نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا لمجتبى رحمن، مدير مجموعة أوراسيا المختصة بدراسة المخاطر، قال فيه إن فرنسا تقف اليوم على شفير الهاوية.
وقال الكاتب إن فرنسا لديها عبارة تصف الوضع بدقة وهي “أونغرناج” أي “دوامة مفزعة”، وهذا هو حالها اليوم، أزمات عديدة تتراكم منذ زمن، وكل واحدة منها تنذر بتسريع تفاقم الأخرى.
أولها أزمة الديمقراطية الليبرالية، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في الانتخابات الرئاسية الربيع المقبل.
ثانيها أزمة سوء الإدارة المالية، إذ بلغ الدين العام الفرنسي مستوى قياسيا قدره 4 تريليون دولار، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي الجديد لتتجاوز مثيلتها في إيطاليا واليونان.
وثالثها أزمة سخط الشباب، حيث أغلق الطلاب الفرنسيون، احتجاجاً على تهالك المدارس وتضاؤل فرص الحياة، ما يقرب من نصف مدارس البلاد الثانوية خلال الأسابيع القليلة الماضية. وبمواجهاتهم مع الشرطة ورفعهم لافتات ملهمة، لفت الطلاب أنظار العالم إليهم.
ولا شك أن الاحتجاجات مؤثرة وذات دلالة، وكذلك صعود اليمين المتطرف، لكن الأزمة المالية هي الأخطر، فهي تكمن وراء العديد من مشاكل البلاد وتهدد بتدميرها.
ويرى الكاتب أن فرنسا، حقا، على حافة حافة الهاوية. فقد بدأت احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في ضواحي باريس الفقيرة منتصف أيلول/سبتمبر، ثم امتدت لتشمل المدارس الحكومية في جميع أنحاء البلاد، من المدن الكبرى إلى البلدات الصغيرة.
ويثور الطلاب، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاما، على ساعات الدراسة الطويلة واكتظاظ الفصول وكثرة غياب المعلمين وتهالك مباني المدارس. كما يساورهم القلق بشأن الاحتباس الحراري وصعود اليمين المتطرف، وتهديد الذكاء الاصطناعي لفرص العمل المتاحة للشباب، وتكمن جوهر شكواهم في نقص الاستثمار المزمن.
وهو ما يعد على تعبير رحمن أزمة كبيرة، فالدولة الفرنسية تنفق مبالغ طائلة على التعليم: حوالي 100 مليار دولار سنويا، أي ما يعادل 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى من متوسط الاتحاد الأوروبي.
فما الذي يحدث إذا؟ الأمر المهم هو أن أكثر من ربع هذه الأموال لا يخصص للشباب، بل لكبار السن، لدفع معاشات المعلمين المتقاعدين.
وهذا يشير إلى أحد الأسباب الجذرية لمشاكل البلاد. إذ يخصص ربع إجمالي الإنفاق الحكومي تقريبا للمعاشات التقاعدية، ويذهب ربع آخر إلى الخدمات الاجتماعية، من الرعاية الصحية إلى إعانات البطالة.
وعلق رحمن أن أي حكومة فرنسية لم تتمكن من تحقيق التوازن في ميزانيتها منذ 52 عاما. ومع ذلك، فإن حجم الدين الفرنسي، الذي يبلغ 119% من الناتج المحلي الإجمالي، أقل منه في بعض الدول الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة.
وفي عام 2019، نجح الرئيس إيمانويل ماكرون في خفض العجز السنوي إلى ما دون هدف الاتحاد الأوروبي البالغ 3% من الناتج المحلي الإجمالي. ثم جاء وباء كورونا، وتسبب تعهد ماكرون بإنفاق “كل ما يلزم” للحفاظ على الاقتصاد الفرنسي خلال فترة الإغلاق بارتفاع العجز بشكل حاد إلى 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020. وارتفع الدين المتراكم بمقدار 335 مليار دولار في عام واحد. وكانت فرنسا آنذاك أبطأ من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى في تخفيف دعمها لمواجهة الوباء. وأنفقت الحكومة 95 مليار دولار إضافية لحماية فرنسا من ارتفاع أسعار الطاقة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.
