نشرت مجلة “ذي أتلانتك” تقريرا أعدته فيفيان سلامة قالت فيه إن السناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي توفي فجأة يوم السبت كان محوريا في دفع الرئيس دونالد ترامب لضرب إيران.
فقبل أيام من شن الولايات المتحدة حربها على إيران في أواخر شباط/ فبراير، زار مسؤول عربي الجناح الغربي للبيت الأبيض، وعندما فتح باب المكتب البيضاوي كشف عن ثلاثة وجوه مألوفة: وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث والسناتور عن ولاية ساوث كارولينا ليندسي غراهام. وسأل المسؤول العربي غراهام، مازحا: “ماذا تفعل هنا؟”، وبخاصة أنه التقى بالسناتور قبل أيام قليلة، فأجابه غراهام مبتسما: “أنا هنا دائما”.
وقد أمضى غراهام أسابيع وهو يجادل بأن الحرب مع إيران ليست مبررة فحسب، بل ضرورية أيضا، متنقلا بين إسرائيل والبيت الأبيض لمساعدة حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الضغط من أجل الحرب. في وقت حذر فيه مسؤولون عرب غراهام وفي أكثر من مناسبة من العواقب الوخيمة التي قد تطلقها الحرب، لكن غراهام ظل مصرا على موقفه.
وتضيف سلامة أن من الصعب المبالغة في تقدير تأثير غراهام في صياغة السياسة الخارجية للرئيس ترامب خلال ولايته الثانية، وبخاصة أن واشنطن حافلة بالجمهوريين المتحمسين لتبني نهج أكثر حزما في الشؤون الخارجية.
لكن ما ميز غراهام، هو قدرته على إقناع ترامب، فقد فهم غرائز الرئيس ودوافعه السياسية ونفوره من الالتزامات العسكرية المفتوحة وتعلم صياغة التدخل بعبارات وجدها ترامب جذابة.
بوفاة غراهام، فقدت أمريكا أحد الشخصيات القليلة التي عملت كمترجم بين اتجاهين متنافسين في السياسة الخارجية الجمهورية: ميل ترامب نحو الانعزالية بشعار “أمريكا أولا”، ونهج التدخل الذي ساد في عهد رونالد ريغان والذي لم يتخلَ عنه غراهام قط
ولهذا تقول سلامة إنه وبوفاة غراهام، فقدت أمريكا أحد الشخصيات القليلة التي عملت كمترجم بين اتجاهين متنافسين في السياسة الخارجية الجمهورية: ميل ترامب نحو الانعزالية بشعار “أمريكا أولا”، ونهج التدخل الذي ساد في عهد رونالد ريغان والذي لم يتخلَ عنه غراهام قط. فمن ناحية، نجح غراهام جزئيا في ملف أوكرانيا، حيث أقنع الرئيس بعدم التخلي عن كييف لصالح الكرملين، كما نجح في إقناع ترامب بشن حرب على إيران، وهو مسعى أثبت حتى الآن أنه خطأ فادح.
وكان غراهام قد غير موقفه وبشكل شهير ومحرج، من معارض وناقد لترامب في عام 2016 إلى حليف رئاسي ورفيق في لعبة الغولف.
وبحلول عام 2024، ومع ترشيح ترامب المفترض للرئاسة، كان من الواضح أن المعركة على دعم الجمهوريين لأوكرانيا ستحسم في مار-إي- لاغو.
فقد كان ترامب يشتكي خلال حملته الانتخابية من مليارات الدولارات التي تقدمها الولايات المتحدة للدول الأجنبية بدلا من معالجة المشاكل الداخلية. ولطالما انتقد أوكرانيا ووصفها بالفساد، وكان غاضبا لأن ما أسماه “مكالمته المثالية”، حيث طلب من الرئيس فولوديمير زيلينسكي في عام 2019 الإعلان عن تحقيق مع جو بايدن وابنه هانتر، أدى إلى عزله.
وفي ولاية ترامب الثانية، رأى غراهام أن الوقت قد حان لتوجيه القوة الأمريكية نحو مكان آخر: إيران.
