سلوى فاضل
الألم النزوحي هو ألم قاتل، هو عدم القدرة على الإحساس أو بمعنى آخر هو قتل الإحساس كليّا من أجل أن تتحوّل إلى كائن ميت يسير على رجلين، على قدمين، يجب أن تظلا قويتين، صامدتين، لا تعب، لا إرهاق، ولا توتر.
النازح كائن مزدوج الأثقال، هو يتحمّل خروجه من منزله مهما كان هذا المنزل صغيرًا، ضيقًا، متواضعًا، في حيّ فقير، شعبي، مُكدسة على جانبيه الأوساخ، بناؤه كأبنية القاهرة العشوائيّة في حيّ شعبيّ.
مزدوج الأثقال لأنه يرغب بالتعبير عن ألمه. لكن واجبه الصمت، واجبه التحمّل، تحمّل أصوات أولاده، وتشتت الهيكل العام للحياة، من مواعيد أكلِ ولبسِ وطعامِ ونومِ وزيارات.. واجبه تحمّل عبء النزوح الجديد مع ما فيه من ذلّة، ذلّة النوم في مكان مفتوح، ذلّة البحث عن مكان آمن، ذلّة الإيواء في مكان كان ملعبًا، أو قاعة، أو باحة، أو صفوفا مدرسيّة، أو غرفة في أسفل بناء مُتهالك، أو شقة فخمة في بناء راقِ يريد أن يسحب قلبك، ويغتني جراء أزمتك الراهنة.
هذا النازح مزدوج الأثقال، لأنّه يجب عليه أن يغبّ كلّ شعور، وكلّ نكزة من هنا وهناك، وإنْ كان معروفا للجميع أنّ عدم القدرة على التحمّل لدى العديدين أدت إلى انفجار أسريّ وعائلي وعلائقي بين الأصدقاء، والجميع يردد “كَشفَتْهم الحرب”، ولم يجد النازحون إلا الانفجار بوجه بعضهم البعض. فالعديد من العوائل انفصلت عن بعضها، وتركت مراكز الإيواء التي جمعتهم إلى أماكن بعيدة وأقل أمنَا. الانفجار الأسريّ وُلد في عدوان 2006 وخلال 33 يومًا من التهجير الذي أجمع الكثيرون اليوم، أنّه كان أقل مشاكلَ من يوميّات هذه الحرب الأخيرة، أي عدوان أيلول 2024.
انفجار، قد يُعيد التركيز على الحاجة إلى العلاج النفسي، الذي انطلق ما بعد عدوان تموز 2006 في مختلف مؤسسات الاستشفاء والعلاج النفسي في الضاحية وبيروت والبقاع والجنوب، وبإشراف مُختصين ومُشرفين حيث افتتحت “مؤسسة الإستشفاء” مستشفيي علاج نفسيّ لها، هما: مستشفى الشفاء التخصصي في عرمون، ومستشفى جويا الرعائي، عدا عن أربعة مراكز في كلّ من المريجة وصور والنبطية وبعلبك.
وهذه المؤسسات العلاجيّة النفسيّة كانت متنفسًا للعوائل التي تعرّضت للضغط وألم الفقد للأحبة والأهل، وتوترات أصوات القصف، والخوف، وكل ما يُؤذي الأعصاب والأنفس، التي برزت في العام 2006، إضافة إلى المشاكل والخلافات والعداوَات، وبالطبع استشهاد الأعزاء والأطفال والأهل والأزواج والزوجات.
هذه المؤسسات لا تزال مشاريع عمل أهليّة وخاصة غير رسميّة، رغم أننا بلد على الحدود مع فلسطين المُحتلة منذ العام 1948، ولم نشهد ولادة أية مؤسسة رسميّة تُعنى بالمواطن الجنوبي، علمًا أنّ آثار العدوان وصلت إلى بيروت عام 1982، واليوم إلى البقاع والجبل والشمال وكلّ الأراضي اللبنانيّة. هل ستصحو الوزارات المعنيّة من أجل صحة نفسيّة سليمة للمواطنين؟
