بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

أكتوبر يكشف: السنوار براغماتي وإسرائيل بعقلية “الإبادة الجماعية”

أكتوبر يكشف: السنوار براغماتي وإسرائيل بعقلية “الإبادة الجماعية”

يظهر من الخطاب العام في إسرائيل انطباع بأن النقطة المحورية في تحقيق شلومي آلدار وروت يوفال هي أن “نتنياهو كان يعرف”، ولم يبلغ أعضاء المؤسسة الأمنية. إن الميل إلى قراءة تحقيق بهذه الطريقة يختزله إلى نقاش داخلي يحدد طرفين: نتنياهو مقابل المؤسسة الأمنية. بيبي يلغي التحذير الذي كان أعضاء المؤسسة الأمنية سيأخذونه على محمل الجد ويتصرفون بحسبه. وبنفس الطريقة يتم تقليص الفترة الزمنية التي يجب تناولها – اللحظة التي سبقت 7 أكتوبر – هل عرفوا أم لا؟ في هذا السياق، يبدو أن المؤسسة الأمنية ناصعة كالثلج. وبالطبع، هي أكثر تشدداً واستعداداً لخوض المعركة ومنع المستقبل من الحدوث.

لكن هناك أموراً أهم مخفية في التحقيق. لقد غطت نوعا ليمونا بعضها بالفعل في هذه الصحيفة. وهذا يقوض عدة افتراضات أساسية راسخة في الخطاب الإسرائيلي: الأول، أن يحيى السنوار سيهاجم إسرائيل لتحقيق رؤيته الجهادية الأصولية؛ أي أن حماس منظمة تسترشد بأوهام عن احتلال دولة إسرائيل وإقامة الخلافة الإسلامية. إن الجهادية والأصولية مفهومان خاطئان يهدفان إلى إنكار مسؤولية إسرائيل عما يحدث في قطاع غزة.

وحسب التحقيق، لم يكن الأمر تسريباً، بل رسالة متعمدة من السنوار. إذا كان السنوار مدفوعاً فقط بطموح مجنون، وهو تدمير إسرائيل، فلماذا أرسل التحذيرات ولم يحافظ على تأثير المفاجأة؟

إلى جانب الإنكار، خيال العدو غير العقلاني يساعد في تبرير أي عمل عسكري تقريباً. مصادر هذا الوصف تكمن فيما أطلق عليه وليام كفانا “أسطورة العنف الديني”، وهو الخطاب الذي يصنف العنف من نوع معين كأنه ينبع من اعتبارات غير عقلانية ويفتقر إلى هدف سياسي، خلافاً للعنف المشروع الذي تمارسه الدولة، الناشئ عن اعتبارات “الدفاع” و”الأمن”. هذه الأسطورة تساعد على إضفاء الشرعية على أي شكل من أشكال العنف الذي ترتكبه الدولة. مع ذلك، يظهر التحقيق أن حماس حركة مختلفة كلياً عما يتم تصويره في العادة في الخطاب الإسرائيلي.

القصة الأساسية في المقال، التي تجاهلتها العناوين الرئيسية، ليست التحذير “كما يتلقى رؤساء الأجهزة الأمنية أخبار الصباح”، بل المحادثات التي جرت بين إسرائيل وحماس في العام 2023، التي موضوعها، كما كتب آلدار ويوفال “الرفع التدريجي للحصار عن غزة وزيادة كميات المواد الغذائية والمواد الأولية التي ستدخل إلى القطاع”، ومسألة إطلاق سراح المواطنين الإسرائيليين المحتجزين في غزة. وحسب التقرير، فإنه مقابل عودة ابرا منغيستو وهشام السيد وجثامين هدار غولدن واورن شاؤول، طلب السنوار إطلاق سراح 500 سجين من حماس. وبعد ذلك، كان مستعداً لخفض العدد إلى 250، وفي النهاية وافق على إطلاق سراح 50 سجيناً.