بعد ذلك، فقد ماكرون السيطرة، وأُعيد انتخابه في عام 2022 لكنه لم يحصل على الأغلبية في الجمعية الوطنية. وفرض ماكرون إصلاحا متواضعا لنظام التقاعد عام 2023، رافعا سن التقاعد الرسمي تدريجيا من 62 إلى 64 عاما. وبرر ذلك، محقا، بأن فرنسا بحاجة إلى العمل لفترة أطول لتوفير معاشاتها التقاعدية السخية ونظام الرعاية الاجتماعية. إلا أن أكثر من 70% من الفرنسيين يعارضون ذلك، بل إن بعضهم يعارض بشدة.
وردا على ذلك، دعا ماكرون إلى انتخابات مبكرة لم تكن في صالحه عام 2024، مما أدى إلى تقليص حجم ائتلافه الوسطي.
ومنذ ذلك الحين، اقترح رئيسان للوزراء حلولا لمشكلة الإسراف في الإنفاق الفرنسي، لكنهما أُقصيا من منصبيهما بأغلبية نواب اليسار واليمين المتطرف في الجمعية الوطنية. وكانت النتيجة مزيجا غريبا من الجمود والفوضى.
ويعتقد رحمن أن ماكرون يتحمل جزءا من المسؤولية عن هذه الفوضى. وكذلك المعارضة، من حزب فرنسا الأبية اليساري المتشدد إلى حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان.
فقد فضلوا المناورات السياسية على معالجة الكارثة المالية المتفاقمة، ولا سيما العبء الخانق للمعاشات التقاعدية وغيرها من المدفوعات الاجتماعية.
وفي شباط/فبراير، سمح الاشتراكيون من يسار الوسط بإقرار ميزانية هذا العام، ولكن بشرط تعليق إصلاح نظام المعاشات التقاعدية الذي اقترحه ماكرون.
واقترح رئيس الوزراء الحالي، سيباستيان ليكورنو، تغييرات مؤلمة، ولكنها ليست قاسية، في ميزانية 2027، والتي من شأنها خفض العجز إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. ويواجه أول تصويت حاسم في الجمعية الوطنية في 20 تشرين الأول/أكتوبر. وإذا فشلت حكومته في إقرار الميزانية، فقد تتضاعف تكلفة خدمة الدين الفرنسي بشكل كبير. وقد تضطر فرنسا إلى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي، وربما من البنك المركزي الأوروبي، وهو ما يعد إهانة لسابع أكبر اقتصاد في العالم.
ومع ذلك، يقول رحمن إن فرنسا لا تزال ومن نواحٍ عديدة، دولة قوية ومزدهرة. إلا أن انعدام ثقة السوق بفرنسا ليس اقتصاديا بقدر ما هو سياسي. فالأسواق تشك في قدرة النظام السياسي المنقسم بشدة، والذي يهيمن عليه بشكل متزايد التطرف اليميني واليساري، على الموافقة على التغييرات الصعبة اللازمة لإعادة المالية العامة إلى مسارها الصحيح. ويخشى هؤلاء أن البلاد تشهد اضطرابا اجتماعيا وشللا مؤسسيا. وهذا ما يفسر تراجع الثقة الذي دفع تكاليف الاقتراض في فرنسا إلى مستويات قياسية.
وفي النهاية، يقول رحمن، لا يوجد حل سهل، فمهما كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية في أيار/مايو، سيواجه أي رئيس صعوبة في الحصول على أغلبية برلمانية في الانتخابات التشريعية التي تليها في حزيران/يونيو، مما ينذر بمزيد من الاضطرابات السياسية. علاوة على ذلك، يشكك الكثيرون في استعداد السيدة لوبان، المرشحة الأوفر حظا حاليا، لمواجهة الأزمة بصدق. فقد قدمت الأسبوع الماضي خطة ميزانية لخمس سنوات مليئة بالهواجس الأيديولوجية والحسابات الملتوية.
ومن جهة أخرى، تدرك لوبان أن الأسواق قد تحدد مصير رئاستها. تريد أن تثبت أنها سياسية محنكة، لا مخربة. ولهذا السبب، من المرجح أن تصدر أوامرها لكتلتها المكونة من 139 نائبا في الجمعية الوطنية بالامتناع عن التصويت للسماح بإقرار الميزانية. قد يجنب ذلك، في الوقت الراهن، الانهيار الذي عانت منه اليونان بعد الأزمة المالية. لكن فرنسا لم تعد تسيطر على مصيرها و”الدوامة المفرغة” باقية لا محالة.
