تتفاقم أزمة الطحين في قطاع غزة بشكل خطير وسط تحذيرات حقيقية من عودة شبح المجاعة من جديد، في وقت لم يتعاف المواطنون في غزة من المجاعة الكارثية التي تعرضوا لها قبل أشهر قليلة، في ظل شح المساعدات الغذائية، ومنع إسرائيل منظمات إغاثية دولية كالأنروا من تقديم المساعدات.
ولا يعد الخبز مجرد غذاء أساسي فقط، بل هو شريان الحياة، ومع تزايد صعوبة الحصول عليه، بدأت الأسر تقلص وجباتها اليومية، أو تعتمد على بدائل أقل قيمة غذائية، ما يهدد بارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال وكبار السن، ويزداد الخطر الحقيقي من تراجع إمدادات الغذاء.
وعادت مشاهد الطوابير الطويلة على نقاط بيع الخبز والمخابز إلى مناطق واسعة من القطاع، كما شهدت أسعار الخبز ارتفاعا كبيرا، ويصطف المواطنون في طوابير طويلة لساعات للحصول على الخبز الذي أصبح سلعة نادرة وتحديا كبيرا خاصة للأسر الفقيرة.
وترجع أسباب الأزمة إلى النقص الحاد في الدقيق، إذ تعتمد المخابز في غزة بشكل شبه كامل على المساعدات والدقيق المستورد، لكن القيود المشددة على إدخال السلع، إضافة إلى تعطل سلاسل الإمداد، أدت إلى نقص حاد في الطحين، كما توقفت العديد من المخابز عن العمل كليا، فيما يعمل بعضها الآخر لساعات محدودة وبكميات إنتاج قليلة.
وأطلقت مؤسسات ومنظمات إغاثية دولية تحذيرات من خطر تفشي المجاعة، ومنها برنامج الأغذية العالمي والأمم المتحدة، إذ حذرا من أن استمرار الوضع الحالي، قد يدفع مئات الآلاف نحو انعدام الأمن الغذائي الحاد. وفي محاولة للتخفيف عن المواطنين في ظل صعوبة الحصول على الطحين، وإن توفر يجد الكثيرون صعوبة في تحضير الخبز بسبب عدم توفر الكهرباء وشح الغاز، حتى الحطب لم يعد متوفرا، شرع برنامج الأغذية العالمي بالتعاقد مع عدد من المخابز، لتزويدهم بالطحين والوقود وبيع الخبز للمواطنين بأسعار منخفضة، لكن شح إمدادات الطحين وانتشار ظاهرة السوق السوداء، أديا إلى شح الخبز، وارتفاع سعر الربطة من 3 إلى 10 شواقل.
في الواقع، عاشت غزة ثلاث مجاعات فتاكة خلال الحرب الإسرائيلية التي بدأت في السابع من أكتوبر عام 2023، ولكن عندما وافقت حركة حماس على خطة السلام وتوقف القتال العسكري، رفعت تل أبيب جزءا من قيودها على المعابر وتدفق الدقيق والوقود بسهولة للقطاع المحاصر، لكن عندما اندلعت الحرب بين إيران وإسرائيل، أعادت تل أبيب فرض قيود صارمة على سلاسل التوريد لغزة، وتأثر تدفق الدقيق والوقود سلباً، وبسرعة عادت أزمة الخبز لتلقي بظلالها الثقيلة على العائلات التي تكافح لتأمين لقمة العيش، وخلال نيسان/أبريل الجاري، تفاقمت أزمة الخبز بصورة حادة ما ينذر بكارثة إنسانية جديدة.
يقول رئيس جمعية أصحاب المخابز عبد الناصر العجرمي هناك عجز في احتياجات السكان بنسبة 50 في المئة، وهناك مخاوف من تفشي مجاعة بسبب شح الطحين وتراجع الكميات التي تنتجها المخابز العاملة سواء ضمن برنامج الأغذية العالمي أو الخاصة، وهذا العجز في الكميات أثر على السكان الذين يجدون صعوبة في الحصول على الخبز الجاهز.
وبين لـ«القدس العربي»، أن القطاع يحتاج يوميا إلى نحو 450 طنا من الطحين، لكن ما يدخل فعليا يقارب 200 طن فقط وهو أقل من النصف، كما أن المخابز تعمل بطاقة محدودة، بسبب نقص الوقود والمواد الأساسية وتدمير عدد منها خلال الحرب.
ولفت إلى أن جهود برامج الإغاثة محدودة رغم المحاولات الحثيثة التي تبذلها العديد من المنظمات، في حين يعتمد في الأصل أكثر من 80 في المئة من سكان غزة على المعونات الإغاثية، في المقابل تواجه المنظمات الإنسانية صعوبات كبيرة في إدخال المساعدات، بسبب القيود اللوجستية والأمنية، كما أن حجم الاحتياج يفوق بكثير ما يمكن توفيره حاليا.
ويخرج عدد كبير من المواطنين يوميا في ساعات الصباح الباكر إلى المفترقات للبحث عن الخبز الذي يباع في السوق السوداء، حيث يستغل بعض التجار الأزمة، ويبيعون الخبز بأسعار مرتفعة، لكن رغم ذلك يشتري المواطنون الخبز، كما هو حال أدهم مطر، الذي يذهب يوميا إلى مفترق السرايا وسط مدينة غزة حيث السوق الشعبي، من أجل الحصول على ربطة من الخبز تكاد تسد رمق جوع أفراد أسرته.
ويقول مطر لـ«القدس العربي»: «نعيش في مستقبل غامض، وإذا لم يتم فتح ممرات إنسانية آمنة وتوفير إمدادات مستقرة من الدقيق والوقود، فإن أزمة الخبز قد تتحول إلى كارثة إنسانية أوسع، تتجاوز الجوع إلى انهيار كامل في منظومة الأمن الغذائي في القطاع».
وبين أن المواطنين في غزة يعتمدون اعتمادا شبه كامل على الخبز كمصدر غذاء رئيسي، ما يجعل أي نقص في الطحين أمرا كارثيا قد يؤدي إلى مجاعة وموت كما حصل في المجاعة التي ضربت نهاية العام الماضي.
ويشير إلى أن وقوف الكثير لساعات طويلة على طوابير الخبز يكون بلا فائدة، لأن كميات الخبز التي تباع يوميا تراجعت ولا تكفي للإعداد الكبيرة من المواطنين الذين يصطفون في طوابير طويلة جدا، على سبيل المثال النقطة الواحدة تبيع يوميا 500 ربطة خبز، في حين يصطف أكثر من ألف مواطن في الطابور الواحد.
ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف النار في غزة، إلا أن إسرائيل لا تزال تنتهك وتواصل حصار غزة، مع فرض قيود مشددة على حركة الأفراد والبضائع والمساعدات عبر المعابر المؤدية إلى القطاع.

