نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعده كريغ ميلر قال فيه إن قرار الولايات المتحدة سحب قاذفات بي-1 من قاعدة فيرفورد الجوية في بريطانيا، يظهر أن إيران رغم كونها الطرف الأضعف في الحرب، لا تزال قادرة على إثارة توتر وخوف الولايات المتحدة.
وأشارت الصحيفة إلى خطاب ألقاه وزير الدفاع بيت هيغسيث أمام قوات أمريكية الأسبوع الماضي، ردد فيه تصريحات الرئيس دونالد ترامب المنتصرة التي وصف فيها إيران بأنها عدو مهزوم.
وقال هيغسيث إن الولايات المتحدة “دمرت” البحرية الإيرانية وقواتها الجوية وقيادتها و”قاعدتها الدفاعية بأكملها”، مما أدى إلى شل قدرات طهران التقليدية وكشف “طموحاتها النووية المحطمة” للعالم.
إلا أن الولايات المتحدة بدأت بعد أيام، وبشكل سري في سحب قاذفاتها من طراز بي-1 من قاعدة عسكرية شديدة الحراسة في الريف البريطاني، هربا مما وصفه مسؤولون أمريكيون خطر هجوم “أسراب الطائرات المسيرة” الكارثي المحتمل الذي تخطط له إيران.
وتقول الصحيفة إن إجلاء الطائرات الأمريكية من القاعدة الجوية البريطانية، تؤكد قدرة إيران المستمرة على استخدام التهديد بالحرب غير المتكافئة رغم تفوق الولايات المتحدة وإسرائيل عليها عسكريا.
فلم تكتف طهران باستخدام التهديد بالهجمات غير التقليدية لدفع الولايات المتحدة على نقل عشرات القاذفات بعيدة المدى على عجل، بل سعت أيضا إلى إحداث فوضى في أسواق الطاقة العالمية وتهديد سلامة طائرة الرئاسة الأمريكية (إير فورس ون) وذلك على الرغم من تصريحات مسؤولي إدارة ترامب المتكررة بأن الحرب قد انتهت. ويقول خبراء الأمن إن استخدام إيران للتكتيكات غير التقليدية أو حتى مجرد التهديد بها في بعض الحالات، مكنها من تحقيق سلسلة من الانتصارات الرمزية والتكتيكية اللافتة.
ونقل عن دانيال بايمان، خبير مكافحة الإرهاب وأستاذ الدراسات الأمنية في جامعة جورجتاون: “لا أعتقد أن أحدا، بمن فيهم الإيرانيون، كان يعتقد في البداية أنهم قادرون على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما من أفضل الجيوش والقوات الجوية في العالم، وخوض معركة متكافئة. ومع ذلك، فقد مرت سبعة أشهر ونصف على هذه الحرب، ولا تزال إيران تلحق الضرر، وهذا أمر لافت للنظر حقا”.
ويقول مسؤولون أمنيون ومحللون إن حملة إيران لشن غارات بطائرات مسيرة على ناقلات النفط في مضيق هرمز قد منحتها نفوذا على ممر ملاحي حيوي وإمدادات طاقة عالمية لم تكن لتتمكن من تحقيقه حتى مع استخدام القوة البحرية التقليدية. وصعدت طهران من هجماتها في المضيق خلال الأيام الأخيرة، على ما يبدو ردا على توسيع العمليات الأمريكية التي أعادت تدفق النفط إلى مستويات قريبة من مستويات ما قبل الحرب. وخلال الأسبوع الماضي، استهدفت الهجمات الإيرانية أكثر من عشر سفن، وفقا لبيانات الرصد البحري.
وأدى التهديد بمؤامرة اغتيال إيرانية إلى سلسلة أحداث استثنائية في تموز/يوليو، حيث تم إنزال ترامب سرا من طائرة الرئاسة الأمريكية (إير فورس ون) عبر شاحنة تموين في المطار، في محاولة عاجلة لحمايته من خطر هجوم من خصم وصفه في آذار/مارس بأنه “انتهى أمره”، ووصفه مؤخرا بأنه “مدمر”.
وفي قاعدة فيرفورد البريطانية، يبدو أن إيران أجبرت الولايات المتحدة على سحب رمز من رموز قوتها العسكرية، وهو أسطول من الطائرات التي نفذت ضربات قاسية في الحرب، دون أي مؤشر على تمكن إيران من توفير الأفراد أو المعدات اللازمة لشن هجوم “سرب من الطائرات المسيرة”. وإلى جانب مضايقتها لناقلات النفط وقاذفات بي-1، استخدمت إيران الطائرات المسيرة لإلحاق أضرار جسيمة بالقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط وقتل بعض الجنود. كما جندت إيران حلفاءها الحوثيين في اليمن لضرب مواقع في السعودية كان من غير المرجح أن تتمكن إيران من الوصول إليها بطريقة أخرى.
وسعى ترامب إلى التقليل من أهمية مغادرة القاذفات بريطانيا هذا الأسبوع، قائلا: “بدلا من استدراج العدو، سنقبض عليه ونهزمه ولذا قمنا بتحريكها قليلا، ليس لمسافة بعيدة”. وإذا استؤنفت الغارات الجوية الأمريكية على إيران، فسيتعين على القاذفات قطع آلاف الأميال الإضافية بعد نقلها إلى قواعد في داكوتا الجنوبية ومناطق أخرى في الولايات المتحدة، من قاعدتها السابقة التي تبعد 80 ميلا غرب لندن.
