الناصرة – «القدس العربي»: كان فلسطينيو الداخل قد تنفّسوا الصعداء مع انقضاء عام 2025، وتمنّوا أن تكون السنة الجديدة أقلّ بشاعة ودموية على شعبهم بشكل عام، وعليهم على وجه الخصوص، لا سيما من ناحية تفشّي الجريمة بتواطؤ إسرائيلي مفضوح. غير أنّ الأيام الأولى تنذر أنهم على موعد مع ما هو أشدّ وأقسى، إن لم يتّحدوا وينتظموا لمواجهة هذا التهديد الكبير، عبر تصعيد الاحتجاج والضغط على الحكومة الإسرائيلية للكفّ عن تواطئها.
في العام المنصرم، شهد فلسطينيو الداخل، البالغ تعدادهم اليوم نحو مليون ونصف المليون نسمة (19%)، 250 جريمة قتل، نفّذ السواد الأعظم منها على يد سبع عصابات إجرام عربية، تستغلّ تجاهل سلطات إنفاذ القانون الإسرائيلية لحالة التصارع والاقتتال في الشوارع، وعدم التورّع عن قتل أبرياء في طريقهم إلى الهدف.
ومنذ بدء العام الحالي، شهدت أراضي الـ48، خلال سبعة أيام، 11 جريمة قتل، أربع منها وقعت الأربعاء وحده؛ ثلاثة من بلدة بئر المكسور قُتلوا في مدينة شفاعمرو، وشخص آخر في عرعرة النقب، دون إلقاء القبض على أيّ من مطلقي الرصاص، تمامًا كما حصل في مجمل جرائم العام الماضي، إذ لم تفكّ الشرطة الإسرائيلية سوى رموز 15% فقط من مجمل جرائم القتل المسجّلة، وهي نسبة غير مسبوقة منذ عام 1948.
ويُشار إلى أنّ الضفة الغربية المحتلة تشهد عددًا قليلًا جدًا من جرائم القتل سنويًا، ففي العام الأخير وقعت نحو 36 جريمة قتل، كما تؤكد الدائرة الإعلامية في الشرطة الفلسطينية، ما ينفي المزاعم الإسرائيلية القائلة إن منبع الجريمة هو «عقلية العنف».
تضاعفت عشر مرات
وتُظهر معطيات الجريمة داخل أراضي الـ48 أنّها تضاعفت عشر مرات وأكثر منذ عام 2000، ما يشكّل دليلًا على أنّ السلطات الإسرائيلية أطلقت يد عصابات الإجرام في البلدات العربية، عقابًا وانتقامًا من فلسطينيّي الداخل لمشاركتهم في الانتفاضة الثانية، ضمن ما عُرف بـ»هبّة القدس والأقصى»، ولا تزال، وفق ما تؤكده لجنة المتابعة العليا، الهيئة السياسية العليا لفلسطينيّي الداخل، تعمل منذ سنوات على “إحراق البيت من داخله».
شهادة شقيق ضحية
ضحايا القتل في قرية البير المكسور في شفا عمرو
وقال توفيق غدير، شقيق المرحوم خالد غدير، أحد ضحايا جريمة القتل الثلاثية في شفاعمرو، لـ»القدس العربي»، إن العائلة تلقت الخبر كالصاعقة، مضيفًا: «أخي كان إنسانًا بسيطًا ومحترمًا، لا علاقة له بأي مشاكل أو خلافات. كان يخرج إلى عمله يوميًا، يصلّي، ويعود إلى بيته. كل من عرفه أحبّه واحترمه».
وأضاف أنّ شقيقه كان أبًا لأسرة، معروفًا بأخلاقه الطيبة وسيرته الحسنة، مؤكدًا أنّ «لا أحد في العائلة ولا في البلدة كان يتوقع أن يُصاب بمكروه، لأنه كان بعيدًا تمامًا عن عالم الإجرام».
ووجّه غدير انتقادات حادة للسلطات الإسرائيلية، مؤكدًا أنّ الجريمة ليست مفاجئة في ظلّ الواقع الحالي، وقال: «الجميع يعرف من هم المجرمون، والشرطة والحكومة الإسرائيلية تعرفهم أيضًا، لكن لا يوجد ردع حقيقي. لو كان الأمر في المجتمع اليهودي، لاعتُقل المتورطون خلال ساعات، وهذا ما حصل فعلًا عندما كافحت السلطات الإسرائيلية الجريمة في المدن اليهودية وأجهزت عليها تمامًا».
