تناولت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية في تقرير لها كواليس انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح الفلسطينية، وما يحيط به من رهانات سياسية وصراعات على الخلافة داخل السلطة الفلسطينية.
وقالت الصحيفة إنه في شوارع رام الله الصاخبة، حيث مقر السلطة الفلسطينية، يستقبل السكان افتتاح المؤتمر الثامن لحركة فتح اليوم الخميس بنوع من اللامبالاة؛ في وقت بات فيه هذه الحركة الحاكمة تجسد سلطة هرمة متهمة بالفساد والعجز، في مختلف أنحاء الضفة الغربية.
في ظل هذا الفتور العام، تضيف “لوفيغارو”، لا يثير الانتباه سوى اسم واحد، هو ياسر عباس (64 عاماً)، نجل الرئيس الحالي للسلطة الفلسطينية، محمود عباس. فترشح رجل الأعمال الثري هذا، الذي لطالما أثارت ثروته شبهات المحاباة والقرب من دوائر الحكم، لخوض الانتخابات، ترى فيه عدة مصادر تمهيدًا للدخول في سباق الخلافة المرتقب لوالده. بينما يرى آخرون في ذلك دليلًا على انزلاق النظام نحو المحسوبية، في ظل اتهامات بأنه يعمل ضمن دائرة ضيقة حول الرئيس.
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن محمود عباس، البالغ من العمر 90 عامًا، ما يزال يجمع بين مناصب رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير وزعيم حركة فتح. وتضغط أطراف دولية على الرجل لتنظيم مسألة الخلافة، حيث كانت فرنسا قد اشترطت ذلك عند اعترافها بالدولة الفلسطينية في شهر سبتمبر/أيلول الماضي. غير أن عباس لا يبدو مستعدًا للتخلي عن السلطة في الوقت الراهن، وفق “لوفيغارو”.
ونقلت الصحيفة عن ناصر القدوة، العضو السابق في اللجنة المركزية ووزير الخارجية الأسبق، وصفه للمؤتمر بأنه “صوري” و”محاكاة للديمقراطية”، معتبرًا أن الرئيس محمود عباس يسعى إلى ضمان ولاء أكبر داخل السلطة. كما نقلت عن أحد المقربين من الحركة قوله إن عباس يريد حماية مصالحه، ولا يوجد أفضل من نجله لتحقيق ذلك.
وذكَّرت “لوموند” أن المؤتمر يُعد رسميًا شأنًا داخليًا لحركة فتح، حيث سيصوّت نحو 2600 عضو يوم السبت لاختيار أعضاء المجلس الثوري واللجنة المركزية من مواقع متعددة بينها رام الله وبيروت والقاهرة وغزة.
وأكد عضو اللجنة المركزية صبري صيدم، أن الهدف هو تجديد قيادة الحركة، غير أن معارضًا، رفض الكشف عن اسمه، اعتبر أن فتح والسلطة الفلسطينية كيان واحد، وأن هذه الانتخابات لن تغيّر حياة الفلسطينيين اليومية.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن هذه الانتخابات، على الرغم من محدودية تأثيرها المباشر، فإنها ستؤثر في موازين القوى داخل حركة فتح، وبالتالي داخل السلطة الفلسطينية؛ مشيرة إلى أن ياسر عباس كثّف خلال الأسابيع الأخيرة لقاءاته لضمان الفوز بمقعد ضمن اللجنة المركزية، حيث اجتمع مع فصائل مختلفة، بما في ذلك أجهزة الأمن وممثلي الأسرى، وهم من القوى المؤثرة في الضفة الغربية.
وتابعت “لوفيغارو” التوضيح أن ياسر عباس أصبح في الأشهر الأخيرة شخصية محورية في محيط والده، حيث بات، وفق مصدر مقرب من الرئاسة، يدير الملفات الأساسية ويتدخل في القرارات المهمة. وبات حضوره لافتًا في دوائر الحكم، حتى أنه يشارك في التعيينات الحساسة داخل مؤسسات السلطة، بعد أن كان بعيدًا عن الأضواء.
كما أصبح أكثر ظهورًا إلى جانب والده في الزيارات الرسمية، حيث رافقه في لقاءات دولية، من بينها زيارة إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأخرى إلى مصر للقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي. وفي عام 2025، تولى رئاسة لجنة الشؤون اللبنانية في منظمة التحرير الفلسطينية، مكلفًا بمتابعة تسليم سلاح الفصائل الفلسطينية في لبنان إلى الجيش اللبناني.
واعتبرت “لوفيغارو” أن طموح ياسر عباس واضح، غير أنه يواجه منافسين بارزين، من بينهم حسين الشيخ، نائب الرئيس والمقرّب من محمود عباس، والذي يُعد الأوفر حظًا لخلافته في حال شغور المنصب.
ونقلت الصحيفة عن مصدر في حركة فتح قوله إن نفوذ ياسر عباس مرتبط بوجود والده، وسيتلاشى برحيله. كما نقلت عن ناصر القدوة أسفه لتحول السياسة الفلسطينية إلى صراع على السلطة داخل حزب يُنظر إليه على نطاق واسع بأنه فاسد وعاجز، مؤكدًا غياب أي نقاش حول البرامج أو الرؤى المستقبلية، في ظل نظام محكم الإغلاق يسيطر عليه الرئيس.
وأشارت “لوفيغارو” إلى أن هذه الصراعات تأتي في وقت تمر فيه الضفة الغربية بإحدى أخطر أزماتها منذ الانتفاضة الثانية، مع تصاعد الاستيطان، وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، واستمرار الأزمة الإنسانية في غزة، إلى جانب أزمة مالية خانقة بسبب اقتطاع إسرائيل للعائدات الضريبية.
كما أنها تأتي في وقت ينشغل فيه الفلسطينيون بقضايا أكثر إلحاحًا من السياسة، في ظل تراجع شعبية محمود عباس بشكل كبير، حيث تُظهر استطلاعات الرأي أن نحو %80 يطالبون برحيله، بينما انخفض دعم حركة فتح في الضفة الغربية إلى 14%.
