أعادت لجنة الكشف عن مصير أبناء وبنات المعتقلين والمعتقلات والمغيبين والمغيبات قسراً 200 طفل وطفلة إلى ذويهم، بعد سنوات من إخفائهم في دور الرعاية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أو إلحاقهم بعائلات أخرى بقرارات رسمية خلال حكم نظام الأسد المخلوع، فيما تواصل اللجنة البحث عن مئات الأطفال الآخرين وسط مؤشرات على عمليات ممنهجة لطمس هوياتهم وتغيير أسمائهم وأنسابهم لإخفاء مصيرهم الحقيقي.
وحسب مصادر رسمية، فإن اللجنة تواصل التحقيق في 612 حالة أخرى لأطفال ألحقوا بعائلات بديلة بموجب عقود رسمية خلال حكم الأسد المخلوع، وسط صعوبات كبيرة ناجمة عن فقدان الوثائق وتغيير الأسماء والأنساب وانقطاع التواصل مع الجهات المعنية.
التحقيق في 612 حالة لأطفال ألحقوا بعائلات بديلة بموجب عقود رسمية خلال حكم الأسد المخلوع
المتحدث باسم لجنة التحقيق في مصير أبناء وبنات المعتقلين والمعتقلات والمغيبين قسراً، سامر القربي، كشف لـ”القدس العربي” عن الآليات المعتمدة لتحديد هوية الأطفال الذين ما زالوا مجهولي المصير، وخاصة في الحالات التي تم فيها تغيير الأسماء أو تزوير الوثائق الرسمية.
وقال إن الآليات العملية المعتمدة تستند إلى مراجعة السجلات الأساسية، ولا سيما كتب المخابرات وأفرع الأمن لدى نظام الأسد، والتي تم بموجبها إيداع الأطفال في دور الرعاية في البداية، بصرف النظر عن أي تغييرات أو عمليات تزوير طرأت لاحقاً على الوثائق الرسمية.
وأوضح القربي أن البحث في سجلات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أظهر وجود 612 عقد إلحاق لأطفال أسندوا إلى عائلات أخرى.
وأضاف أن اللجنة حاولت الوصول إليهم عبر المعلومات الواردة في عقود الإلحاق، بما في ذلك أسماء الأسر والعناوين وأرقام الهواتف.
وبيّن أن عدد الحالات التي تمكنت من الوصول إليها حتى الآن ما يزال محدوداً للغاية، مشيراً إلى أن اللجنة تعمل حالياً على تجهيز فريق متخصص يخضع لتدريبات مكثفة تمهيداً للانطلاق ميدانياً في مختلف المناطق السورية بهدف تعقب الأطفال والوصول إليهم بشكل مباشر.
أبرز العقبات التي تواجه عمل اللجنة تتمثل في فقدان بعض الوثائق خلال الأيام الأولى التي أعقبت التحرير
ولفت إلى أن أبرز العقبات التي تواجه عمل اللجنة تتمثل في فقدان بعض الوثائق خلال الأيام الأولى التي أعقبت التحرير، إضافة إلى تغيير أسماء الأطفال وأنسابهم، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى الأطفال الملحقين بسبب تبدل العناوين وأرقام الهواتف وعدم تحديث بيانات التواصل.
وأكد أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تعتمد على فرق متخصصة في الدعم النفسي تضم خبراء وأطباء مختصين لمواكبة الأطفال وعائلاتهم خلال مراحل التعرف ولمّ الشمل، إلى جانب تقديم الدعم القانوني عبر فريق من المحامين لمتابعة الإجراءات القضائية والإدارية اللازمة.
وختم بالتأكيد على أن اللجنة والوزارة لن تدخرا أي جهد في هذا الملف، مشدداً على أن قضية الكشف عن مصير أبناء المعتقلين والمغيبين قسراً الذين أودعوا دور الرعاية أو منحوا لعائلات أخرى، ستبقى في صدارة أولويات العمل الحكومي إلى حين الوصول إلى جميع الأطفال وكشف مصيرهم وإعادتهم إلى عائلاتهم.
وكانت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، قد كشفت قبل أيام أن من بين الأطفال الذين عادوا إلى أسرهم 110 أطفال كانوا مودعين لدى جمعية قرى الأطفال “أس أو أس”، في حين عاد 90 طفلاً من بقية دور الرعاية التابعة للوزارة.
قبوات كشفت قبل أيام أن من بين الأطفال الذين عادوا إلى أسرهم 110 أطفال كانوا مودعين لدى جمعية قرى الأطفال “أس أو أس”
ويأتي هذا التطور ضمن عمل لجنة الكشف عن مصير أبناء المعتقلين والمعتقلات والمغيبين والمغيبات قسراً، التي أحصت 314 طفلاً من أبناء المعتقلين والمعتقلات أودعوا دور الرعاية التابعة للوزارة من قبل فروع الأمن خلال عهد النظام السابق، وتتابع في الوقت ذاته 612 حالة لأطفال تم إلحاقهم بعائلات أخرى وفق القوانين السورية.
