رسالة إلى من يكتب فلسطين
٢٢ آب، ٢٠٢٦
الزملاء والأصدقاء، كتّاب وأدباء فلسطين في لبنان
ينعقد اليوم المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين ـ فرع لبنان، بحضور الأمانة العامة للاتحاد، في هذا العرس الثقافي الذي انتظرناه طويلاً، والذي أعتبر نفسي جزءاً من التحضير له، مستذكراً أصدقاء أعزاء رحلوا، نافذ أبو حسنة وإسكندر حبش، وسواهما من زملاء بينكم، وجنود مجهولين ومعلومين، أسهموا في أن نصل إلى هذه اللحظة.
أيها الأعزاء،
قال تيودور أدورنو: «ما نفع الشعر بعد أوشفيتز؟». لم يكن يقصد إدانة الشعر، بل كان يحذّر من لغة تتصرف وكأن الكارثة لم تقع، وكأن الكلمات تستطيع أن تبقى بريئة أمام موت بهذا الحجم. ونحن، يا رفاق القلم، نكتب اليوم الزمن الفلسطيني، فيما أصبحت الإبادة يومية، والجريمة تُرتكب أمام عيون العالم، من غزة إلى الضفة والقدس، وإلى شتاتٍ «يشلع» قلوبنا وعائلاتنا وحياتنا.
وليس عابراً أن نلتقي في بيروت؛ المدينة التي احتضنت فلسطين، وحملت في ذاكرتها وجعها، وعانقتها باللغة والقصيدة والرواية والفكر. هنا، حين ضاق المكان، صار الكتاب وطناً، وحين ابتعد الوطن، حملته الكلمة إلى العالم.
ومن بيروت نستعيد السؤال إلينا:
ليس السؤال: من يمثّل الاتحاد؟ بل: ماذا نريد أن يمثّل الاتحاد؟
يُحسب للأمانة العامة أنها حافظت على الاتحاد إطاراً وطنياً عابراً للحدود، يصل غزة والضفة والقدس والداخل والمخيمات والمنافي، ويمنح الثقافة الفلسطينية فضاءً جامعاً لا تمزقه خرائط الانقسام. وكما أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار الوطني الجامع لشعبنا في أماكن وجوده كافة، فإن وحدة الثقافة وجه من وجوه وحدة الشعب والأرض والقضية، ووحدة الحلم الفلسطيني أيضاً.
وليس السؤال: من يفوز في الهيئة الإدارية؟ بل: أي اتحاد نريد، وأي دور نريد للثقافة الفلسطينية؟
لقد تغيرت فلسطين منذ تأسيس الاتحاد. تبدلت الجغرافيا، وانقسم النظام السياسي، وتراجعت المؤسسات الجامعة، فيما اتسع استهداف الاحتلال للإنسان الفلسطيني وذاكرته وروايته. وفي مواجهة ذلك، نحتاج إلى اتحاد قوي ومستقل وديمقراطي وواسع التمثيل؛ اتحاد لا يُختزل في أشخاص، ولا يتحول إلى ملحق فصائلي أو ساحة للقسمة والمحاصصة.
نريد اتحاداً يكون، بوصفه فضاءً للعقل الفلسطيني، راوياً من داخل الجرح لا متفرجاً عليه. وهذه مسؤولية لها جذور عميقة في تجربتنا. ففي بيروت تحديداً، لا يمكن عبور الذاكرة الثقافية الفلسطينية من دون غسان كنفاني، ومحمود درويش، وعز الدين القلق، وكمال ناصر، وماجد أبو شرار؛ أولئك الذين جعلوا الكلمة جزءاً من فعل التحرر، وتركوا لنا سؤالاً يتجدد: ماذا نفعل بالكلمة حين يصبح الغياب موقفاً؟
وفي قلب هذه الرواية تبقى المخيمات؛ لا أماكن عالقة في الماضي، بل ذاكرة حيّة تحرس حق العودة من جيل إلى جيل. فالمخيم لا ينتظر العودة فقط، بل يحفظ حقها حتى تعود فلسطين إلى أهلها.
ومن هنا، فإن انعقاد اتحادنا ليس مناسبة فصائلية ولا حملة انتخابية، بل استعادة لدور مؤسسة نشأت في قلب المعركة الوطنية، وجمعت الكتاب الفلسطينيين تحت مظلة ثقافية واحدة، إيماناً بأن وحدة الثقافة وجه من وجوه وحدة الشعب والقضية.
أيها الأصدقاء،
رهاننا أن يكون هذا المؤتمر بداية لمرحلة يستعيد فيها الاتحاد دوره كفضاء وطني جامع؛ أوسع من الاصطفافات، وأعمق من المحاصصات، وأقدر على حماية التنوع والإبداع والذاكرة، وعلى جعل الثقافة الفلسطينية قوةً في الدفاع عن الرواية والهوية والحق.
وهنا لا بد من تحية الأمانة العامة للاتحاد، التي أسهمت في وصل الكتاب الفلسطينيين في الوطن والشتات، والحفاظ على وحدة الإطار الثقافي الوطني. والتحية للأخ مراد السوداني، الأمين العام، على نَفَسه الوطني، ونبضه الثقافي الأصيل، وحسّه السليم، الذي نراهن عليه في مواصلة بناء اتحاد يليق بفلسطين وكتّابها.
فليكن هذا المؤتمر بداية جديدة تحفظ للاتحاد مكانته، وللكلمة الفلسطينية حريتها، وللثقافة دورها في صون الذاكرة والرواية والحق.
فلسطين التي كُتبت بالدم والحلم والكلمة، علينا اليوم أن نحرس حقها في أن تكتب نفسها.
مروان عبد العال
كاتب وروائي فلسطيني
عضو المكتب السياسي-الجبهة الشعبية
