في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يتقدّم الملف الإيراني مجددًا إلى واجهة المشهد الدولي، على وقع زيارة وُصفت بـ"المفصلية" لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لقاءٌ استمرّ أطول من المتوقع، عُقد بعيدًا عن الإعلام ومن دون مؤتمر صحافي، ما عزّز دلالاته السياسية وفتح الباب أمام تساؤلات واسعة عمّا دار خلف الأبواب المغلقة.
في هذا السياق، قدّم الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة، في حديثٍ لـ"ليبانون ديبايت"، قراءة معمّقة لخلفيات الاجتماع وانعكاساته المحتملة، ولا سيّما على الساحة اللبنانية.
نتنياهو: نعم للتفاوض… بلا تاريخ انتهاء
بحسب ما نُقل عن مصادر إسرائيلية رسمية، شدّد نتنياهو أمام ترامب على أنّ أي اتفاق "جيد" مع إيران يجب أن يكون خاليًا من بند انتهاء الصلاحية، وأن يمنع طهران بصورة دائمة من امتلاك السلاح النووي. وبذلك، لم يدخل نتنياهو البيت الأبيض بصفته معارضًا مبدئيًا لفكرة التفاوض، بل مؤيّدًا لصفقة بشروط صارمة، تختلف جذريًا عن اتفاق عام 2015.
ويرى حمادة أنّ هذا التموضع يعكس مقاربة سياسية–نفسية يعتمدها بعض القادة في التعامل مع ترامب، تقوم على تجنّب المواجهة العلنية، ومحاولة التأثير في مسار التفاوض من داخل الغرف المغلقة.
خيار الضربة… حاضر ولم يُستبعد
الأهم، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، أنّ الخيار العسكري لم يُسقَط من جدول البحث. فالاجتماع لم يقتصر على مناقشة حدود التفاوض، بل تعدّاه إلى سيناريوهات انهيار المحادثات، وما قد يترتّب عليها من تحرّكات عسكرية.
وتشير التقديرات الإسرائيلية، كما يلفت حمادة، إلى أنّ المفاوضات قد لا تُفضي إلى اتفاق، انطلاقًا من قناعة سائدة في تل أبيب بأن الإيرانيين "يميلون إلى كسب الوقت"، وهو ما تعتبره إسرائيل أسلوبًا تقليديًا في إدارة الملفات التفاوضية.
وفي هذا الإطار، أكّد نتنياهو تمسّكه بحرية الحركة العسكرية ضد إيران، حتى في حال قرّرت واشنطن عدم الانخراط في عمل عسكري مباشر.
معطيات أمنية وضغط سياسي
وتضيف القراءة الإسرائيلية أنّ نتنياهو حمل معه إلى واشنطن معطيات وُصفت بالدامغة، تتعلّق بسلوك إيران في المرحلة الماضية، سواء لناحية استمرار تنفيذ الإعدامات، أو في ما يخصّ برنامجها الصاروخي، الذي تعتبره تل أبيب عنصرًا أساسيًا في أي مسار تفاوضي.
والرسالة التي خرجت من الاجتماع، وفق الصيغة التي عمّمها مكتب نتنياهو، تقوم على معادلة مزدوجة: المفاوضات لا تزال قائمة، لكن احتمال انهيارها مطروح بجدّية، والاستعدادات العسكرية قائمة بالكامل.
حشد عسكري وضغط ميداني
ويشير حمادة إلى أنّ الواقع الميداني لا يمكن فصله عن المسار التفاوضي. فالحشد العسكري الأميركي–الإسرائيلي في محيط إيران، من بحر العرب وبحر عُمان جنوبًا، إلى القواعد المحيطة بها شمالًا وشرقًا، يتجاوز كونه مجرّد ضغط سياسي.
ويضيف أنّ الحديث هذه المرة لا يدور حول استعراض قوة، بل عن استعدادات عسكرية فعلية، في ظل قناعة داخل دوائر القرار في واشنطن بأن المفاوضات المفتوحة بلا سقف زمني لم تعد خيارًا مقبولًا.
ما علاقة لبنان؟
في ختام تحليله، يتوقّف حمادة عند البعد اللبناني في هذا المشهد. فثمّة تقديرات متداولة، بحسب معلومات جرى تداولها في الساعات الأخيرة، تفيد بأن أي ضربة إسرائيلية لإيران قد تسبقها ضربة في لبنان تستهدف حزب الله.
والسبب، وفق القراءة العسكرية التي أشار إليها، أنّ تل أبيب تسعى، في حال اتخاذ قرار المواجهة الكبرى، إلى تحييد الجبهة اللبنانية أولًا، أو تقليص قدرتها على الرد، باعتبار الحزب الذراع العسكرية الأبرز لإيران في المنطقة.
وعليه، يجد لبنان نفسه مجددًا في قلب العاصفة الإقليمية، بين احتمال صفقة كبرى تعيد رسم قواعد الاشتباك، واحتمال ضربة عسكرية قد تبدأ – أو تمرّ – عبر ساحته.
في المحصّلة، نحن أمام مفترق طرق إقليمي واضح: إمّا اتفاق بشروط جديدة وصارمة، أو مواجهة عسكرية لم تعد مستبعدة. ولبنان، كما في كل محطة مفصلية، ليس على هامش المشهد، بل في صلب حساباته.
