بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

ملف الاستملاكات في سوريا يعود للواجهة… نظام الأسد صادر أراضي وبنى عليها ثكنات ومطارات عسكرية

ملف الاستملاكات في سوريا يعود للواجهة… نظام الأسد صادر أراضي وبنى عليها ثكنات ومطارات عسكرية

مع اتساع التوقعات باسترجاع الأملاك الخاصة المنهوبة والمسلوبة عبر قرارات استملاك صدرت على مدار عقود في عهد النظام السابق، شهدت العاصمة السورية، يوم الجمعة، حراكاً مدنياً هو الأكبر من نوعه، شارك فيه الآلاف من سكان دمشق وريفها، وجاء تتويجاً لاعتصامات سابقة، مطالبين باستعادة أملاكهم.

الاعتصام تضمن إقامة صلاة يوم الجمعة على قارعة الطريق أمام مبنى مجلس الشعب في حي الصالحية في دمشق، وتقصد منظموه رفع لافتات تمثل معظم بلدات وقرى ريف المحافظة الواسع، ركزت على مطالب لا علاقة لها بالسياسة، وإنما لإلغاء قرارات تعود كلها إلى عهد الأسدين.

ولخصوا مطالبهم بأن بعض القوانين المقرة بعهد النظام السابق ما زالت تشكل باباً لمصادرة أملاكهم الخاصة، وأن التعويضات المالية المقدمة لهم تحسب وفق تقديرات لا علاقة لها مع أسعار العقارات الرائجة حالياً، مطالبين، من السلطة التشريعية، بعد أن فشلت مساعيهم مع السلطات التنفيذية، بإعادة النظر بمجمل القوانين التي تنتهك من صيانة حق الملكية الخاصة.

وإذ أكد شيخ الحقوقيين السوريين هيثم المالح، أن اتساع مثل هذه الاعتصامات قد يأتي بالنتيجة المرجوة، مطالباً بتدعيم النشاط بدراسات مكتوبة معدة من حقوقيين لتقدم لوزارة العدل، اعتبر عضو مجلس الشعب، عقيل حسين، أن الحل قد يكون في إلغاء أو تجميد الاستملاكات الصادرة خلال فترة الثورة، وتأجيل البت بالاستملاكات القديمة لإعطاء الحكومة الوقت الكافي لفكفكة ملف شائك ومعقد، وعدم تحميلها ما لا طاقة لها به.

وقفة مرخصة

ومنذ أن سقط نظام الأسد، ومن ثم التأكيد صراحة عبر الإعلان الدستوري بأن “حق الملكية الخاصة مصون ولا يجوز المساس به عشوائياً”، شهدت العاصمة السورية العديد من الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات إن لجهة إنهاء العمل بالمرسوم 66 الخاص باستملاك منطقة خلف الرازي وبساتين المزة، أو لإلغاء قرارات الاستملاك التي سلبت مساحات كبيرة من ريف العاصمة من أهلها، وصلت في بعض الحالات إلى نحو 80% كما هو الحال في مدينة المعضمية وأقل منها قليلاً في مدينة داريا.

وبدا لافتاً في الوقفة الأخيرة، الجمعة، نجاح القائمين عليها بحشد عدد فاق المرات السابقة حين كان يشارك العشرات أو ربما بضع مئات فيها، أما أمام مجلس الشعب فقد حضر الآلاف من ممثلي معظم مدن وبلدات ريف العاصمة تباعاً إلى مكان الاعتصام، غص بهم الشارع الممتد من ساحة المحافظة (يوسف العظمة) إلى تقاطع الصالحية مع شارع العابد أمام مجلس الشعب، وهم يرفعون مطالب المناطق التي يمثلونها بإلغاء قرارات الاستملاك، فظهرت لافتات باسم أهالي مدن وبلدات التل وعين الفيجة والصبورة وقدسيا والهامة والبجاع ودمر وأشرفية الوادي ودير مقرن وافرة وبسيمة وكفرسوسة والمزة ومعضمية الشام وعرطوز وداريا وغيرها الكثير.

