بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

تقرير عبري: "الحرب الرابعة في لبنان" تكشف فشل إسرائيل المتواصل… وهذه أبرز الأخطاء

تقرير عبري: "الحرب الرابعة في لبنان" تكشف فشل إسرائيل المتواصل… وهذه أبرز الأخطاء

في اعتراف إسرائيلي نادر بحجم الإخفاق على الجبهة اللبنانية، تتكشّف ملامح مراجعة داخلية لا تركّز على ما تحقق، بل على ما لم يتحقق، وسط إقرار بأن الوعود التي سبقت الحرب لم تصمد أمام الوقائع الميدانية. فبعد أسابيع من القتال، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة داخل إسرائيل: لماذا تتكرر الأخطاء في لبنان، ولماذا يتبيّن في كل مرة أن التقديرات كانت أقل من حجم الواقع؟

وبحسب تحليل للواء الاحتياط غيورا آيلاند، نشره موقع "واللا"، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد جولة عسكرية جديدة، بل "الحرب الرابعة في لبنان"، لكن بنتائج "مخيبة" حتى الآن، ولا سيما إذا ما قورنت بما قيل بعد انتهاء الحرب السابقة قبل نحو سنة ونصف، حين روّجت القيادة الإسرائيلية لفكرة أن حزب الله أُعيد "عشرات السنوات إلى الوراء" .


ويشير آيلاند إلى أن هذا التوصيف لم يثبت صحته، مستشهدًا بما قاله قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، اللواء رافي ميلو، الذي أقرّ بأن قدرات حزب الله التي ظهرت خلال الأسابيع الـ6 الأخيرة أعلى مما قدّرته الاستخبارات الإسرائيلية. وبذلك، فإن المشكلة، وفق القراءة الإسرائيلية نفسها، لا تكمن فقط في الأداء الميداني، بل أيضًا في الفجوة بين ما اعتقدته إسرائيل وما وجدته على الأرض.


ويرى آيلاند أن الإخفاق الحالي يمكن فهمه من خلال 3 قرارات إسرائيلية أساسية. أول هذه القرارات، وفق تحليله، هو التسرع في فتح الجبهة اللبنانية، رغم أن ذلك لم يكن ضرورة حتمية في تلك اللحظة. فبعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، اكتفى حزب الله، بحسب التحليل، برد محدود ومتردد، وصفه بأنه "مجرّد رشقة شرف" للخروج من الإحراج. إلا أن إسرائيل تعاملت مع ذلك بوصفه فرصة للذهاب إلى مواجهة واسعة، من دون أن تجري، بحسب الكاتب، نقاشًا جديًا بين خيارين: فتح الجبهة اللبنانية بالتوازي مع الجبهة الإيرانية، أو ضبط الجبهة اللبنانية مؤقتًا وتركيز الجهد العسكري على إيران أولًا ثم العودة إلى ملف حزب الله لاحقًا .


ويعيد التحليل التذكير بأن الفترة الممتدة بين تشرين الثاني 2024 وآذار 2026 شهدت هدوءًا نسبيًا على الحدود مع لبنان. خلال تلك المرحلة، واصلت إسرائيل ضرب أهداف محددة داخل لبنان وقتلت نحو 500 مقاتل، في وقت امتنع فيه حزب الله عن الرد، ما أتاح، وفق التوصيف الإسرائيلي، فترة مريحة نسبيًا انعكست على عودة جزء من السكان إلى الشمال وتحسن تدريجي في الاقتصاد المحلي. ويعتبر آيلاند أن هذه المرحلة لم تُستثمر كما يجب، وأن إسرائيل أهدرت فرصة كان يمكن أن تؤخر أو تغيّر طبيعة المواجهة اللاحقة.


