لم تعد فكرة تحويل دول الخليج إلى وجهة سياحية واحدة مجرد شعار يرتبط بمشروعات التكامل بين دول مجلس التعاون، بل باتت تقترب من اختبار عملي مع اقتراب إطلاق التأشيرة السياحية الخليجية الموحدة، في خطوة يمكن أن تعيد تشكيل حركة الزوار في المنطقة وتفتح الباب أمام نموذج مختلف للسفر يقوم على التنقل بين أكثر من دولة خلال الرحلة نفسها.
وبينما تتنافس دول الخليج منذ سنوات على استقطاب السياح والاستثمارات والفعاليات الدولية، فإن التأشيرة الموحدة تطرح معادلة جديدة تقوم على الجمع بين هذه الوجهات بدلا من التعامل معها كأسواق منفصلة. فالسائح الذي كان يحتاج إلى ترتيبات دخول مختلفة لزيارة أكثر من دولة خليجية يمكن أن يجد نفسه أمام منظومة أكثر سهولة، تتيح له الانتقال بين ست دول تمتلك منتجات سياحية متباينة، من الشواطئ والصحراء إلى المدن الحديثة والأسواق التراثية ومراكز التسوق والفعاليات الرياضية والثقافية وسياحة الأعمال.
وكشف الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي أن مشروع التأشيرة السياحية الخليجية الموحدة يقترب من موعد إطلاقه ودخوله حيز التنفيذ الفعلي، مشيرا إلى أن المشروع وصل إلى مراحله التنظيمية الفنية الأخيرة، في ظل التنسيق بين إدارات الجوازات بوزارات الداخلية في الدول الأعضاء، بهدف تعزيز التكامل الخليجي وتسهيل حركة السياح والزوار بين دول المجلس الست.
وقد تحولت السياحة خلال السنوات الأخيرة إلى أحد القطاعات الرئيسية في خطط التنويع الاقتصادي الخليجية، وارتبط نموها بصورة مباشرة بقطاعات الطيران والضيافة والنقل والتجزئة والترفيه والعقارات والتكنولوجيا. ومع تجاوز عدد السياح القادمين إلى دول المجلس 75 مليون سائح خلال عام 2025، وتخطي الإنفاق السياحي 131 مليار دولار، تبدو السوق الخليجية أمام فرصة لتوسيع هذه الأرقام عبر زيادة مدة إقامة الزائر بدلا من التركيز فقط على زيادة أعداد الوافدين.
سوق واحدة… وتجارب متعددة
وتكشف أرقام السياحة الخليجية عن سوق إقليمية كبيرة قائمة بالفعل. فقد تجاوز عدد السياح المتنقلين بين دول مجلس التعاون 20 مليون سائح خلال عام 2025، فيما بلغت مساهمة السياحة المباشرة وغير المباشرة نحو 254 مليار دولار، بما يعادل 11.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس.
وتعني هذه الأرقام أن التأشيرة الموحدة لا تستهدف إنشاء حركة سياحية جديدة بقدر ما تستهدف إعادة تنظيم حركة قائمة وتوسيع نطاقها. فالسائح الذي يصل إلى الخليج يمكن أن يصبح مستهلكا لمنتجات سياحية في أكثر من دولة، وهو ما يعني ليالي فندقية إضافية، ورحلات جوية أكثر، وإنفاقا أكبر على المطاعم والتسوق والترفيه والنقل.
ويرى الخبير السياحي أيمن القدوة أن قيمة المشروع لا تكمن فقط في سهولة إجراءات الدخول، وإنما في القدرة على توظيف هذه السهولة لبناء منتج سياحي خليجي متكامل. وقد أشار إلى أهمية تكامل البنية التحتية والفعاليات وسهولة الوصول والضيافة والشراكات بين شركات الطيران والفنادق والجهات السياحية، وهي عناصر يمكن أن تشكل قاعدة أساسية للاستفادة من التأشيرة الموحدة.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» إن السائح يمكن أن يبدأ رحلته من إحدى المدن الخليجية ثم ينتقل إلى وجهة أخرى من دون أن تتحول الحدود والإجراءات إلى عائق، وهو ما يتيح لشركات السياحة تصميم برامج أطول وأكثر تنوعا. فبدلا من بيع إقامة في فندق أو زيارة مدينة واحدة، يمكن تقديم رحلة خليجية كاملة تجمع بين الطيران والإقامة والفعاليات والتسوق والتجارب الثقافية والترفيهية.