وعود في الهواء
ويُشار إلى أنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كان قد هدّد وتوعّد، منذ سنوات طويلة، بالقضاء على عصابات الإجرام العربية كما قضى على العصابات في المدن اليهودية، ووعد عددًا من ذوي ضحايا القتل بالعمل على إلقاء القبض على القتلة، من بينهم السيدة سهام إغبارية من أم الفحم، التي قُتل زوجها وولدَاها داخل البيت، غير أنّ هذه الوعود بقيت حبرًا على ورق. واليوم، عاد نتنياهو ليزعم أنّه سيقود برنامجًا لفرض النظام والحوكمة وتعزيز الاستيطان في النقب، دون أن يشير ولو بكلمة واحدة إلى الجريمة المستفحلة في البلدات العربية.
وعلى خلفية ذلك، قال الأب والجد الثاكل نظيم نصّار من بلدة طرعان، قضاء الناصرة، لـ»القدس العربي»، إن نجله البكر الوحيد بين ثماني بنات، أدهم، خرج لتركيب كاميرا حراسة في محل تجاري في الناصرة، برفقة ابنه الطفل نظيم (16 عامًا)، بحثًا عن لقمة العيش الكريم، «فعادا في تابوت». وتساءل بحرقة: «لماذا تستطيع إسرائيل تحقيق أي هدف لها في طهران، ولا تقوى على اعتقال زعران في طرعان؟».
هل نتجه إلى ترامب؟
وأوضح رئيس «لجنة المتابعة العليا» في أراضي 48، الدكتور جمال زحالقة، لـ»القدس العربي»، أنّ ما يجري «مصيبة كبيرة حلّت بالمجتمع العربي»، مؤكدًا أنّ «الاحتجاجات والمظاهرات والمسيرات لم تعد تؤثّر على هذه الحكومة»، وأنّ التعامل معها «يشبه الحديث إلى جدار»، في ظلّ غياب خطوات حقيقية لمكافحة العنف والجريمة.
وحول التوجّه نحو الضغط الدولي، أشار زحالقة إلى أنّ لجنة المتابعة تدرس تبنّي أساليب جديدة ومؤثّرة للضغط على الحكومة الإسرائيلية، من بينها تدويل القضية والتوجّه إلى المجتمع الدولي.
وقال إنّه جرى التواصل مع أكاديميين ومثقفين لكتابة مقالات في صحف عالمية كبرى، بهدف تسليط الضوء على ما وصفه بـ»قتل مواطنين مسالمين بشكل يومي، بينما الحكومة تتفرّج».
وكشف زحالقة أنّه يفكّر شخصيًا بكتابة رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مقدّرا أنّ له تأثيرًا كبيرًا على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وقد يشكّل عامل ضغط لتحريك الملف. كما أشار إلى إعداد دراسة اقتصادية شاملة حول الأضرار التي تلحق بالاقتصاد الإسرائيلي جرّاء تفشّي الجريمة والعنف في المجتمع العربي، موضحًا أنّ التقديرات الأولية تشير إلى خسائر بمليارات الشواقل سنويًا نتيجة تراجع الإنتاج، والابتزاز، وتعطّل النمو الاقتصادي، وهي معطيات لا تُطرح بجدّية في الخطاب الرسمي الإسرائيلي.
وردًا على سؤال «القدس العربي»، قال زحالقة إنّ خطوات تصعيدية قيد البحث، وكشف أنّ لجنة المتابعة تبحث إمكانية إعلان إضراب عام شامل قد يشمل مختلف القطاعات، بهدف إحداث ضغط حقيقي يشعر به صانعو القرار، مؤكدًا أنّ «الوسائل التقليدية لم تعد مجدية مع الحكومة الحالية».
بدوره، دعا عضو الكنيست أيمن عودة، رئيس «تحالف الجبهة والعربية للتغيير» إلى عصيان مدني شامل في المجتمع العربي، على خلفية تصاعد أعمال العنف والجريمة، خلال مقابلة أجراها مع تلفزيون «كان» الرسمي العبري الاربعاء.