وقال مسؤولون أمنيون سابقون إن عملية الإجلاء كانت بمثابة نصر رمزي لطهران، لكنها في نهاية المطاف ذات عواقب محدودة. وقال نورمان رول، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) والخبير في الشؤون الإيرانية: “إنها لا تحد من خياراتنا العسكرية ضد إيران، ولا تغير المسار الاستراتيجي للصراع”.
ومع ذلك، قال رول إن هذه العملية تظهر أن إيران أثبتت براعتها في استغلال تكنولوجيا الطائرات المسيرة، مما يجبر المسؤولين العسكريين على إعادة تقييم نقاط ضعف قاعدة فيرفورد وغيرها من القواعد التي طالما اعتُبرت آمنة.
وأضاف رول: “تكشف إيران عن الطريقة التي تجبرنا التكنولوجيا الجديدة في مجال الفضاء الإلكتروني والطائرات المسيرة على إعادة تشكيل بنيتنا الدفاعية”.
وفي مؤشر على القلق إزاء هذا التهديد، قال مسؤولون أمريكيون إن عملية إجلاء القاذفات بدأت قبل أن تكون طائرات التزود بالوقود جاهزة تماما لدعم رحلتها عبر المحيط الأطلسي. وجاءت عملية إعادة الانتشار المتسرعة وسط إشارات متضاربة حول مدى خطورة التهديد الذي يواجه قاعدة فيرفورد، وحول قدرة إيران على تنفيذ مثل هذه المؤامرة المعقدة. وقال مسؤولون أمريكيون إن نقل القاذفات جاء استجابةً لمعلومات استخباراتية متعددة تشير إلى إمكانية استهدافها في هجوم مماثل للهجوم الذي شنته أوكرانيا على روسيا في حزيران/يونيو 2025. وفي تلك الضربة، التي أُطلق عليها اسم عملية “شبكة العنكبوت”، دمرت أوكرانيا أكثر من اثنتي عشرة طائرة عسكرية روسية باستخدام طائرات مسيرة مسلحة صغيرة تم تهريبها إلى البلاد في شاحنات نقل البضائع.
وتقول الصحيفة إن المسؤولين البريطانيين شعروا بمخاوف من احتمال وقوع هجوم مماثل على الأراضي البريطانية، وذلك بعد تلقي الشرطة بلاغات بعد منتصف ليل الرابع من تشرين الأول/أكتوبر بقليل، تفيد باقتراب ثلاث شاحنات نقل بيضاء من قاعدة فيرفورد.
وأظهرت صور إخبارية التقطت بعد وصول الشرطة خمسة رجال عزلا، يجلسون على الأرض في الظلام تحت حراسة الشرطة. وفي صباح اليوم التالي، أظهرت لقطات إخبارية روبوتات تفتيش المتفجرات تتحرك بين الشاحنات. ومع ذلك، لم تعثر الشرطة على أي طائرات مسيّرة أو متفجرات أو أسلحة في المركبات، بل على عبوات بنزين فقط. وأطلق سراح المشتبه بهم الخمسة بكفالة في اليوم التالي، وخلصت الشرطة البريطانية إلى عدم تشكيلهم أي تهديد مستمر.
وصرح ترامب آنذاك بأن المشتبه بهم كانوا يخططون لإحداث “ضرر كبير”. ورغم أن المسؤولين الأمريكيين أشاروا إلى معلومات استخباراتية جديدة مثيرة للقلق، أكد المسؤولون البريطانيون عدم ظهور أي تهديد جديد للقاعدة. وتحدث المسؤولون شريطة عدم الكشف عن هويتهم، بسبب التحقيقات المستمرة.
وقد أثارت الردود المتباينة تساؤلات حول “مدى خطورة هذا التهديد”، كما قال بايمان، وما إذا كانت الولايات المتحدة قد اطلعت على معلومات استخباراتية لم يطلع عليها حلفاؤها أو تصرف المسؤولون الأمريكية بطرق حذرة فيما يتعلق بالإرهاب.
وأشارت “واشنطن بوست” إلى تسجيل بريطانيا عددا كبيرا من المؤامرات المنسوبة لإيران في السنوات الأخيرة، لكن لم تظهر أي تفاصيل من هذه الحالات تشير إلى قدرة إيران على شن هجوم معقد على قاعدة عسكرية شديدة الحراسة.
وبدلا من ذلك، تتهم إيران بالوقوف وراء سلسلة من عمليات التخريب البسيطة والمؤامرات التي تشمل عملاء مجندين من شبكات إجرامية على منصات التواصل الاجتماعي. وتشمل المؤامرات الأخيرة طعن أحد المارة اليهود وهجوما متعمدا بإحراق سيارات إسعاف تخدم الجالية اليهودية في شمال لندن.
ويرى الخبراء أن اعتماد إيران المتزايد على العملاء الإجراميين مؤشر على مدى صعوبة إفلات عملاء إيران أنفسهم من قبضة جهاز الأمن الداخلي البريطاني (أم أي فايف) وغيره من الأجهزة الأمنية على الأراضي البريطانية، فضلا عن تهريب شاحنات محملة بطائرات مسيرة مسلحة.
كما يرى خبراء أن المؤامرة ضد قاعدة فيرفورد ربما كانت محاولة من إيران لاختبار الدفاعات البريطانية، وإثارة قلق واشنطن، دون المخاطرة بتداعيات هجوم واسع النطاق أو فشله.
وقال علي فائز، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية: “ربما لم تكن نية إيران تنفيذ هجوم كهذا بقدر ما كانت رغبتها في أن تكتشف أجهزة الاستخبارات الغربية قدرتها على ذلك”. مضيفا أن النتيجة كانت “إنذارا مدروسا بعناية: وسيلة لإثبات قدرة إيران على توسيع نطاق عملياتها إلى الأراضي الأوروبية”.