وهنا تكمن إحدى أهم التحولات التي يمكن أن يحملها المشروع، وهي الانتقال من التنافس على السائح داخل حدود كل دولة إلى التعاون لزيادة قيمة السائح داخل المنطقة بأكملها. فزيادة مدة الإقامة تعني في الوقت نفسه زيادة الإنفاق، وتوزيع هذا الإنفاق على عدد أكبر من المدن والقطاعات.
السياحة تتجاوز الترفيه
ومن زاوية أخرى، فإن التأشيرة الموحدة يمكن أن تعزز الرؤية التي طالما ارتبطت بتطوير السياحة الخليجية باعتبارها قطاعا اقتصاديا متكاملا، وليس نشاطا مرتبطا بالترفيه فقط.
وأكد الخبير السياحي محمد المهندي إلى أهمية التأشيرة السياحية الخليجية الموحدة والتسهيلات المتعلقة بالدخول والتأشيرات في دعم نمو القطاع، مشيرا إلى أن تطوير السياحة يرتبط أيضا بمشروعات الضيافة والبنية التحتية والمشروعات الجديدة التي تعزز جاذبية الوجهة السياحية.
وأشار في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» إلى أهمية التعاون بين دول الخليج، مشيرا إلى تجربة التأشيرة المشتركة بين قطر وسلطنة عمان باعتبارها نموذجا يمكن أن يتيح حرية أكبر للحركة بين وجهتين تمتلكان منتجات سياحية مختلفة، معربا عن أمله في تطبيق الفكرة على بقية دول مجلس التعاون.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة اليوم، مع اقتراب تطبيق التأشيرة الخليجية الموحدة، إذ إن توحيد الدخول يمكن أن يوسع مفهوم المنتج السياحي من دولة منفردة إلى منظومة إقليمية. كما أن تنوع المنتجات بين دول المجلس يمنح السائح سببا إضافيا لتمديد رحلته، بدلا من الاكتفاء بزيارة واحدة.
ولا يقتصر الأمر على الفنادق والمعالم السياحية، إذ إن السياحة ترتبط بقطاع الأعمال والمؤتمرات والمعارض والرياضة والثقافة والتسوق والترفيه، وهي قطاعات تستطيع دول الخليج أن تتكامل فيها بصورة أكبر. وكلما اتسعت حركة الزوار، زادت فرص المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وارتفع الطلب على الخدمات السياحية والنقل والمطاعم والأنشطة المختلفة.
ومن هنا يمكن أن تتحول التأشيرة الموحدة إلى أداة اقتصادية تتجاوز مهمتها الإدارية، لأنها توسع السوق أمام المستثمرين وتزيد حجم الطلب على المنتجات السياحية والخدمات المرتبطة بها.
الطيران أمام فرصة جديدة
ويبدو قطاع الطيران من أكثر القطاعات التي يمكن أن تتأثر بهذا التحول. فالموقع الجغرافي المتقارب لدول الخليج وشبكة المطارات وشركات الطيران التي تربط المنطقة بمختلف الأسواق العالمية توفر قاعدة ملائمة لزيادة الرحلات متعددة الوجهات.
وقد يتغير نمط الحجز نفسه، بحيث يصل السائح إلى دولة ويغادر من دولة أخرى، أو يجمع بين رحلة جوية ورحلة برية أو بحرية. كما يمكن أن تتوسع العروض المشتركة بين شركات الطيران والفنادق والجهات السياحية، خصوصا خلال المواسم والفعاليات الكبرى.
ولا يقتصر الأمر على الناقلات الجوية الكبرى، بل يمتد إلى المطارات والخدمات الأرضية وتأجير السيارات والنقل السياحي، إذ إن نمو الحركة بين دول المجلس سيخلق طلبا إضافيا على شبكة واسعة من الخدمات المساندة.
تحفيز نتائج الفنادق
وفي قطاع الضيافة، يمكن أن يكون الأثر للتأشيرة السياحية الخليجية الموحدة أكثر وضوحا. فالفارق بين سائح يقضي أربع ليال في وجهة واحدة وسائح يقضي أسبوعا أو عشرة أيام موزعة على وجهتين أو ثلاث، لا ينعكس فقط على عدد الليالي الفندقية، بل على حجم الإنفاق الإجمالي للرحلة.