قبل مشكلة البجاع، كان ملف الاستملاك مثاراً على خلفية مطالب أهالي المزة وكفرسوسة بإلغاء المرسوم 66، كما تحرك أهالي المعضمية، غرب العاصمة، للمطالبة باستعادة أملاكهم المصادرة وتم تحويلها إلى مساكن للحرس الجمهوري

وعاد ملف الاستملاكات إلى الواجهة بقوة، على خلفية إنذارات كانت قد وجهتها بلدية الصبورة شمال غرب العاصمة على طريق بيروت، في حزيران/ يونيو الماضي، إلى أهالي قرية البجاع الواقعة إلى الشرق منها، لإخلاء منازلهم ومزارعهم خلال فترة لا تتجاوز 15 يوماً، بناء على توجيهات من محافظة ريف دمشق، لتسليمها إلى شركة “أبيات” السعودية للاستثمار والتطوير العقاري بهدف تنفيذ مشروع “أبيات هيلز” بالشراكة مع المؤسسة العامة للإسكان في سوريا.

وأثارت الإنذارات الرسمية احتجاجات بين المالكين، الذين هم في الغالب من أهالي مدينة قدسيا القريبة، ورفضوا الإخلاء بحجة أنهم يحوزون على سندات ملكية رسمية، ويستثمرون مزارعهم منذ عقود، ولم يغادروها على الرغم من صدور قرار استملاكها لصالح المؤسسة العامة للإسكان منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، كما اعتقدوا أنه ومع سقوط النظام السابق، وتأكيد الإعلان الدستوري صيانة حق الملكية الخاصة، قد تم إغلاق ملفات الاستملاك القديمة، إلا أن إنذارات الإخلاء فاجأتهم.

وقبل مشكلة البجاع، كان ملف الاستملاك مثاراً على خلفية مطالب أهالي المزة وكفرسوسة بإلغاء المرسوم 66، كما تحرك أهالي المعضمية، غرب العاصمة، للمطالبة باستعادة أملاكهم المصادرة وتم تحويلها إلى مساكن للحرس الجمهوري في السومرية وغيرها، أو أقيم عليها مطار المزة العسكري مع فرع التحقيق التابع لإدارة المخابرات الجوية سيئ الصيت.

وفي الجهة المقابلة، تحرك أهالي مدينتي التل وحرستا، مطالبين بالحصول على تعويضات منصفة لقاء استملاك أراضيهم التي بني عليها ما يعرف اليوم بضاحية الشام، وحاولت السلطات المحلية ممثلة بمحافظتي دمشق وريفها معالجة الموضوع وشكلت لجاناً خاصة للتوصل إلى حلول ترضي جميع الأطراف.

التحرك الرسمي

وأعلنت محافظة ريف دمشق نهاية شباط/ فبراير عام 2025 أنها شكلت لجنة مختصة لدراسة واقع الأراضي المستملكة على مستوى المحافظة، في إطار مراجعة ملف الاستملاك ومعالجة القضايا المرتبطة به.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر العام ذاته، أعلنت أنها تدرس إعادة فتح ملف استملاك أراضي ضاحية الشام، للبحث عن حلول قانونية وإدارية لتعويض المالكين المتضررين، سواء من خلال تعويضات مالية بالقيمة الرائجة أو منحهم شققاً سكنية في الأبنية غير المنجزة ضمن الضاحية، في محاولة لإنهاء نزاع عقاري متراكم منذ أكثر من أربعة عقود.

وكذلك الحال كان في محافظة العاصمة، حيث أكد محافظ دمشق ماهر مروان إدلبي في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 أن المرسوم 66 لعام 2012 الذي صدر في عهد النظام البائد، ظالمٌ وجائر وإرث بائد، وتطبيقاته العملية مجحفة بحق كثير من الأهالي، موضحاً أن المحافظة سعت لاتخاذ إجراءات احترازية في الأشهر الماضية، عبر تشكيل لجان متخصصة من وزارة الإدارة المحلية والبيئة والمحافظة مع تمثيل شعبي، حتى لا يتم ظلم المواطنين وانتهاك حقوقهم.

وأكد إدلبي حينها أن المرسوم 66 توقف من الناحية العملية ولن ينسحب إلى أي منطقة أخرى سواء باسيليا أو غيرها، حتى يُناقش أصولاً عبر الوزارات المختصة وتحت قبة مجلس الشعب ليصدر كقانون شامل لكثير من المناطق، على اعتبار أن إلغاء المرسوم أو تعديله ليس من صلاحية المحافظة كما يفهم بعض الأهالي، فهي جهة تنفيذية.