كان الاتفاق على وشك التوقيع، لكن بعد ذلك بدأ نتنياهو يؤجل تنفيذه باستمرار. وتطلب الاتفاق عقد لجنة الأسرى والمفقودين، لكن نتنياهو امتنع عن عقدها. إن تجنبه لتنفيذ الاتفاق كان أساس توجه السنوار للتحرك العسكري واسع النطاق الذي أعده. ويكشف التقرير أنه حتى اللحظة الأخيرة، في أيلول 2023، استمر السنوار في استخدام الوسطاء للضغط على نتنياهو لتنفيذ الاتفاق. بكلمات أخرى، بالنسبة للسنوار، تم استخدام التهديد بهجوم غير مسبوق كأداة لتحقيق أهدافه السياسية.

ناقش أعضاء في المؤسسة الأمنية التهديد بعد ذلك، واقترحوا القيام بـ “هجوم قوي ومفاجئ”. بكلمات أخرى، لم يطالب أعضاء جهاز الأمن بالعودة إلى المفاوضات التي كانوا يعرفون أن نتنياهو يجريها ويماطل في تنفيذها

وناقش أعضاء في المؤسسة الأمنية التهديد بعد ذلك، واقترحوا القيام بـ “هجوم قوي ومفاجئ”. بكلمات أخرى، لم يطالب أعضاء جهاز الأمن بالعودة إلى المفاوضات التي كانوا يعرفون أن نتنياهو يجريها ويماطل في تنفيذها. ولكن الشيء الوحيد الذي كان في جعبتهم هو قتل الشريك. إن عدم النظر بشكل جدي لتهديد السنوار هو الذي ادى إلى المحادثة التي أجراها محمد بن زايد مع نتنياهو، والتي لم يتم إبلاغ المؤسسة الأمنية بها.

التفسير السائد هو أن كل تحركات السنوار ضد نتنياهو كانت خدعة مصممة للوصول إلى 7 أكتوبر. ويشير التقرير إلى واقع مختلف كلياً: تبين أن السنوار زعيم وطني لجيب محاصر، والذي أجرى مفاوضات من أجل إنجازات معينة (الإفراج عن السجناء على دفعات صغيرة ورفع جزئي للحصار). ولم يستخدم الخيار العسكري إلا عندما لم يتمكن من تحقيقها. ويجب أن يُدخل بقاءه الشخصي ضمن منظومة الاعتبارات. ومن كان في مكان السنوار يعرف أن معظم أسلافه في القيادة قتلوا على يد إسرائيل. ومن لم يقتل كان محظوظاً، مثل خالد مشعل أو محمد الضيف. أجرى السنوار المفاوضات وهو يعرف أن سيف ديموقليس معلق فوق رأسه. معرفة مجيء الموت في أي لحظة، يمكن أن يدفع الإنسان إلى أحلام كبيرة أو إلى أخذ مخاطرة كبيرة، ولكن قد يتساءل المرء أيضاً إذا كان متعصباً جديراً بهذا الاسم قد يجري مثل هذه المفاوضات الطويلة مع شخص قد يقتله حتى قبل انتهاء المحادثات؟ إن مناقشة التعصب الديني الذي تمارسه حماس تساعد معظم الإسرائيليين على إنكار مستوى خطأ إسرائيل في تخفيف الحصار.

إن المفاوضات التي قادها السنوار بشكل غير مباشر مع نتنياهو هي جزء من النمط العملي الذي هو أحد خصائص حماس، وأمها حركة الإخوان المسلمين عبر التاريخ. لقد كانت حماس دائماً هي اليمين الفلسطيني المحافظ، وهي، مثل حركات اليمين المحافظة في أرجاء العالم، خلطت بين الدين والقومية. وكثيراً ما تستشهد إسرائيل بمثال حماس، ويبدو أننا نؤمن بهذا الميثاق أكثر من حماس. والحقيقة أن الميثاق لا يلعب أي دور في سياسة الحركة، خلافاً لميثاق م.ت.ف في ذلك الحين، أو إعلان استقلال إسرائيل على سبيل المثال.