وكانت قبوات قد أعلنت في العاشر من نيسان/ إبريل الماضي أن اللجنة تمكنت من إعادة 194 طفلاً إلى عائلاتهم، مؤكدة أن عدداً كبيراً من الملفات لا يزال قيد المتابعة والبحث.
وأُسست اللجنة بموجب القرار رقم 1806 لعام 2025، وتضم ممثلين عن وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل، والعدل، والداخلية، والأوقاف، إلى جانب ممثلين عن ضحايا الاختفاء القسري ومنظمات المجتمع المدني، بهدف الكشف عن مصير الأطفال الذين انتزعوا من عائلاتهم بعد اعتقال أو إخفاء آبائهم وأمهاتهم قسراً.
ونهاية شهر أبريل/ نيسان الفائت، أكدت رئيسة لجنة التحقيق في مصير أبناء وبنات المعتقلين، رغداء زيدان، أن دور الرعاية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وثّقت 314 حالة لأطفال فُقدوا بعد اعتقال أو إخفاء ذويهم قسراً، مشيرة إلى أن اللجنة تمكنت حتى ذلك الوقت من إعادة 194 طفلاً إلى عائلاتهم من أصل العدد الموثق.
الأرقام المعلنة لا تمثل الحصيلة النهائية، إذ لا تزال اللجنة تتوقع اكتشاف حالات جديدة مع استمرار التحقيقات
وأوضحت في تصريحات رسمية أن عمليات البحث عن بقية الأطفال الذين ثبت دخولهم إلى دور الرعاية ما تزال مستمرة، وأن اللجنة تواصل التدقيق في السجلات والوثائق الرسمية للوصول إلى جميع الحالات التي لم يُكشف عن مصيرها بعد.
وأكدت أن الأرقام المعلنة لا تمثل الحصيلة النهائية، إذ لا تزال اللجنة تتوقع اكتشاف حالات جديدة مع استمرار التحقيقات ومراجعة البيانات، لافتة إلى أن منظمات معتمدة وثّقت نحو 3800 طفل مفقود خلال سنوات الثورة في سوريا، ما يعكس اتساع نطاق هذه القضية وتعقيداتها الإنسانية والقانونية.
نتائج صادمة
وفي مطلع العام الحالي، كشفت لجنة التحقيق المكلفة بمتابعة مصير أبناء وبنات المعتقلين والمعتقلات والمغيبين والمغيبات قسراً في سوريا عن نتائج أولية وصفتها بـ”الصادمة”، تتعلق بمئات الأطفال الذين فقدوا بعد اعتقال ذويهم، مؤكدة رصد محاولات ممنهجة من قبل نظام الأسد المخلوع لطمس هوياتهم الحقيقية وتغيير بياناتهم الشخصية لإخفاء مصيرهم.
وخلال مؤتمر صحافي، أوضحت زيدان أن المهمة الأساسية للجنة تتمثل في التقصي والبحث عن أطفال المعتقلين والمعتقلات والمغيبين والمغيبات قسراً الذين أودعوا دور الرعاية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل خلال سنوات حكم النظام السابق.
وقالت إن اللجنة تمكنت من حصر 314 طفلاً ثبت إيداعهم دور الرعاية التابعة للوزارة، مضيفة أن أعمال البحث أسفرت حينها عن الوصول إلى 150 طفلاً والتأكد من عودتهم إلى عائلاتهم، بينما كانت اللجنة تعمل على التحقق من وصول 50 طفلاً آخرين إلى ذويهم.
وأشارت إلى أن اللجنة اعتمدت عدة مسارات متوازية في عملها، شملت جمع الوثائق الرسمية، وإعداد استمارات خاصة لذوي الضحايا، وتشكيل فريق تطوعي لتتبع سجلات الأطفال خلال الفترة الممتدة بين الأعوام 2011 و2024، إلى جانب تخصيص خطوط ساخنة لتلقي البلاغات والتواصل المباشر مع الأهالي.
اللجنة اعتمدت عدة مسارات متوازية في عملها، شملت جمع الوثائق الرسمية، وإعداد استمارات خاصة لذوي الضحايا
وأكدت أن اللجنة لا تقتصر على البحث الميداني والتوثيق، بل تتابع أيضاً المسار القضائي وتوفر الاستشارات القانونية للأطفال الضحايا وذويهم، كما تعمل على مناصرتهم من خلال التواصل مع الجهات الدولية المعنية بملف المفقودين، إضافة إلى إنشاء منصات وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي لمساعدة الأسر في البحث عن أطفالها.
في حين، شدد ممثل وزارة الداخلية في اللجنة، سامر القربي، على ضرورة الفصل بين دور اللجنة واختصاص السلطة القضائية، موضحاً أن اللجنة تقدم الدعم القانوني لأسر الأطفال المختفين قسراً عبر توكيل محامين وتأمين الاستشارات القانونية اللازمة، لكنها لا تتدخل في عمل القضاء أو في القرارات القضائية ذات الصلة.