لخص أبو عمر، وهو أحد مخاتير منطقة كفرسوسة، لـ”القدس العربي”، مطالب الأهالي في منطقته بضرورة إسقاط المرسوم 66 أولاً

ولخص أبو عمر، وهو أحد مخاتير منطقة كفرسوسة، لـ”القدس العربي”، مطالب الأهالي في منطقته بضرورة إسقاط المرسوم 66 أولاً، ومن ثم وضع حد لعملية تشتيت الأهالي عبر إعادة إسكانهم ضمن مناطقهم العقارية الأصلية، مع تخليص محافظة دمشق امتيازاتها الاستثمارية التي ورثتها من عهد النظام السابق وحصر الاستملاكات بالمرافق العامة، كما كان عليه الحال قبل صدور المرسوم 66، إلى جانب وضع حلول منصفة تحفظ حقوق كل الأطراف فيما يتعلق والمقاسم التي هي قيد البناء.

وقال إن أبناء المزة وكفرسوسة واللوّان يطالبون بالعدالة، ويريدون مراجعة منصفة لكل ملفات الاستملاك القديمة، والإعلان بشفافية عن مصير أراض استُملكت ولم تُنفذ عليها المشاريع المعلن عنها.

ومن الغوطة الشرقية، قال أبو سعيد، أحد سكان بلدة مرج السلطان، لـ”القدس العربي”، إن مطالبنا شبيهة بمطالب الكثير من قرى الغوطة التي زرع فيها النظام السابق الثكنات العسكرية، وتقوم على إعادة الأراضي التي تم استملاكها منذ سبعينيات القرن الماضي، لصالح وزارة الدفاع، فهذه شكلت كارثة علينا وعلى منازلنا، مشيراً إلى أن النظام عمد إلى اقتطاع آلاف الدونمات من أراضي القرية وبنى عليها مطارين عسكريين للحوامات، إلى جانب مركز للرادار، لم تجلب سوى الدمار لقريتنا وللقرى المجاورة حين استخدمها النظام مع بداية الثورة منطلقاً لقصف الثوار، ثم باتت هدفاً دائماً للقصف الإسرائيلي مع ما يتبع ذلك من تدمير لمنازل المدنيين القريبة.

وفي تعليقه على الوقفة الاحتجاجية، ومطالب المشاركين فيها، اعتبر عضو مجلس الشعب عقيل حسين أن ملف الاستملاكات الموروث من النظام السابق، مشكلة معقدة وواسعة وضخمة جداً، وقال لـ”القدس العربي” إنه وبعد التحرير وسقوط النظام البائد، شهدنا العديد من الوقفات الاحتجاجية والمظاهرات والتجمعات التي طالبت الحكومة الحالية بحل مشاكل الاستملاكات، ولكن ذلك تحميل للحكومة الحالية بما لا تحتمله، وعلى الأقل من ناحية الوقت أو الإمكانيات.

وبين أن المخرج لمشكلة الاستملاكات هي في تعليق بعضها وحتى إلغائها، وتأجيل البت بالآخر منها، وقال: “إن قرارات الاستملاكات تنقسم بين حديثة وقديمة، والأولى هي التي صدرت إثر انطلاق الثورة عام 2011، وهذه أعتقد أن على الحكومة القيام بتجميدها وإعادة النظر فيها، وإنصاف المتضررين منها على الفور، أو حتى إلغائها إن كانت غير مشروعة أو غير ضرورية”.

الوقفة أمام مجلس الشعب شاركت فيها فعاليات مختلفة، وكان من بينهم المعارض البارز لنظام الأسدين والناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان المحامي هيثم المالح

وتابع: “أما قرارات الاستملاك القديمة التي يعود بعضها لعقود خلت تصل إلى ستينيات القرن الماضي، بما فيها قرارات الإصلاح الزراعي والتأميم، فإن البت بها سيحمل الحكومة أعباء كبيرة جداً لا تحتملها، وسيخلق لها مشاكل كبيرة وواسعة هي في غنى عنها، وخصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم المشاكل والتحديات الأخرى المطلوب من الحكومة السورية إيجاد حلول لها ومعالجتها”.