لسنوات كثيرة كان مؤسس حماس، الشيخ أحمد ياسين، يتمتع بعلاقات ودية مع الحكم العسكري الإسرائيلي وحكومات الليكود، وعمل بتشجيع منهم. وفي مقابلة مثيرة للاهتمام في العام 1998، التي نشرتها في الشبكة المراسلة أوشرات كوتلر، شرح أحمد ياسين الخطة السياسية لحماس باستخدام مفهوم “الهدنة” (وقف القتال). “أنا أترك الأرض التي احتلتها إسرائيل في العام 1948 للتاريخ وللأجيال القادمة، وأريد حلاً بيني وبينكم الآن في هذه الفترة (فيما يتعلق بـ 1967)، هو حل قادر على إنهاء الصراع ووقف سفك الدمار. أنا لا أقدم حلاً أبدياً ودائماً. الأجيال القادمة دون سيطرتي. ولكن لا يمكنني أن أعطي وعداً، ولا أفي به”، قال في المقابلة. إن تأجيل مشاكل الحاضر إلى مستقبل مجهول هو نقيض الأصولية، بل هو في الواقع نوع من المحافظة.

أيضاً أظهر التقرير الذي نشرته “هآرتس” بعد أحداث 7 أكتوبر بأنه عندما أدرك السنوار نجاح الهجوم سارع إلى عرض إطلاق سراح الأطفال وكبار السن المخطوفين. يمكن إدانة اختطاف المدنيين، كما فعل معظم العالم، بما في ذلك الكثير من الفلسطينيين. ولكن الأهم هو ملاحظة براغماتية السنوار. فقد شوهت عملية الاختطاف سمعة حماس عالمياً، ما دفعها إلى تغيير موقفها، بعد أن كانت تتأرجح بين العنف والتسوية.

من أين ينبع عنف حماس؟ ليس من دوافع دينية أو أيديولوجية، بل نتيجة استمرار الاحتلال والحصار. كانت م.ت.ف قبل ذلك تتألف من لاجئين من الجيلين الأول والثاني، في حين تتألف حماس من أبناء وأحفاد هؤلاء اللاجئين. لسنوات كثيرة، تعاونوا مع الاحتلال الإسرائيلي ولم ينقبلوا عليه إلا بعد ذلك، مع الاستمرار في التفاوض معه. ومثلما هي الحال مع معظم حركات التحرر الوطني الحديثة، استخدمت حماس العنف كأداة لتحقيق أهداف سياسية.

وقد ازداد عنفها مع ازدياد عنف إسرائيل. ففي عملية “الرصاص المصبوب” قتلت إسرائيل أكثر من ألف فلسطيني. وفي عملية “الجرف الصامد” قتلت أكثر من ألفين. وفي مسيرات العودة قتلت إسرائيل 223 شخصاً وأصابت 8 آلاف شخص. لا أحد يتذكر مرضى السرطان والأمراض المزمنة الأخرى أو الأطفال الخدج أو الذين ماتوا بسبب المياه الملوثة في قطاع غزة. ولا يتذكر أيضاً آلاف السجناء في السجون. هؤلاء القتلى والسجناء والمحاصرون يفسرون أحداث 7 أكتوبر بشكل أفضل بكثير من الاصولية الدينية.

لإسرائيل أسرار كثيرة، أحدها يتعلق بالأعداء. فهم ليسوا حسودين أو غير عقلانيين، بل سياسيون يطمحون إلى حياة مزدهرة وكريمة وتحرر وطني، مثل الكثير من اليهود الإسرائيليين. إن طبيعة العدو الطبيعية سر محفوظ جيداً يتم تجنب ذكره، لكنه يظهر بين السطور.

إن النقاش الإسرائيلي التقليدي حول نتنياهو، الذي تجاهل تحذير بن زايد، يطغى إلى استنتاج آخر ظهر في التقرير، وهو الإجماع الساحق على عدم الالتفات إلى مغزى تهديد السنوار، أي محاولة تنفيذ الاتفاق الذي تمت مناقشته. ربما كانت هناك خلافات بين القيادة الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية حول جدية التحذير، لكن كان هناك إجماع على ضرورة مواصلة التدمير والقتل والخسارة، وليس الإنقاذ. إذا كان الأمر هكذا، فالمشكلة ليست في جهلهم، بل نظرتهم إلى حماس ككيان خارج على المنطق السياسي، وكيان يجب تدميره. هذا الإجماع لا يؤدي إلى الخلاص، بل إلى الإبادة الجماعية.

هآرتس 20/9/2026