ففي أوائل كانون الثاني/يناير من هذا العام، استقل غراهام طائرة الرئاسة “إير فورس ون” مع عودة ترامب من عطلة في بالم بيتش. ولم يخف غراهام هدفه، فنشر لاحقا صورة له مع الرئيس وهو يحمل قبعة موقعة من ترامب كتب عليها: “لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى”.
وبعد أسبوع، كتب ترامب رسالة على موقع “تروث سوشيال” موجهة إلى الشعب الإيراني، الذي كان قد بدأ حينها احتجاجات حاشدة ضد حكومته: “استمروا في الاحتجاج” فـ”المساعدة في الطريق”.
وقد رأى الصقور، مثل غراهام أن الفرصة سانحة في تلك الاحتجاجات، وجادل نتنياهو بأن الوقت مناسب للهجوم.
وفي الأسابيع التي سبقت الحرب، سافر غراهام من واشنطن إلى إسرائيل ثم إلى ميونيخ، مؤكدا أن إيران تشكل تهديدا نوويا وشيكا، وأن العديد من حلفاء أمريكا يرتكبون الخطأ نفسه الذي ارتكبه ترامب سابقا: الاستهانة بالخطر. وقد اعتقد غراهام أن فرصة مهاجمة إيران لم تكن متاحة خلال ولاية ترامب الأولى. على الرغم من أنه لطالما جادل بأن النظام الإيراني يشكل تهديدا على الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أنه لم يكن يعتقد أن ترامب كان مستعدا لاستخدام القوة. ونقلت الكاتبة عن غراهام قوله إن الرئيس كان أقل ثقة بالجيش، وإن نظرته إلى نفوذ أمريكا في الخارج أصبحت أكثر محدودية.
وجادل غراهام بأن عودته إلى منصبه قد غيرت ترامب، فجعلته أكثر براغماتية، وأكثر استعدادا للمخاطرة وأكثر استعدادا لبسط النفوذ الأمريكي.
كما ورأت إسرائيل أيضا فرصة في غراهام. فبعد أن شعر ترامب بالإحباط من نتنياهو العام الماضي بسبب سلسلة من العمليات العسكرية التي اعتبرها البيت الأبيض مفرطة وتقوض جهود تهدئة المنطقة، لجأ نتنياهو إلى صديقه القديم طلبا للمساعدة.
وكان غراهام، كسناتور جديد، قد نسج علاقة وطيدة مع السناتورين المخضرمين جون ماكين وجو ليبرمان، المعروفين بمواقفهما المتشددة، حتى أصبحوا يعرفون في واشنطن باسم “الأصدقاء الثلاثة”. وقاموا معا بزيارات رسمية متكررة إلى إسرائيل، مما أدخل غراهام مباشرة في دائرة نتنياهو السياسية والشخصية.
وفي وقت سابق من هذا العام، سافر غراهام إلى إسرائيل للقاء مسؤولين من الموساد، جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلي. فقد نشر الموساد تقييمات استخباراتية تزعم أن التهديد الإيراني كان أكثر إلحاحا مما كشفته الاستخبارات الأمريكية. ثم استخدم غراهام هذه الحجج نفسها في محادثاته مع ترامب في محاولة لإقناع الرئيس بأن العمل العسكري أصبح حتميا.
ونقلت الكاتبة عن مسؤولين عرب قولهم إن غراهام، في الأسابيع التي سبقت العمليات العسكرية، كان يستخدم التقييمات الإسرائيلية لدعم حجته حول جدوى خوض الحرب. لكن الضربات العسكرية لم تكن أبدا هدف غراهام النهائي، بل كان تغيير النظام.
وفي شباط/ فبراير، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، دار حوار عفوي بين غراهام وعدد من الصحافيين الآخرين، كانت سلامة من بينهم.
وسأل: “ماذا يريد ليندسي غراهام؟” قبل أن يجيب على سؤاله بنفسه: “تغيير النظام!” ثم تابع: “متى يريده؟” وصمت.