وأضاف أنه لا يثق بالشرطة إطلاقًا، وأن الخيار الوحيد المتاح هو الاعتماد على الذات في مواجهة المؤسسات الرسمية.
وأوضح عودة «إذا لم تكن حياة أطفالنا طبيعية، فلا ينبغي أن تكون حياة الدولة بأكملها طبيعية»، داعيًا إلى عصيان مدني وتعطيل مرافق الحياة في الدولة يشمل الأطباء العرب والعاملين في مختلف القطاعات، كما دعا نقابة العمال (الهستدروت) والسلطات المحلية، وكل إنسان، إلى الانضمام إلى هذه الخطوة.
الرئيس الإسرائيلي
من جهته، قال رئيس إسرائيل يتسحاق هرتسوغ، الأربعاء، خلال اجتماع بمشاركة رؤساء سلطات محلية عربية ويهودية في النقب، إنّه «لا يُعقل أنّه منذ بداية عام 2026 قُتل 11 عربيًا»، منوّهًا بحقّهم في العيش بأمان مثل المواطنين اليهود في الدولة.
وأضاف هرتسوغ: «أمامنا تحدٍّ وطني هائل»، مؤكدًا أنّ معالجة الجريمة في المجتمع العربي يجب أن تكون مهمّة قومية عاجلة تتطلّب تعاون جميع الجهات الرسمية.
دور قيادي مطلوب لذوي الضحايا
ويرى الأخصائي النفسي البروفيسور مروان دويري ضرورة تنظيم أهالي الضحايا ليأخذوا، هم وذووهم وأصدقاؤهم، دورًا قياديًا في تحريك النضال ضد العنف والجريمة وضد التواطؤ المؤسساتي معها.
وقال دويري لـ»القدس العربي» في هذا السياق: «أولًا، هم الأولى بالأمر، وصوتهم يمكن أن يكون أقوى وأكثر مسموعية لدى المسؤولين، وأكثر تأثيرًا في الرأي العام، وهكذا يتحوّل الأهالي من ضحايا عاجزين إلى رأس الحربة ومحركي النضال الشعبي والرسمي».
وأضاف أنّ بمقدور كل عائلة أن تجنّد عشرات الأقارب والأصدقاء ليشكّلوا معًا آلاف «الجنود» في تحريك النضال الشعبي والرسمي، مشيرًا إلى تجربة لجنة شهداء هبّة تشرين الأول/أكتوبر 2000، التي قادت نضالًا طويلًا في لجنة أور وفي المحافل الرسمية والشعبية، بالتعاون مع مركز “عدالة” ولجنة المتابعة وبقية القيادات.
وأوضح دويري أنّه، نظرًا لتنوّع العائلات الثكلى، ليس بالضرورة تشكيل لجنة تمثيلية ثابتة تشمل الجميع، فقد تكون لجنة مبادرة من عشرات الأهالي كافية لتحقيق الهدف، أو تمثيل الأهالي في خطوات عملية متفرّقة، مثل التوجّه بوفود إلى السفراء الأجانب أو الاتحاد الأوروبي أو حتى إلى ترامب، أو الظهور في مؤتمرات صحافية، أو الالتقاء بمنظمات المجتمع المدني اليهودي.
كما طرح اقتراحًا آخر يقضي بتحويل الأهالي الثكلى من طرف “منكوب” يتلقّى التعازي إلى رأس حربة في مواجهة الشرطة والرأي العام، عبر إقامة خيام عزاء واعتصام أمام مراكز الشرطة الإسرائيلية فور وقوع أي جريمة قتل، ودعوة الجمهور للتضامن وتقديم العزاء على مدار فترة زمنية، بما يشكّل وسيلة ضغط فورية وردًّا مباشرًا على كل جريمة جديدة.
وخلُص دويري إلى القول: «هذه دعوة للجنة المتابعة العليا، وللأحزاب والجمعيات الأهلية، للمبادرة إلى إقامة مثل هذا الجسم المهم، وتفعيل خيام التعزية والتضامن أمام مراكز الشرطة».
