بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

بحلول رمضان.. افتتاح أول مسجد في تورينغن الألمانية بعد 18 عاماً من الهجمات ومحاولة منعه

بحلول رمضان.. افتتاح أول مسجد في تورينغن الألمانية بعد 18 عاماً من الهجمات ومحاولة منعه

بحلول شهر رمضان، افتُتح في مدينة إرفورت بشرق ألمانيا أول مسجد يُشيّد حديثاً في ولاية تورينغن، بعد مسار طويل تخللته احتجاجات وتحريض وهجمات لفظية ضد المشروع. لكن مشهد الافتتاح جاء هادئاً، في مفارقة لافتة لسنوات من الصخب السياسي، وليفتح صفحة جديدة للمسلمين في منطقة تُعدّ من أكثر الولايات الشرقية حساسية تجاه قضايا الهجرة والإسلام.

وفي منطقة مارباخ الصناعية على أطراف إرفورت، عاصمة ولاية تورينغن، ارتفع مبنى أبيض متواضع تعلوه مئذنة زخرفية بارتفاع ثمانية أمتار. إنه “مسجد محمود”، الذي بات أول مسجد حديث البناء في تاريخ الولايات الشرقية الواسعة بألمانيا، ويأخذ شكلاً معمارياً واضحاً يختلف عن قاعات الصلاة المؤقتة التي اعتاد عليها المسلمون في المنطقة.

غير أن الطريق إلى الافتتاح لم يكن سهلاً. فالمشروع الذي بدأ التخطيط له قبل 18 عاماً واجه موجات احتجاج متكررة من ناشطين يمينيين، اعتبروا بناء المسجد “رمزاً سياسياً” و”تغييراً ثقافياً” في ولاية تشهد صعوداً ملحوظاً لتيارات يمينية شعبوية، وفي مقدمتها حزب “البديل من أجل ألمانيا”، الذي يحصد نسباً مرتفعة في استطلاعات الرأي المحلية.

سنوات من الجدل والهجمات

على مدى سنوات، تحوّل موقع البناء إلى ساحة توتر موسمي. رُفعت لافتات معادية للإسلام، ونُظمت وقفات احتجاجية حاشدة في بعض الفترات، وتداولت حملات تحريضية عبر الإنترنت تربط بين المسجد و”أسلمة” المجتمع الألماني. وفي أوقات سابقة، رافق المشروع خطاب سياسي متشنج، استُخدم فيه الملف الديني كورقة انتخابية.

لكن يوم الافتتاح حمل صورة مغايرة. اقتصر الاعتراض على حضور فردي محدود، فيما انتشر عناصر الشرطة بشكل احترازي من دون تسجيل توترات تُذكر. داخل المسجد، كان الحدث تاريخياً بالنسبة للجالية المسلمة الصغيرة في تورينغن.

أبواب مفتوحة وأسئلة مباشرة

نظّمت إدارة المسجد “يوماً مفتوحاً” دعت إليه سكان المدينة. تدفقت عشرات الوجوه الفضولية إلى قاعة الصلاة، وطرحت أسئلة مباشرة: بأي لغة ستُلقى الخطب؟ كيف تم تمويل البناء؟ وهل سيُرفع الأذان عبر المئذنة؟

أوضح إمام المسجد أن خطب الجمعة تُلقى باللغة الألمانية أساساً، في تأكيد على الاندماج والشفافية، وأن تكلفة المشروع بلغت نحو 1.4 مليون يورو جُمعت بالكامل من التبرعات

أوضح إمام المسجد أن خطب الجمعة تُلقى باللغة الألمانية أساساً، في تأكيد على الاندماج والشفافية، وأن تكلفة المشروع بلغت نحو 1.4 مليون يورو جُمعت بالكامل من التبرعات. كما أشار إلى أن المئذنة لن يُرفع منها الأذان عبر مكبرات الصوت، التزاماً بالقوانين المحلية.

تزامن افتتاح المسجد مع حلول شهر رمضان، ما أضفى على الحدث بُعداً روحياً خاصاً. فبعد سنوات كانت الصلوات تُقام فيها في قاعات مستأجرة أو أماكن محدودة المساحة، سيؤدي المسلمون هذا العام صلاة التراويح وأنشطة الإفطار الجماعي في مسجدهم الجديد.

بالنسبة للجالية، يمثّل المبنى أكثر من مجرد مكان عبادة؛ إنه مساحة استقرار وهوية في بيئة لم تكن دائماً مرحّبة. أما بالنسبة للمدينة، فيُعدّ الافتتاح اختباراً عملياً لفكرة التعايش في شرق ألمانيا، حيث نسبة المسلمين أقل مقارنة بغرب البلاد، لكن حضورهم بات أكثر وضوحاً وتنظيماً.

ويقع المسجد في ولاية تُعدّ ساحة تنافس سياسي حاد، إذ تحظى التيارات اليمينية المتشددة فيها بدعم واسع. وفي هذا السياق، يحمل افتتاح المسجد رسالة تتجاوز البعد الديني، مفادها أن التنوع الاجتماعي بات جزءاً من الواقع حتى في المناطق التي طالما اعتُبرت أقل انفتاحاً.

أرقام تعكس مناخاً متوتراً

افتتاح المسجد يأتي في سياق أوسع من تصاعد الحوادث المعادية للمسلمين في ألمانيا. فقد وثّقت شبكة “CLAIM” الألمانية، وهي تحالف من منظمات المجتمع المدني لرصد التمييز ضد المسلمين، تسجيل 3080 حادثة معاداة للمسلمين خلال عام 2024، بزيادة تقارب 60 في المئة مقارنة بعام 2023. وتشمل هذه الحالات اعتداءات جسدية، وإهانات، وهجمات على مساجد وممتلكات، وفق التقرير السنوي للشبكة.

كما أظهرت بيانات حكومية نُشرت عام 2025 تسجيل 930 جريمة مصنفة كجرائم معاداة للإسلام خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بحسب أرقام صادرة عن وزارة الداخلية الألمانية.

بعد 18 عاماً من الانتظار، لم يكن الحدث صاخباً كما توقع البعض. لا صدامات، ولا مظاهرات كبيرة، بل حركة طبيعية لسكان يزورون مبنى جديداً في مدينتهم. وبينما تتبدل الفصول السياسية في شرق ألمانيا، يبدأ المسلمون هناك موسمهم الرمضاني تحت سقف طال انتظاره – في مشهد يعكس تحوّلاً هادئاً، لكنه عميق الدلالة.