بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

من جدّة إلى بكين.. هل تحقق الصين ما لم يفعله العرب؟

من جدّة إلى بكين.. هل تحقق الصين ما لم يفعله العرب؟

في حمأة الأحداث والتطورات الدّولية العالميّة التي تتجه وفق المقروء منها نحو تثبيت انزياحاتها في الصورة الجديدة للعالم قيد التشكّل، الذي يسير في مناوئة الأحادية القطبيّة إلى ترسيخ قوّة اقتصادية أثبتت تفوّقها في بعض المحطّات على الإرهاب الاقتصادي الأميركي كنتيجةٍ حتمية لهيمنة القطب الواحد بثقافته وأساليبه.

تأتي زيارة الرئيس السوري بشار الأسد للصين في ظلّ هذه المتغيّرات، وتنبسط قراءة المشهدية بمفرداتها الحالية بعنوانين رئيسين، الأول هو نوعيّة الاتفاق المنعقد بين الصين وسوريا، والثاني هو طبيعة النظرة الصينية للحالة السّورية في الصراع الدوليّ؛ حيث لا تزال سوريا ساحةً لتناحر عدّة فواعل دوليّة تتباين رؤاها بشأن حل المسألة السورية التي تتلظّى حتى اللحظة بالاحتلالين الأميركي والتركي ومفاعيل الحصار بعنوانه العريض مع ما يرافقه من ترهّل اقتصادي – إداري ملحوظ كنتيجة شبه حتمية له.

في العنوان الأول، يجب أن نتروّى في دراسة مفاعيل اتفاق التعاون بين البلدين، ففي الاتفاقات التي تعقدها الصين هناك تدرّج في نوعيتها، وهو ما يؤسس بالضرورة لتفاوت في طبيعة التعاون ومدى تأثيره بالدرجة الأولى على عدة صعد وفي مقدمتها الاقتصادية، وتتأتى النوعية أيضاً من موقعية الطرف الموقّع ووزنه السياسيّ والاقتصاديّ في مقابل أكبر قوة اقتصادية في العالم أي الصين، ففي مشروح مفردة الاتفاق الصيني – السوري الأخير برز التوصيف على لسان الرئيس الصيني “شي جين بينغ” بأنها شراكة استراتيجية ما يعني التنسيق الوثيق والدقيق في مجال العلاقات الإقليمية والدولية، التي تمهّد بدورها إلى لعب الصين دور أكثر اتضاحاً في تعزيز الدور السياسيّ السوري في النسيج الدولي، ولا سيما في خطوة قبول سورية كشريك حوار (قبل العضوية الكاملة) لمنظمة “شنغهاي” التي رسمت دورها منذ تأسيسها عام 2001 كثقل جيوسياسي موازن للولايات المتحدة الأمريكية.

في العنوان الثاني، يقف حائلاً في وجه التنمية السورية بمساعٍ صينية تنظر للتنمية الاقتصادية كجزء من التنمية البشرية، حالة الملفات العالقة لإنهاء الحرب على سوريا وفيها، فلا تنمية بدون استقرار من وجهة النظر الصينية، ولا استقرار بدون حل سياسي ودبلوماسي سوري يمكن للصين التي أحدثت خرقاً في التوتر السعودي – الإيراني، الذي توضّحت ملامحه عشية الحرب على سوريا من تسعير عربي داعم لعزلها وتدميرها، هذا الخرق الذي تجلّى في أهم اتفاق على مستوى منطقة الشرق الأوسط بين السعودية وإيران، أن تلعب دوراً هاماً في التوصّل لحلّ سياسيّ ولا سيما مع الجانب التركي الذي بات يتململ نسبياً من حليفه الأوروبي لعدة اعتبارات ومنها الاقتصادية، ففي هذا الحلّ ضمان لمبادرة “الحزام والطريق” التي عُدّت سوريا شريكاً فيها بُعيد القمّة.

تاريخياً، قام الفينيقيون منذ الألف الثالثة ق.م بتحويل البحر الأبيض المتوسط لبحيرة فينيقية، لمدة تجاوزت الألف عام، واستطاعوا الربط ما بين غرب أوروبا والشمال الإفريقي وغرب آسيا، لذا كانت هذه المنطقة عبر التاريخ منطقة الصراع بين القوى العظمى التي كانت تريد تأكيد هيمنتها وسيطرتها بالتحكم بطرق المواصلات وضمها لنفوذها حتى تستولي على طرق التجارة البحرية والبرية العالمية، وبانسحاب تاريخي يظهر لنا طبيعة المنطقة التي أهّلتها لصراعات لا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة، ليكن التنافس الاقتصادي بيضة قبان التوازن الدولي متعدد الأقطاب ومتنوّع الشراكات، ويبرز اليوم التنافس الأميركي – الهندي، مع الصين صاحبة مشروع “حزام واحد طريق واحد”، في مسألة الممر الاقتصادي عبر ميناء حيفا بما فيه من تعزيز لعلاقات “إسرائيل” والهند المتنامية بإطراد، في مقابل حضور سعودي مستفيد بكافة الأحوال عبر الدمج مع مشروع “نيوم 2030”.