كما أن ارتفاع الطلب على الإقامة يمكن أن يشجع على مزيد من الاستثمارات في الفنادق والمنتجعات، ويدفع المنشآت القائمة إلى تطوير عروضها، خصوصا إذا أصبحت الرحلات متعددة الوجهات جزءا من المنتج السياحي الخليجي.
ومن المتوقع كذلك أن تستفيد الفنادق من الشراكات الإقليمية، بحيث تقدم برامج إقامة مشتركة تشمل أكثر من دولة، وهو ما يمكن أن يحول الفندق من مكان للإقامة إلى جزء من برنامج سياحي متكامل.
نمو حركة الزوار
ومن جانبه، يرى الخبير السياحي عادل الهيل أن تسهيل إجراءات الدخول عبر التأشيرة الخليجية السياحية الموحدة يمثل عاملا أساسيا في زيادة الحركة السياحية والاستفادة من المقومات التي تمتلكها دول الخليج.
وقال في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي»: «وتكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة في إطار المشروع الخليجي، لأن السائح الدولي يتخذ قراراته بناء على مجموعة من العوامل، من بينها سهولة الإجراءات ووضوح المعلومات وتوافر الحجوزات وتكلفة الرحلة وسهولة التنقل بين المدن».
وأضاف الهيل: «التأشيرة الموحدة يمكن أن تخفض أحد الحواجز أمام حركة السياح، لكنها في الوقت نفسه تضع أمام القطاع السياحي مسؤولية تطوير بقية عناصر التجربة. فالسائح الذي يحصل على تأشيرة واحدة سيحتاج إلى منصة واضحة تساعده على اختيار الفنادق والرحلات والفعاليات والتنقلات، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير منظومة رقمية خليجية متكاملة».
قطر في قلب التحول
وتدخل قطر مرحلة تطبيق التأشيرة الموحدة وهي تمتلك زخما سياحيا متناميا. فقد استقبلت الدولة نحو 5.1 مليون زائر خلال عام 2025، فيما تجاوز عدد الزوار 2.3 مليون حتى نهاية آب/أغسطس 2026، بالتزامن مع اختيار الدوحة عاصمة للسياحة الخليجية لعام 2026.
وتملك قطر مقومات تجعلها جزءا رئيسيا من نموذج الرحلات متعددة الوجهات، في مقدمتها مطار حمد الدولي وشبكة الخطوط الجوية القطرية، إلى جانب الفنادق والمنتجعات ومراكز التسوق والمرافق الرياضية والثقافية والترفيهية. كما أن كثافة الفعاليات تمثل عنصرا إضافيا في هذا المشهد. ويتضمن روزنامة قطر السياحية لموسم 2026-2027 أكثر من 560 فعالية، وهو ما يتيح فرصا أمام شركات السياحة لتصميم برامج ترتبط بفعاليات محددة، ثم تمديد الرحلة لتشمل وجهات خليجية أخرى.
وهنا يمكن أن تتغير طبيعة المنافسة بين المدن الخليجية. فبدلا من أن يكون الهدف اجتذاب السائح لقضاء كامل إجازته في وجهة واحدة، يمكن أن يصبح التحدي هو إقناعه بإضافة المدينة إلى رحلته الخليجية. وبذلك يتحول نجاح دولة في استقطاب الزائر إلى فرصة محتملة لبقية دول المجلس أيضا.
الفعاليات وسياحة الأعمال
وتبرز الفعاليات والمعارض والمؤتمرات باعتبارها إحدى الأدوات الأكثر قدرة على تنشيط هذا النموذج. فالسائح الذي يصل لحضور معرض أو مؤتمر أو بطولة رياضية يمثل بالفعل زائرا موجودا في المنطقة، ويمكن أن يتحول إلى سائح متعدد الوجهات إذا توفرت له برامج مناسبة للنقل والإقامة والأنشطة.
كما يمكن تطوير أجندة خليجية للفعاليات الكبرى، تتيح للسائح الدولي التخطيط لرحلة أطول تتزامن مع مجموعة من الأحداث في أكثر من دولة. ويعني ذلك أن الفعالية لن تكون مجرد مناسبة تستقطب الزوار لعدة أيام، وإنما نقطة دخول إلى سوق سياحية إقليمية أوسع.
