اسم لخطة عسكرية إسرائيلية قيد البحث.
وهذا ما تؤكده المصادر الإسرائيلية نفسها التي تقول إن الخطة لم تكتمل ولم تحصل بعد على موافقة المستوى السياسي.
لذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاسم بحد ذاته، بل في احتمال أن يتحول الواقع العسكري المؤقت إلى واقع سياسي دائم.
الهدف الآخر: منع العودة إلى القرى
هناك بعد آخر بالغ الأهمية.
فالتقارير التي تناولت الخطة تشير إلى أن عودة سكان المناطق التي أُخليت مرتبطة بنتائج المفاوضات المقبلة.
وهنا يمكن فهم (الخط الرمادي) كأداة ضغط أيضاً.
فكلما بقيت منطقة واسعة خالية من السكان، وكلما بقي الجيش الإسرائيلي قريباً منها، يصبح السؤال الإنساني – أي عودة السكان – مرتبطاً بالسؤال الأمني والسياسي.
وبالتالي يمكن لإسرائيل استخدام العودة كجزء من التفاوض:
الأرض مقابل الترتيبات الأمنية.
وهذه معادلة شديدة الخطورة على لبنان، لأنها تجعل حق السكان في العودة إلى قراهم وكأنه موضوع تفاوضي، بدلاً من كونه حقاً أساسياً لا يحتاج إلى إذن عسكري إسرائيلي.
لماذا صعَّدت إسرائيل قبل الحديث عن التراجع؟
هنا تظهر إحدى أكثر النقاط دلالة.
إذا كانت إسرائيل تستعد فعلاً للانسحاب، فلماذا تقوم بالتزامن مع ذلك بعمليات تدمير واسعة؟
الجواب المحتمل أن إسرائيل تريد أن تدخل إلى (الخط الرمادي) بعد أن تكون قد غيَّرت البيئة الجغرافية والعسكرية للمناطق التي ستنسحب منها.
فالنسف الواسع للمباني والأشجار والتحصينات والبنى التحتية لا يهدف فقط إلى تدمير أهداف عسكرية.
إنه يغيَّر طبيعة الأرض.
هذا السلوك هو لمحاولة إسرائيل جعل المنطقة أكثر انكشافاً للمراقبة بالنيران والطائرات المسيَّرة، وتقليل قدرة أي قوة لبنانية أو غيرها على استخدام الغطاء الطبيعي والعمراني.
وهكذا يمكن قراءة التسلسل الإسرائيلي على الشكل التالي:
احتلال واسع ، تدمير ممنهج ، السيطرة على المرتفعات ، إعادة تشكيل الأرض ، تقليص القوات ، الاحتفاظ بشريط أمني متقدم.
إذا صح هذا التسلسل، فإن (الخط الرمادي) ليس نهاية العملية العسكرية.
بل هو مرحلتها التالية.
علي الطاهر: لماذا كان مهماً قبل الإعلان؟
لا يمكن فصل (الخط الرمادي) عن مرتفعات علي الطاهر.
فالموقع يمنح إسرائيل قيمة ميدانية تتجاوز مساحته.
المرتفعات تعني رؤية أفضل.
والرؤية تعني إنذاراً مبكراً.
والإنذار المبكر يعني تقليل الحاجة إلى وجود بري كثيف.
وهنا يصبح احتلال المرتفعات وسيلة لتعويض الانسحاب الجزئي من العمق.
بمعنى آخر:
إسرائيل قد تنسحب من مساحة أكبر من الأرض، لكنها تريد أن تحتفظ بالنقاط التي تمنحها القدرة على مراقبة تلك المساحة والسيطرة عليها بالنار.
وهذا هو جوهر (الخط الرمادي).
إسرائيل تريد أن تنسحب من الأرض... لا من المجال الأمني
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
في الحساب العسكري الإسرائيلي، الأرض ليست دائماً هي الهدف النهائي.
الهدف هو المجال الذي تستطيع إسرائيل مراقبته واستهدافه والتدخل فيه.
قد تنسحب القوات من قرية، لكن إذا بقيت القرية تحت المراقبة الجوية والنارية الإسرائيلية، وإذا بقيت إسرائيل تحتفظ بمواقع قريبة تستطيع منها شن عملية خلال دقائق، فإن الانسحاب يكون جغرافياً أكثر منه استراتيجياً.
وهذا هو السبب في أن (الخط الرمادي) قد يكون أخطر من مجرد منطقة عسكرية.
إنه محاولة لإنشاء منطقة نفوذ أمني إسرائيلي داخل لبنان.
هل هو انسحاب أم احتلال جديد؟
الجواب الأدق:
هو انسحاب من الاحتلال الواسع، وليس بالضرورة انسحاباً من الاحتلال نفسه.
وهو فرق جوهري.
إسرائيل قد تقلص انتشارها من عشرة كيلومترات إلى أربعة، لكنها ستبقى داخل الأراضي اللبنانية.
وقد تخفض عدد جنودها، لكنها ستنشئ مواقع ثابتة.
وقد تنسحب من عشرات القرى، لكنها ستحتفظ بالقدرة على استهدافها.
وقد تتراجع عسكرياً، لكنها تدخل المفاوضات وهي تحاول تثبيت المكاسب التي حققتها بالنار.
