عندما هدد دونالد ترامب في دافوس الدانمارك مثل أزعر الحي وقال: “أعطوني غرينلاند” (أربع مرات في خطابه المتلعثم، حيث استبدل غرينلاند بآيسلاندا)، وأنا سأشكركم. وإذا رفضتم فإنا سأتذكر ذلك لكم (لا تستغربوا إذا وجدتم في الغد رأس حصان ميت على عتبة بابكم).
بالمناسبة، بالتحديد قريباً من اليوم الدولي لإحياء ذكرى المحرقة في 27 كانون الثاني، ذكرى تحرير معسكر أوشفيتس في 1945، من الجدير تذكر بعض الحقائق التي تهمنا نحن اليهود في الدولة الديمقراطية.
في الحرب العالمية الثانية سيطرت ألمانيا النازية على الدنمارك بدون مقاومة، وخلافاً لدول أخرى لم تقم بعزل الحكومة في الدنمارك ورئيس الحكومة. في حينه، كان يعيش في هذه الدولة حوالي 7 آلاف يهودي. الحاكم الفعلي للدنمارك كان المبعوث الأمريكي والمفوض الدكتور في القانون فيرنر بيست، الذي منحه هذا المنصب الرفيع رتبة إدارية تتكون من 17 حرف “منسترياليريدجن”، التي تتكون من كلمات محرر محتوى الوثائق الحكومية. لا أعرف ما علاقة ذلك بدوره كحاكم نازي للدنمارك، لكن اللقب بحد ذاته مثير للإعجاب والرهبة.
الخبراء والمسؤولون عن الحل النهائي في برلين توجهوا إلى الدكتور بيست، محرر المحتوى، وطلبوا منه تحرير العالم من السبعة آلاف يهودي. الدكتور بيست رد بأنه توجد مشكلة، لأن رئيس الوزراء في الدنمارك سيقدم استقالته إذا تم اتخاذ أي خطوة تمييزية ضد اليهود، وأنه إذا طلب من اليهود ارتداء شارة صفراء فجميع سكان الدنمارك سيرتدون مثلها، بما في ذلك الملك كرستيان العاشر.
في آب 1943 تم استدعاء الدكتور بيست إلى برلين للمثول أمام هتلر. وشرح سبب استمرار يهود الدانمارك على قيد الحياة، وكأنه لم يحكم عليهم بالإبادة. لم يكن لدى بيست جواب مقنع. فقام هتلر بنقل المهمة إلى رودولف ملدنر، قائد كتيبة في جهاز الأمن التابع للغوستابو. وكان ملدنر أيضاً حاصلاً على شهادة الدكتوراة في القانون، لأن هتلر كان بحاجة إلى شخص ينفذ الأوامر بحسب القانون، ولم تكن مهمته التحقيق في أن أوامر نقل اليهود إلى الشرق هي في الحقيقة أوامر إبادة.
لقد كان لدى الألمان قائمة صادرتها مكاتب الجالية اليهودية في كوبنهاغن، تشمل أسماء وعناوين كل اليهود الموجودين في الدانمارك، وقد خططوا لعملية خاطفة في 1 تشرين الأول 1943، ترحيلهم جميعاً إلى معسكرات الإبادة في الشرق. كل الاستعدادات استكملت وتولى أدولف آيخمان موضوع وسائل النقل. ولكن حدث شيء غير مسبوق في أي دولة أخرى تحت الاحتلال النازي. ففي 28 أيلول 1943 قرر الملحق البحري لألمانيا النازية في كوبنهاغن، جورج فيرديناند دوكوفيتس، وهو نازي متعصب، التمرد وكشف عن الخطة للسلطات في الدنمارك. نقلت السلطات الخبر إلى رؤساء الجالية اليهودية الذين لم يصدقوا ذلك في البداية بسبب تفاؤلهم المعروف، ولكنهم في نهاية المطاف اقتنعوا. من ناحيتها نظمت السلطات في الدانمارك عملية ضخمة جندت فيها عشرات آلاف الدنماركيين العاديين – ندل وعمال بناء وسائقي سيارة أجرة الذين هربوا اليهود الموجودين في كوبنهاغن إلى أماكن آمنة، ومن هناك عبر البحر إلى السويد المحايدة. وفي الليلة المخطط لها، اكتشف ضباط الغستابو الذين وصلوا إلى بيوت اليهود شققاً خالية. هكذا تم إنقاذ 99 في المئة من يهود الدانمارك. وفي 1971 تم منح دوكوفيتس لقب “الصالح بين الأمم” من قبل “يد واسم”.
أين هو صوتنا عندما يهدد ترامب الأزعر الدنمارك التي هب سكانها لإنقاذ اليهود؟ ترامب الذي غاب عن كل دروس التاريخ، لأنه كان منشغلاً بتخويف الطلاب الآخرين، لم يسمع عن إنقاذ يهود الدانمارك. ولو سمع لاتهم الدنماركيين بالانتماء لمنظمة فوك، التي تدافع عن حقوق الأقليات والمتحولين جنسياً والمهاجرين – الذين يسميهم ترامب “الحثالة البشرية”. لو كان ترامب في مكان حكام الدانمارك في فترة الحرب العالمية الثانية لاتهم دوكوفيتس بالخيانة، بالضبط مثلما يحاول الآن مقاضاة المدعي الخاص الذي حقق في اقتحام الكونغرس في 6 كانون الثاني 2021 بهدف إبطال فوز بايدن في الانتخابات.
لا توجد أي احتمالية لأن يسلم الدنماركيون الأعزاء، الذين منعوا إبادة اليهود في الدانمارك، غرينلاند لترامب. هو أيضاً اتهم الدانمارك بعدم الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وكل الدول الأوروبية في حرب أفغانستان. وقال إن الفضل في وجود الدول الأوروبية يعود للولايات المتحدة. هذه مجرد افتراءات. فالدنمارك رغم مساحتها الصغيرة، كانت شريكة رئيسية في الحرب الكارثية التي شنتها الولايات المتحدة على أفغانستان رداً على مهاجمة البرجين في مركز التجارة العالمي، وقد دفعت ثمناً باهظاً هناك حيث قتل 44 جندياً من جنودها، ما جعلها من بين الدول التي سجلت أعلى نسبة من الخسائر في صفوف التحالف الذي حارب في أفغانستان.
بعد كل ذلك، يطرح سؤال كيف سنرد إذا طلب ترامب إلغاء الانتخابات القادمة في إسرائيل، بسبب التخوف من أن يقوم الفوضويون الذين يحتجون ضد بطل إسرائيل، نتنياهو، بتزويرها، وحل مجلس السلام الذي قام ترامب بتعيين نفسه رئيساً له مدى الحياة، والذي لم يتم انتخاب معظم أعضائه في انتخابات ديمقراطية. وأن يمنعوا غزة من أن تصبح لاس فيغاس الشرق الأوسط. بالتالي، لن يتحقق السلام الذي يخطط له على وجه الأرض.
