بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

بري يسحب الغطاء عن اتفاق الإطار… ورسائله تبلغ بعبدا!

بري يسحب الغطاء عن اتفاق الإطار… ورسائله تبلغ بعبدا!

لم يسمِّ رئيس مجلس النواب نبيه بري رئيس الجمهورية جوزاف عون، ولم يوجّه إليه انتقاداً شخصياً مباشراً، لكنه وضع في كلمته حول ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر سلسلة من الخطوط الحمراء التي تصيب عملياً المسار التفاوضي الذي ترعاه بعبدا، وتسحب عنه الغطاء السياسي الذي يحتاج إليه للاستمرار.


فحين يقول بري إن خطورة المرحلة “لا تعطي أحداً حق التصرف بأي من العناوين السيادية، سواء تحت مسمى اتفاق إطار أو ملحقات سرية”، فهو لا يعترض على تفصيل داخل الاتفاق، بل يطعن في طريقة إنتاجه وحدود التفويض الذي استند إليه أصحابه. والرسالة هنا لا تحتاج إلى تسمية: الجهة التي قادت التفاوض وغطّت الاتفاق هي المعنية أولاً بسؤال بري عن حق التصرف بالقضايا السيادية.


ومن زاوية اتفاق الإطار، لا يرفض بري مبدأ التفاوض بقدر ما يرفض الصيغة التي يجري وفقها: تفاوض مباشر تحت النار، في غياب إجماع وطني، فيما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية وتوسيع احتلالها وتغيير الوقائع الميدانية. ولذلك، لم يناقش بنود الاتفاق بنداً بنداً، بل حاول إسقاط شرعيته السياسية من أساسها.


وحدّد بري، بصورة مباشرة أو ضمنية، أربعة محظورات: رفض تحويل الجنوب إلى “مناطق تجريبية” يُمتحن فيها الجيش اللبناني قبل أن تقرر إسرائيل الانسحاب، ورفض الفصل الأمني بين شمال الليطاني وجنوبه، ورفض استبدال مرجعية القرار 1701 واليونيفيل بترتيبات ثنائية جديدة، ورفض تعليق حق لبنان والمؤسسات والأفراد في ملاحقة إسرائيل والمطالبة بالتعويض عن جرائمها.


وبهذا المعنى، يخشى بري أن يتحول اتفاق الإطار من وسيلة لإنهاء الاحتلال إلى آلية تمنحه غطاءً جديداً، بحيث يصبح الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً بتقييم إسرائيل نفسها لأداء الجيش اللبناني، وتتحول “المناطق التجريبية” إلى منطقة عازلة تتغير شروط الخروج منها كلما نفّذ لبنان شرطاً جديداً.


وعندما يسأل بري: “سبع جولات من التفاوض، ماذا كانت النتيجة؟”، ثم يجيب بأن رقعة الاحتلال اتسعت ومساحات التدمير ازدادت وعدد الشهداء ارتفع، فهو يحاكم الاتفاق بنتائجه، ويوجّه انتقاداً واضحاً إلى إدارة المسار التفاوضي. إلا أن الربط بين الجولات وتوسع الاحتلال يبقى سياسياً أكثر منه سببياً، لأن تزامن التفاوض مع استمرار العدوان لا يعني بالضرورة أن التفاوض هو الذي تسبب بتوسع الاحتلال، بل قد يعني أن إسرائيل استغلته لتحسين شروطها بالقوة.


في المقابل، يقدّم بري القرار 1701 واليونيفيل والجيش اللبناني بوصفها المرجعية البديلة لأي ترتيب ثنائي. وهذه نقطة قوة في خطابه، لأنه يرفض منح إسرائيل حق التحول إلى جهة تقيّم أداء الجيش أو تحدد مدى أهليته للانتشار على أرضه. لكنه يستخدم القرار 1701 بصورة انتقائية، فيشدد على ما يفرضه على إسرائيل من انسحاب ووقف للخروقات، من دون أن يتناول بالوضوح نفسه ما يفرضه على لبنان لجهة حصرية السلاح والسلطة الأمنية بيد الدولة.


وتظهر هذه الثغرة أيضاً عندما يؤكد بري أن الجنوب مسؤولية الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية والدستورية، من دون أن يشرح كيف يمكن تثبيت هذه المسؤولية في ظل استمرار ازدواجية السلاح والقرار العسكري. فالخطاب يرفع الجيش إلى موقع المرجعية الوطنية، لكنه لا يقدّم تصوراً عملياً لكيفية تمكينه من أداء هذا الدور منفرداً.


كما أن قول بري إن المطلوب إسرائيلياً ليس حزب الله ولا سلاحه، بل الفتنة، يحمل قدراً واضحاً من المبالغة. فإسرائيل تستهدف الحزب وسلاحه فعلياً، لكنها تستخدم هذا الاستهداف أيضاً لفرض إعادة تشكيل سياسية وأمنية للجنوب، ولتحويل الخلاف على السلاح من نزاع لبناني–إسرائيلي إلى مواجهة داخلية بين الجيش وبيئة الجنوب. وهنا تصيب مخاوف بري جانباً حقيقياً من الخطر، لكنها لا تختصر كامل المشهد.


قانونياً، لا يشكّل غياب الإجماع الوطني وحده سبباً كافياً للقول إن التفاوض غير دستوري. فالمادة 52 من الدستور تمنح رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض في عقد المعاهدات بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن يُطلع مجلس الوزراء، وأن تمر الالتزامات التي تستوجب ذلك بالمؤسسات الدستورية المختصة، بما فيها مجلس النواب بحسب طبيعة الاتفاق.


لذلك، فإن الاعتراض الأقوى في خطاب بري سياسي وسيادي أكثر منه حكماً قانونياً ببطلان الاتفاق. أما حديثه عن “ملحقات سرية”، فيطرح شبهة جدية حول الشفافية، لكنه يحتاج إلى كشف مضمون هذه الملحقات لإثبات أنها أنشأت التزامات لم توافق عليها المؤسسات الدستورية.


ولا يمكن عزل هذا التصعيد عن موقع بري نفسه. فهو لا يتحدث فقط باسم حركة أمل وكتلة التنمية والتحرير، بل يعلن أن أي تسوية قابلة للحياة تحتاج إلى غطاء وطني لا يمكن تجاوزه، ويوجّه إلى واشنطن وإسرائيل رسالة مفادها أن التفاهم مع السلطة التنفيذية وحدها لا يكفي إذا بقي جزء أساسي من الداخل اللبناني خارج الاتفاق.


أما الرسالة إلى بعبدا، فهي الأوضح: هامش الرئاسة في التفاوض ليس تفويضاً مفتوحاً، وأي اتفاق يمس الأرض أو شكل الانتشار الأمني أو حق المقاضاة أو مرجعية القرار 1701 سيواجه اعتراضاً سياسياً ومؤسساتياً.


هكذا، لم يعلن بري مواجهة مع جوزاف عون، لكنه نقل الخلاف معه من الكواليس إلى العلن، وصوّب على خيارات العهد من دون أن يصوّب على شخص الرئيس. إنها رسالة إنذار إلى بعبدا، ومحاولة لفرض حق النقض على المسار التفاوضي قبل أن تنتقل تفاهماته من الورق إلى أرض الجنوب.