وانتهى حسين إلى القول إن خلق مشكلة مزمنة اليوم لن يساعد الحكومة، وأرى أن المخرج هو في تجميد أو إعادة النظر بقرارات الاستملاك الحديثة وتأجيل طرح القديمة منها لإعطاء الحكومة الوقت الكافي حتى تستطيع إنجاز الأعمال الملحة والضرورية المطلوبة منها.

الوقفة أمام مجلس الشعب شاركت فيها فعاليات مختلفة، وكان من بينهم المعارض البارز لنظام الأسدين والناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان المحامي هيثم المالح، واعتبرها خطوة على الطريق لاستعادة المتضررين من الاستملاكات لحقوقهم المسلوبة، وأكد لـ”القدس العربي” أن الوقفة كانت الأكبر وشارك فيها الآلاف من جميع مدن وبلدان ريف دمشق، إضافة إلى ممثلين عن عدد من أحياء العاصمة التي قام النظام البائد بالاستيلاء عليها بحجة الاستملاك للنفع العام.

ورأى أن تنظيم الاعتصامات المطالبة باسترجاع الحقوق المسلوبة، قد يترك أثره على تحريك هذا الملف، والاحتجاجات قد تكون بداية العمل، لكن لا بد وأن تتبع بتنظيم مذكرات خطية تعدها لجان قانونية مختصة يتم تشكيلها لهذه الغاية، لتقديمها إلى البرلمان، ولوزير العدل.

وأوضح أن حالات كثيرة من عمليات الاستملاك حصلت منذ فترات بعيدة، ونشأ عليها حقوق للغير، وبات من المستحيل إعادتها لأصحابها، وفي هذه الحالة ينقلب حق الاستعادة إلى التعويض المالي وهو أمر ممكن، ووفق أسعار يمكن دراستها وتقديرها لتكون عادلة.

حالة جديدة

وبين أن الحكومة تستفيد من عمليات الاستملاك، وعرضت بعضها للاستثمار على اعتبار أنها أراض مستملكة منذ فترة طويلة، ولكن عودة الأهالي، إثر إسقاط نظام الأسد البائد، للمطالبة بحقوقها بعد أن باتت قادرة على رفع صوتها لاسترجاع أملاكها المنهوبة، وتنظيم أكثر من اعتصام بهذا الخصوص، خلق حالة جديدة ووضعاً سيدفع باتجاه إيجاد مخارج مرضية لجميع الأطراف، معتبراً أن تنظيم الاعتصامات وتكرارها وتوسيعها سينعكس بالتأكيد إيجاباً على أصحاب العقارات.

حسب المالح، عمليات الاستملاك وخصوصاً التي نفذها النظام في سنواته الأخيرة مثل مشروعي “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي” هي محاولات لتدمير دمشق التاريخية

وقال إن الوضع في سوريا تغير بالتأكيد، وإن لم يصل بعد إلى المستوى المأمول، لكنه أفضل، فأنا عايشت ممارسات النظام السابق، وكنت أحد الذين تم شحننا بباصات إلى أماكن بعيدة عن دمشق، لمجرد أننا نظمنا اعتصاماً شارك فيه العشرات، وبعد أن سقط النظام بمعجزة إلهية، كنت أيضاً ممن شارك في اعتصام يوم الجمعة أمام مجلس الشعب مع الآلاف ممن حضر من العاصمة ومدن وبلدات ريفها الواسع، وأقمنا صلاة يوم الجمعة، من دون أن يعترضنا أحد.

وحسب المالح، منذ بداية الحرب الروسية – الأوكرانية، كان مصير نظام الأسد قد تقرر، فسقط مشروع الاستبداد وسقط أيضاً المشروع الإيراني، ونسعى حالياً لترسيخ مبادئ الحرية والديمقراطية في دولتنا الجديدة، وعمليات الاستملاك وخصوصاً التي نفذها النظام في سنواته الأخيرة مثل مشروعي “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي” هي محاولات لتدمير دمشق التاريخية، مؤكداً أن كل القوانين التي نشأت في سوريا في ظل حكومات عسكرية استبدادية تتضمن داخلها أخطاء، لا بد من العمل على إعادة النظر بها من قبل لجان قانونية مختصة وخبيرة.