تتزايد حالة الاستياء في دول الخليج من السياسة الأميركية تجاه إيران، في وقت يحاول فيه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو احتواء تداعيات الاتفاق الذي تقوده واشنطن مع طهران. وبينما تسوّق الإدارة الأميركية الاتفاق باعتباره خطوة لإرساء الاستقرار، تنظر إليه عواصم الخليج باعتباره صفقة تُحمّلها كلفة الحرب، فيما تحصل إيران على مكاسب سياسية ومالية.
وبحسب تقرير للصحافية آنا برسكي في صحيفة معاريف، فإن زيارة روبيو إلى الخليج هذا الأسبوع لم تكن سهلة، إذ وصل إلى أبوظبي والكويت والمنامة وهو يدرك مسبقًا حجم الغضب الذي ينتظره. ووفق التقرير، لم يستقبله قادة المنطقة بأجواء احتفالية، بل وضعوا أمامه حصيلة مباشرة للحرب، شملت أضرارًا في منشآت مدنية، وتعطلًا في المطارات والموانئ، وخسائر في منشآت الطاقة والفنادق، واضطرابًا لأسابيع في حركة التجارة البحرية، وارتفاعًا في تكاليف التأمين البحري، وتأخر السفن، وتعطل تدفق النفط بصورة طبيعية.
ويشير التقرير إلى أن قادة الخليج يشعرون بأنهم يُطلب منهم مرة جديدة دفع ثمن اتفاق مع إيران، في الوقت الذي تخرج فيه طهران من الحرب وهي تحصد تسهيلات ومكاسب.
ووفق مصادر دبلوماسية أوردها التقرير، تتمثل المطالبة الإماراتية الأساسية في عدم الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة قبل أن تدفع طهران ثمن ما تسببت به. وبحسب هذه المصادر، ترفض أبوظبي حاليًا الإفراج عن نحو 3 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة، معتبرة أن إيران لا يمكن أن تخرج من الحرب وهي تحصل على أوكسجين مالي وشرعية سياسية وفرصة جديدة للتجارة، وكأنها لم تتسبب بأضرار لجيرانها ولم تهدد الملاحة في مضيق هرمز.
ويضيف التقرير أن هذه المبالغ ليست سوى جزء من الصورة، إذ يجري الحديث عن نحو 12 مليار دولار موجودة في قطر، إضافة إلى 3 مليارات دولار في الإمارات، فضلًا عن نقاشات تتعلق بأموال إيرانية أخرى مجمدة في العراق ودول أخرى، إلى جانب تداول فكرة إنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار إيران.
وتنظر دول الخليج، بحسب التقرير، إلى هذه الأموال باعتبارها "فاتورة" كُتبت في واشنطن وتُطلب منها تغطيتها، وليس مبادرة لبناء الثقة أو فتح صفحة جديدة.
ويرى التقرير أن مذكرة التفاهم التي أعقبت الحرب تُعرض في واشنطن على أنها إنجاز، بعدما أعيد فتح مضيق هرمز وهدأت الأسواق ودخلت إيران في مسار تفاوضي يمتد 60 يومًا، بما يسمح للرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقول إنه أبعد العالم عن حافة التصعيد. لكن القراءة الخليجية مختلفة تمامًا، إذ تعتبر أن إيران تحصل على مكافأة قبل التأكد من تغيير سلوكها.
ويؤكد التقرير أن دول الخليج كانت تتوقع أن تترجم الضربات العسكرية ضد إيران إلى اتفاق أكثر صرامة يشمل قيودًا أشد على برنامجها النووي، ومعالجة ملف الصواريخ الباليستية، وكبح نفوذ أذرعها الإقليمية، وضمان حرية الملاحة، وفرض ثمن اقتصادي على سياساتها، إلا أن النتيجة جاءت، بحسب التقرير، أقل بكثير من تلك التوقعات.
ويضيف أن إيران، رغم تعرضها لضربات عسكرية، لا تزال تمتلك القدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز والمنشآت النفطية، وهو ما يجعل أي ترتيبات أمنية في الخليج غير قابلة لتجاوزها.
ويشير التقرير إلى وجود تباين واضح بين الرواية الأميركية والرواية الإيرانية. ففي حين تقول واشنطن إن طهران تعهدت بعدم فرض رسوم على عبور مضيق هرمز، تتحدث إيران عن فترة تمتد 60 يومًا يعاد بعدها البحث في "الخدمات" و"الأمن" و"التأمين"، وهي مصطلحات يعتبرها التقرير مدخلًا لبناء آلية جديدة تمنح إيران دورًا دائمًا في إدارة الممر البحري.
كما يلفت إلى أن سلطنة عمان وقطر تتحركان داخل هذه المساحة، حيث تواصل الأولى لعب دور قناة التواصل الهادئة، بينما تعزز الثانية موقعها كوسيط إقليمي، في وقت تدرك فيه دول الخليج أن الوجود العسكري الأميركي لم يعد يوفر الضمانة الكاملة لأمن الملاحة.
وبحسب التقرير، فإن السعودية تراقب المشهد بحذر، فهي ترى قطر وتركيا وباكستان تقترب من دور الوسيط مع إيران، كما ترى الإمارات والبحرين والكويت غاضبة من طهران لكنها تحتاج إلى الاستقرار معها. لذلك، فإن الرياض ستختار المسار الذي يمنحها أكبر قدر من الأمن والنفوذ، سواء مر عبر واشنطن أو من خلال قناة خليجية - إيرانية أكثر حذرًا.
ويرى التقرير أن دول الخليج لا تغيّر تحالفاتها، لكنها باتت تعتبر أن الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية لم يعد كافيًا. وإذا كانت واشنطن مستعدة لتخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية قبل الحصول على ضمانات كاملة، فإن هذه الدول ستسعى إلى فتح قنوات موازية مع طهران بدافع الحفاظ على مصالحها، لا نتيجة مصالحة سياسية معها.
ويشير التقرير إلى أن قضية الأموال أصبحت محور الغضب الأساسي في الخليج، إذ تنظر أبوظبي والمنامة والكويت إلى الإفراج عن الأموال الإيرانية على أنه "دفع مسبق" لطهران مقابل وعود لم تُختبر بعد.
وفي هذا السياق، يوضح التقرير أن ماركو روبيو يحاول معالجة أزمة لم يصنعها بنفسه، في ظل وجود تباين داخل إدارة ترامب بين مقاربة روبيو الأكثر تشددًا تجاه إيران، وتوجه نائب الرئيس جي دي فانس الذي يفضّل تقليص الانخراط العسكري الأميركي وإبرام تفاهمات سريعة حتى لو بقيت الملفات الإقليمية عالقة.
ويخلص التقرير إلى أن إسرائيل كانت تأمل بأن تؤدي الحرب إلى تشكيل جبهة إقليمية أكثر تشددًا ضد إيران، إلا أن ما حدث هو العكس؛ إذ باتت دول الخليج أكثر براغماتية، فهي تريد الاستقرار وحرية الملاحة واستمرار تدفق النفط أكثر مما تريد الانخراط في مواجهة مفتوحة.
ويختتم التقرير بأن إيران خرجت من الحرب متضررة لكنها لم تخرج معزولة، بينما اكتشفت إسرائيل مجددًا أن الإنجازات العسكرية لا تكفي وحدها لصناعة نظام إقليمي جديد، وأن خرائط الشرق الأوسط لا تُرسم فقط في ميادين القتال، بل أيضًا على طاولات التفاوض.