أما الخطأ الثاني الذي يتوقف عنده التقرير، فيتعلق بالجبهة الداخلية الإسرائيلية. ويقول آيلاند إن الحكومة، التي كانت تدرك منذ تشرين الثاني 2024 احتمال اندلاع مواجهة جديدة مع لبنان، لم تنفذ القرار الوحيد الذي كان يخضع بالكامل لإرادتها، أي تحصين المنازل في المستوطنات الشمالية، ولا سيما القريبة من الحدود. ويشير إلى أن مبلغ 5 مليارات شيكل خُصص مرتين خلال العقد الماضي لهذا الغرض، لكن الأموال صُرفت في مجالات أخرى "أقل أولوية"، وفق وصفه. ويرى أن هذا الإخفاق جعل حياة السكان في الأسابيع الأخيرة شديدة القسوة، خصوصًا في المنازل التي تفتقر إلى غرف محصّنة، لافتًا إلى أن وجود ملجأ داخل المنزل يخفف العبء، لكن غيابه يحوّل الحياة اليومية إلى "كابوس" فعلي .


ويحمّل آيلاند هذا الإخفاق بعدًا سياسيًا وأخلاقيًا، معتبرًا أن سحب الأموال من مشروع التحصين لا يمكن تبريره، وأنه من أكثر أوجه القصور فداحة في طريقة تعامل الدولة مع الشمال.


أما الخطأ الثالث، وهو الأعمق في نظره، فيرتبط بطبيعة توصيف إسرائيل للبنان نفسه. فبحسب الخطاب الإسرائيلي السائد، يُقدَّم لبنان كدولة ضعيفة ذات حكومة هشة، إلى جانب وجود حزب الله كتنظيم مسلح يعمل داخلها. لكن آيلاند يعتبر أن هذا التوصيف لا يعبّر عن الواقع، بل يخفف من حجم المشكلة. ووفق قراءته، فإن لبنان تحوّل منذ نحو 40 عامًا إلى ما يشبه "مستعمرة إيرانية"، وأن إيران هي التي فرضت هيمنتها على الدولة عبر دعم الطائفة الشيعية وحزب الله على نحو خاص. ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن "الحاكم الفعلي" للبنان هو السفير الإيراني في بيروت، وأن حزب الله ليس سوى الذراع التنفيذية لإيران داخل البلاد .


وفي السياق نفسه، يقول إن حزب الله سمح ببقاء مؤسسات الدولة اللبنانية قائمة في الملفات المدنية، مثل إدارة النفايات أو تشغيل المستشفيات، لكنه احتفظ عمليًا بحق الفيتو على كل قرار سياسي أو عسكري أساسي، فيما بات الجيش اللبناني، بحسب هذه القراءة، خاضعًا بالكامل لحدود يفرضها الحزب، سواء في مناطق انتشاره أو في نوعية الأسلحة التي تصل إليه من الغرب.


هذه القراءة الإسرائيلية، على ما تحمله من انحياز سياسي واضح ضد لبنان ومؤسساته، تكشف في الوقت نفسه أزمة أعمق داخل إسرائيل نفسها. فحين تعترف شخصية عسكرية بهذا المستوى بأن الحرب الحالية ليست إلا حلقة جديدة من سلسلة أخطاء متكررة، فإن ذلك يعني أن المأزق لا يقتصر على الميدان، بل يمتد إلى طريقة فهم لبنان، وتوقيت فتح الجبهات، وإدارة الجبهة الداخلية، والتقدير الاستخباراتي لقدرات الخصم.


ويبدو من هذا التحليل أن إسرائيل، رغم كل ما تملكه من تفوق عسكري وناري، لم تتمكن حتى الآن من ترجمة قوتها إلى نتائج حاسمة، لا على مستوى تقويض قدرات حزب الله، ولا على مستوى طمأنة جبهتها الشمالية، ولا حتى على مستوى بناء رواية متماسكة لما يجري.


في المحصلة، يكشف هذا التقرير العبري أن "الحرب الرابعة في لبنان" لم تتحول، حتى من وجهة نظر إسرائيلية، إلى فرصة للحسم، بل إلى مناسبة جديدة للاعتراف بأن الأخطاء نفسها تتكرر، وأن الفشل في لبنان لم يعد حدثًا طارئًا، بل مسارًا يتراكم مع كل جولة جديدة.