قبل أن يجيب:”الآن!”. وشن ترامب الحرب إلى جانب إسرائيل بعد أسبوعين، في 28 شباط/فبراير.
وكان أهم دافع وراء غراهام ضد إيران، إيمان بأن القوة العسكرية يجب أن تكون لها الأولوية أحيانا. لكن نهج ترامب تجاه إيران، المتأثر بأفكار غراهام، أثبت عدم نجاحه، وأدى إلى إحباط في البيت الأبيض. وترى الكاتبة أن غراهام نجح وبطريقة ما في نهجه من أوكرانيا، ولكن ليس مع إيران. فلطالما جادل غراهام بأن ترامب سيسدي للعالم معروفا باغتيال آية الله ومن يخدمونه.
ورأى أن مفتاح استقرار الشرق الأوسط يكمن في تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية. لكن هذا التطبيع، كما قال غراهام، لن ينجح إلا إذا تغير النظام الإيراني.
لكنه أقر بأن استخدام القوات البرية الأمريكية سيكون أمرا صعبا. وقال غراهام للكاتبة ولعدد من الصحافيين في ميونيخ: “لست انعزاليا بأي حال من الأحوال، لكنني تعلمت من العراق بأن التورط في الصراعات قد يكون صعبا. لقد تمكن ترامب بطريقة ما من إدارة سياسة خارجية قوية على غرار سياسة ليندسي غراهام/ريغان دون أن يورطنا في أي صراع”.
وعندما سألت الكاتبة غراهام عن كيفية تغيير النظام دون غزو بري. أجاب: “القوات البرية هي القوات الإيرانية”، مشيرا إلى أن الشعب الإيراني سيؤمّن بلاده بعد الإطاحة بالنظام. وقد ردد ترامب هذا الكلام في الساعات الأولى بعد شن الحرب، داعيا الإيرانيين إلى الانتفاض بمجرد أن تلحق القوات الأمريكية والإسرائيلية هزيمة ساحقة بقيادتهم. وقال غراهام أيضا إن الولايات المتحدة يمكنها الاعتماد على حلفائها في المنطقة، مهما كانت رغبتهم في ذلك، للمساعدة. وأضاف: “لدينا السعودية والإمارات العربية المتحدة. بإمكانهم تقديم مساعدة هائلة للشعب الإيراني. بإمكانهم المساعدة في بناء البنية التحتية”.
وبحلول نيسان/ أبريل، شكل إغلاق إيران لمضيق هرمز تهديدا للاقتصاد العالمي، في وقت تمسك فيه النظام الإيراني بالسلطة.
وأطلقت الولايات المتحدة محادثات، بقيادة نائب الرئيس فانس وبوساطة باكستانية، على أمل التوصل إلى وقف لإطلاق النار وفتح المضيق. كان غراهام متشككا. وقال في جلسة استماع بمجلس الشيوخ في أيار/ مايو: “لا أثق بباكستان على الإطلاق، لا عجب أن هذا الأمر اللعين لا يحرز أي تقدم”. كما أيد زيادة الإنفاق العسكري وأصر على أن سقوط النظام الإيراني سيؤدي إلى جني الولايات المتحدة “أموالا طائلة”. ومع مرور الأشهر، وتأكد عدم صحة تفاؤل غراهام الأولي بشأن الحرب، أشار سرا إلى انفتاحه على المحادثات، كما أخبرها العديد من مساعدي الكونغرس، ولكن فقط بعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر في إسرائيل وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في تشرين الثاني/نوفمبر، وفقط إذا استؤنفت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وبعد أسابيع من المفاوضات، وقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم الشهر الماضي بهدف معالجة قائمة من المظالم لدى الجانبين. إلا أن هذا الاتفاق الدائم أثبت هشاشته أيضا، فقد أعلن ترامب الأسبوع الماضي انتهاء وقف إطلاق النار، واستؤنف القتال. وتوفي غراهام يوم السبت نتيجة تمزق في الشريان الأورطي، وفقا للنتائج الأولية للطبيب الشرعي. وفي الليلة نفسها، أعلنت إيران مجددا إغلاق مضيق هرمز.