الأمر ذاته ينطبق على سياحة الأعمال، حيث يمكن لرجل الأعمال أو المستثمر أن يجمع بين حضور مؤتمر في دولة وزيارة شركاء أو أسواق في دولة أخرى. ومع سهولة إجراءات الدخول، تصبح الحركة المهنية والسياحية أكثر ترابطا.
السياحة البحرية
ولا تقتصر فرص التكامل على السفر الجوي، فالسياحة البحرية يمكن أن تكون من القطاعات المستفيدة أيضا. فوجود مسارات بحرية تربط موانئ خليجية متعددة يمكن أن يوفر منتجا سياحيا إقليميا جديدا، خصوصا للسياح القادمين عبر السفن السياحية.
وتتمتع دول الخليج بمواقع ساحلية وموانئ قادرة على استضافة السفن، فيما يمكن للتنسيق المشترك أن يدعم تطوير مسارات بحرية تشمل أكثر من دولة، وتتيح للزائر اكتشاف عدد من المدن خلال الرحلة نفسها. ويضيف هذا المسار بعدا جديدا للمشروع، لأنه يجعل التأشيرة الموحدة مرتبطة ليس فقط بالسائح الفردي، وإنما أيضا بشركات الرحلات البحرية ومنظمي البرامج السياحية الدولية.
من المنافسة إلى التكامل
ومع اقتراب التطبيق، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام دول المجلس لن يكون إصدار التأشيرة، وإنما بناء منظومة سياحية قادرة على استثمارها. فسهولة الدخول لا تعني تلقائيا زيادة الإقامة أو الإنفاق ما لم تصاحبها برامج مشتركة ونقل مرن وتسويق موحد ومنصات رقمية سهلة الاستخدام.
كما أن التسويق المشترك قد يمثل إحدى أهم الأدوات في المرحلة المقبلة. فبدلا من تقديم دول الخليج في الأسواق الدولية باعتبارها ست وجهات منفصلة، يمكن الترويج للمنطقة باعتبارها وجهة واحدة متعددة التجارب، يستطيع الزائر خلالها الانتقال من مدينة إلى أخرى ومن تجربة إلى أخرى.
وهنا تبرز قيمة التنوع الخليجي؛ فالسائح يمكن أن يجد في الرحلة الواحدة الشواطئ والصحراء والتراث والتسوق والرياضة والمطاعم والفعاليات والثقافة، وهو تنوع قد يمنح المنطقة ميزة إضافية في الأسواق الدولية البعيدة.
الاختبار الحقيقي
لكن نجاح المشروع سيظل مرتبطا بما سيحدث بعد إطلاق التأشيرة. فالتحدي لن يكون فقط في عدد التأشيرات الصادرة، وإنما في عدد الزوار الذين سيستخدمونها لزيارة أكثر من دولة، وفي مدى قدرة القطاع الخاص على تطوير منتجات جديدة تستفيد من سهولة التنقل.
ويحتاج ذلك إلى تنسيق مستمر في التسويق، وتطوير برامج متعددة الوجهات، وتحسين الربط الجوي والبري والبحري، وتوفير منصات رقمية سهلة، وتبادل البيانات بصورة آمنة، إلى جانب وضوح الإجراءات أمام السائح منذ لحظة التخطيط للرحلة وحتى مغادرته المنطقة.
وتشير التجربة الخليجية إلى أن البنية الأساسية موجودة بالفعل بدرجة كبيرة، من المطارات والفنادق إلى الفعاليات ومراكز التسوق والموانئ والمنشآت الرياضية والترفيهية. وما تحتاجه المرحلة المقبلة هو ربط هذه العناصر في منتج واحد يمكن تسويقه عالميا.
وتبدو التأشيرة السياحية الخليجية الموحدة أكبر من مجرد إجراء لتسهيل دخول الزوار. إنها خطوة يمكن أن تعيد تعريف العلاقة بين السياحة والاقتصاد في المنطقة، وتدفع نحو سوق إقليمية أكثر تكاملا، تستفيد منها قطاعات الطيران والضيافة والنقل والتجزئة والترفيه والاستثمار.
