تتجه الأنظار إلى الثالث من تشرين الثاني، موعد الانتخابات النصفية الأميركية، وسط تصاعد التقارير الإسرائيلية والأميركية التي تتحدث عن احتمال استئناف العمليات العسكرية ضد إيران بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي، في تطور قد يعيد رسم المشهد الأمني في الشرق الأوسط ويضع لبنان أمام اختبار بالغ الخطورة.
فبحسب تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، تستعد إسرائيل لاحتمال تجدد المواجهة مع إيران فور انتهاء الانتخابات الأميركية، في وقت تتواصل فيه الاتصالات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسط ضغوط تدفع باتجاه الخيار العسكري وأخرى تطالب بمنح الدبلوماسية فرصة إضافية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي رفيع تقديره بأن الأمور تسير نحو الحرب أكثر من الاتفاق، مشيرة إلى وجود تنسيق عسكري واسع بين إسرائيل والقيادة المركزية الأميركية، بالتوازي مع متابعة المسار التفاوضي الذي تقوده قطر.
وفي تطور موازٍ، أفادت صحيفة "فايننشال تايمز"، نقلاً عن أشخاص مطلعين على المحادثات، بأن نتنياهو حضّ ترامب خلال اتصال هاتفي يوم السبت على استئناف الضربات ضد إيران بعد الانتخابات النصفية الأميركية.
لكن التقرير نفسه أشار إلى أن ترامب لم يحسم قراره النهائي، وأن المسار الدبلوماسي لا يزال مطروحاً، ما يعني أن الحديث عن ضربة مؤكدة أو موعد عسكري محسوم يتجاوز المعلومات المتاحة.
وتتركز المفاوضات، وفق التقارير الأميركية، على ترتيبات مرحلية تتعلق بمضيق هرمز والحصار الأميركي والصادرات النفطية الإيرانية والأصول المالية المجمدة، فيما تبقى الخلافات بشأن البرنامج النووي وآليات التفتيش ومخزون اليورانيوم العالي التخصيب من أبرز العقبات.
في المقابل، تؤكد طهران استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء، مع التلويح برد واسع إذا تعرضت لهجمات جديدة. وهو ما يضع المنطقة بين مسارين متناقضين: محاولة التوصل إلى تسوية في اللحظات الأخيرة، أو العودة إلى العمليات العسكرية وما قد تستدرجه من ردود متبادلة.
أما لبنان، فلا يقف خارج هذه الحسابات.
فأي مواجهة أميركية إسرائيلية جديدة مع إيران ستعيد طرح السؤال الأكثر حساسية: هل يبقى حزب الله خارج الحرب، أم تتوسع المواجهة لتشمل الجبهة اللبنانية؟
ولا تتوافر حتى الآن معلومات موثوقة تثبت اتخاذ الحزب قراراً بالمشاركة في حرب محتملة، كما لا يمكن اعتبار ارتباطه السياسي والعسكري بإيران دليلاً كافياً على أن دخوله أي مواجهة سيكون تلقائياً.
لكن المخاطر لا تتوقف عند احتمال مشاركته المباشرة، إذ إن توسيع العمليات الإسرائيلية في لبنان، أو حصول ضربة متبادلة عبر الحدود، قد يفتح مسار تصعيد منفصلاً عن القرار الإيراني نفسه.
ويتزامن ذلك مع واقع لبناني شديد الهشاشة، في ظل استمرار التوتر العسكري في الجنوب، والخلاف الداخلي حول السلاح، والضغوط الاقتصادية والمالية التي تحد من قدرة الدولة على مواجهة تداعيات أي اضطراب واسع في المنطقة.
وتزداد الصورة تعقيداً بفعل الأزمة السياسية الإسرائيلية التي أعقبت الانتخابات الأخيرة. فقد تناولت تقارير وتحليلات إسرائيلية احتمال تأثير أي حرب جديدة في مسار تشكيل الحكومة، وصولاً إلى طرح سيناريو حكومة طوارئ أو وحدة وطنية.
غير أن هذا الربط لا يثبت أن قرار الحرب سيُتخذ لأهداف سياسية داخلية، بل يكشف وجود نقاش إسرائيلي حول التداخل بين الأزمة الحكومية والتطورات العسكرية المحتملة.
وفي قراءة نشرها مركز "صوفان" الأميركي اليوم الاثنين، اعتبر المركز أن أياً من السيناريوهات الحكومية الإسرائيلية لا يضمن تحولاً سريعاً في السياسة الأمنية تجاه لبنان، مشيراً إلى أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مواقع جنوبية قد يبقى موضع خلاف حتى مع تبدل القيادة السياسية.
وهنا تبرز معضلة لبنانية إضافية: فالمخاطر المرتبطة بإسرائيل لا تتصل حصراً بمصير نتنياهو، بل بقرارات أمنية واستراتيجية قد تستمر بصيغ مختلفة مع أي حكومة جديدة.
وإذا كانت واشنطن لا تزال توازن بين التصعيد والتفاوض، فإن الساعات والأيام التي تلي الانتخابات الأميركية قد تكون حاسمة في إظهار اتجاه القرار، من خلال المواقف الرسمية والتحركات العسكرية الفعلية، لا من خلال التصريحات والتسريبات وحدها.
بالنسبة إلى لبنان، تفرض هذه التطورات سؤالاً يتجاوز توقيت الضربة المحتملة: هل تمتلك الدولة اللبنانية الضمانات والقدرة الدبلوماسية اللازمة لمنع انتقال المواجهة إلى أراضيها، خصوصاً إذا تعثرت المفاوضات الأميركية الإيرانية؟
حتى الآن، لم يصدر قرار أميركي معلن باستئناف الحرب، ولم يُثبت أن المنطقة دخلت مرحلة عسكرية جديدة. لكن اجتماع الضغوط الإسرائيلية، واستمرار التفاوض تحت التهديد، والاستعدادات العسكرية التي تتحدث عنها وسائل الإعلام، يجعل احتمالات التصعيد جزءاً أساسياً من الحسابات الإقليمية.
وبين الحرب والصفقة، يبدو لبنان معنيّاً بنتيجة مواجهة لا يتحكم وحده في قرارات أطرافها، فيما يبقى السؤال المفتوح: هل يحمل ما بعد الانتخابات الأميركية فرصة لاحتواء الانفجار، أم بداية فصل جديد من المواجهة؟
